مصدر لبناني لـعربي21: لا صحة لوجود طلب سعودي فرنسي بتأجيل الانتخابات
تاريخ النشر: 22nd, February 2026 GMT
نفى مصدر سياسي لبناني، صحة ما أوردته صحيفة "الأخبار" اللبنانية، السبت، بشأن تلقي رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، للمرة الأولى طلبات مباشرة فرنسية – سعودية تدعو إلى التمديد للمجلس النيابي وتأجيل الانتخابات لمدة سنة على الأقل، لافتا إلى أن "هذا الطلب لم يحصل من الأساس، وما جرى تداوله في هذا السياق يندرج ضمن تسريبات إعلامية غير دقيقة".
وأكد المصدر، في تصريح خاص لـ"عربي21"، أن "بعض الأطراف اللبنانية تعتبر نفسها متضررة بدرجة كبيرة من إجراء الانتخابات النيابية في موعدها"، موضحا أن "هذه الأطراف تضم، بالدرجة الأولى، ثلاثة أحزاب ترى أن الاستحقاق الانتخابي قد يبدّل موازين القوى التي تشكّلت بعد الانتخابات الأخيرة".
وأوضح أن حزب "القوات اللبنانية" يعدّ من أبرز المتضررين، في ظل ما وصفه بتراجع الدعم الخارجي الذي كان يستند إليه سابقا، إضافة إلى دخول "تيار المستقبل" مُجددا على خط الانتخابات، الأمر الذي من شأنه - بحسب المصدر ذاته - أن يحدّ من الحجم النيابي الذي حصلت عليه "القوات" في الاستحقاق السابق، والذي اعتبره "حجما مبالغا فيه"، مرجحا أن يصل تمثيل "المستقبل" في حال مشاركته إلى نحو ثمانية نواب.
تحالف "المستقبل" مع "أمل"
وأضاف المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أن "احتمال تحالف (تيار المستقبل) مع حركة (أمل) يثير قلقا واسعا لدى عدد من الساسة اللبنانيين، الذين يصفون هذا التحالف المحتمل بالتسونامي الانتخابي والسياسي؛ نظرا لتأثيره المتوقع على الخريطة الانتخابية والتوازنات التقليدية داخل البرلمان"، لافتا إلى أن "تيار المستقبل لم يحسم موقفه من الترشح في الانتخابات بشكل نهائي".
وأشار إلى أن "حزبي (الكتائب) و(التيار الوطني الحر) يواجهان بدورهما تحديات انتخابية"، موضحا أنهما كانا "يعتمدان بدرجة ملحوظة على أصوات المغتربين، ما يضع عددا من مرشحيهما في دائرة الخطر، ومن بينهم شخصيات قيادية بارزة قد تتأثر حظوظها في حال تغيّر المزاج الانتخابي"، وفق قوله.
كما لفت المصدر إلى أن "جهات سياسية أخرى استفادت سابقا من اعتكاف (تيار المستقبل) عن المشاركة في الانتخابات سابقا، ما أتاح وصول عدد من النواب الذين صُنّفوا ضمن (قوى التغيير)"، معتبرا أن "أداء هؤلاء خلال السنوات الأربع الماضية كان دون التوقعات؛ إذ فشلوا في تشكيل كتلة نيابية متماسكة، وبقوا منقسمين حول ملفات أساسية ومتوافقين على ملفات محدودة فقط".
ونفى المصدر بشكل قاطع "وجود أي توجّه فعلي أو حاسم لتأجيل الانتخابات لمدة عام أو عامين كما تردد"، مُشدّدا على أن "الحديث عن ذلك يأتي في إطار رهانات سياسية وإعلامية لبعض القوى التي تخشى نتائج الاستحقاق، وتسعى إلى الدفع نحو التأجيل أو تعطيل مسارات إعادة إعمار الجنوب والضاحية والبقاع بعد الحرب الأخيرة".
ونوّه المصدر إلى أن "هذه الرهانات تهدف إلى تسجيل خسارة سياسية للثنائي الشيعي داخل بيئته الشعبية، ومحاولة فك الارتباط بينه وبين قاعدته التي هي من الأكثر عددا وتأثيرا في الساحة اللبنانية، حيث تجاوزت نسبة 55% من مجموع عدد المقترعين في الانتخابات النيابية لعام 2022".
تأجيل تقني لمدة شهرين
في حين رأى مصدر حزبي لبناني، أن "قانون الانتخابات النافذ في لبنان تعتريه إشكالات وعوائق فنية داخل نصوصه تتيح الطعن أمام المجلس الدستوري في النتائج إذا جرت الانتخابات وفقه"، مشيرا إلى "وجود شبه إجماع على إمكانية تأجيلها لمدة شهرين فقط، أي لفترة قصيرة ومحددة تقنيا".
وأضاف أن "هناك شبه توافق سياسي، حتى إن رئيس الجمهورية لا يمانع التأجيل لفترة شهرين لدواع فنية وتقنية وسياسية، مع التأكيد أنه لا يملك صلاحية التأجيل أو إقرارها في وقتها؛ إذ يعود الأمر أساسا للمجلس النيابي، والذي ربما يسنّ قانونا يتيح التأجيل لمدة شهرين ليس أكثر من ذلك".
وذكر المصدر، في تصريحات خاصة لـ"عربي21"، أن "الكثير من القوى السياسية ترغب ضمنا في تأجيل الانتخابات لدواع واعتبارات خاصة بكل طرف؛ فلكل فريق حساباته المرتبطة بظروفه ومصالحه".
وأوضح أن "أحد النواب تقدم الأسبوع الماضي باقتراح قانون لتأجيل الانتخابات لدواع فنية وتقنية لمدة عام كامل كحد أقصى، إلا أن المجلس النيابي لم يعقد أي جلسة لمناقشته أو غيره، رغم وجود نحو 15 اقتراحا ومشروع قانون متصلا بالقانون الانتخابي".
وأضاف المصدر أن "القوى السياسية، ولا سيما رئيس مجلس النواب والكتلة الثنائية الشيعية عموما، تؤكد رسميا على إجراء الانتخابات في موعدها، لكنها ترغب في تأجيلها لاعتبارات تتعلق بالتمثيل"، مشيرا إلى أن "الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) يرغب في احتكار التمثيل الشيعي في البرلمان، ويخشى من حصول خرق ولو بنائب أو نائبين شيعيين من خارج هذا الإطار، وهو أمر ممكن؛ فهناك 27 نائبا شيعيا موزعين بين حركة أمل وحزب الله، وأي خرق قد يضعف ما يُعرف بالميثاقية".
وأضاف أن "أي خرق من هذا النوع يعني سقوط احتكار مكوّن أساسي في البلد لتمثيل الطائفة، وبالتالي بروز أطراف أخرى داخل الطائفة الشيعية تتحدث باسم جزء منها؛ فلا تعود هناك حصرية أو احتكار كامل للتمثيل"، موضحا أن "ممثلي حركة أمل وحزب الله لا يريدون الوصول إلى هذه النتيجة، ولذلك لديهم خشية جدية من هذه الزاوية، إلى جانب خشية أخرى تتعلق بالحلفاء الذين يدورون في فلكهم، وقد انفض كثير منهم عنهم".
كما ذكر أن "تكتل (الجمهورية القوية) الذي تمثله القوات اللبنانية، بوصفه أكبر كتلة موجودة حاليا في البرلمان برئاسة سمير جعجع، يرى أنه إذا جرت الانتخابات هذا العام، أي في أيار/ مايو المقبل، فإن مدة المجلس النيابي ستكون أربع سنوات، وهو ما يعني أن المجلس المُنتخب عام 2026 لن ينتخب رئيس الجمهورية المقبل، ما قد يفوّت على جعجع فرصة الترشح مستندا إلى كتلة وازنة، الأمر الذي يدفع هذا الفريق إلى تفضيل التأجيل لمدة عام أو عامين من أجل ترشيح جعجع لانتخابات الرئاسة".
وأضاف المصدر ذاته أن "التيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل، الذي دخل في خلاف مع حزب الله وتقلصت كتلته بعدما كان حليفا للحزب، يسعى للحفاظ على مكتسباته وعدم إجراء الانتخابات في هذه اللحظة حتى لا يخسر مزيدا من النواب".
وتابع أن "نواب التغيير، وعددهم نحو 14 نائبا، تشتتوا، ومن المرجح أن يفقد كثير منهم مقاعدهم إذا جرت الانتخابات في موعدها، ما يجعل لديهم أيضا مصلحة في التمديد لعام أو عامين، وهو ما يعكس المناخ العام".
ومن المقرر أن تجرى الانتخابات النيابية الأولى بعد الحرب الإسرائيلية الوحشية على لبنان، في 10 أيار/ مايو المقبل.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية سياسة عربية لبناني الانتخابات المستقبل حزب الله لبنان حزب الله الانتخابات المستقبل امل المزيد في سياسة سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تیار المستقبل إلى أن
إقرأ أيضاً:
د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.
فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.
لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.
بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.
الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.
ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.
الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.
الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.
فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.
ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.
ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.
أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.
كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.
فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.
ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.
وهناك أيضًا أمان المكانة.
ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.
فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟
الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.
ثم يأتي أمان الضعف.
وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.
أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.
فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.
في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.
لكن الأمان وحده لا يكفي.
فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.
الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.
فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.
أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.
وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.
فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.
هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.
وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.
وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.
وهناك ونس الصمت.
نعم، الصمت.
فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.
أما العنصر الثالث فهو العفوية.
العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.
العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.
العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.
فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.
كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟
من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.
العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.
والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.
ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.
ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.
ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟
ليس الشكل وحده.
ولا الكلمات وحدها.
ولا البدايات المبهرة وحدها.
الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.
فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.
هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.
ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.
بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.
وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.
يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.
ويكبر لأنه منحنا الأمان.
ويكبر لأنه كان مصدر ونس.
ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.
فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.
القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.
فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.
نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.
ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.
ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.
لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.
فالأمان يجعل القلب يستقر.
والونس يجعل الروح تبتسم.
والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.
أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.
فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.
شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.
وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.
ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .