بوابة الوفد:
2026-06-03@05:59:29 GMT

التيك توك بين الجاحظ وشكسبير

تاريخ النشر: 22nd, February 2026 GMT

لو عاد الجاحظ (ت. 869) من سوق البصرة إلى شاشة هاتفٍ حديث، ولو غادر شكسبير (ت. 1616) خشبة «جلوب» إلى فضاء «تيك توك»، لالتقيا فى مشهد فريد يجمع بين سخرية الكاتب ودهشة المسرحى. هناك، حيث تتراقص الصور وتتلاشى المعانى فى ثوانٍ، يقرأ كلٌّ منهما روح العصر بطريقته: هذا ناقدٌ متفحّص، وذاك فنانٌ يعيد تشكيل الفرجة.


كان الجاحظ سيرى فى «تيك توك» سوقاً صاخبة للطبائع البشرية، تُعرض فيها الأهواء والغرائز بلا قيد، وتُختبر فيها نزعات الشهرة والاستعراض. فالمقاطع القصيرة عنده أرشيفٌ حى لغرائب النفس، غير أنّه سيأسف لانحسار البيان فى ومضاتٍ عابرة، ويرى فى اختزال المعنى تراجعاً من عمق البلاغة إلى سطحية الأداء. أما المقاطع «الكيوت» للحيوانات الأليفة، فليست عنده تسليةً عابرة، بل مادةً للتأمل فى السلوك والغريزة، تُستأنف بها أسئلته القديمة حول طبائع الكائنات.
ولعلّه، على عادته فى النقد اللاذع، سيجعل من المنصة نفسها أداة للسخرية من ادّعاء العصر وزيف مظاهره. ولخّص موقفه—لو تحدّث بلسان «تيك توك»—بقوله: «والناسُ إلى ما مُنِعوا منه أميَل»، ثم يضيف فى تعليقٍ ساخر: كلما قل العمق زادت «اللايكات» وعم الانتشار.
ويرى الجاحظ أن قيمة الإنسان بما يُحسنه لا بما يشيع عنه، وأن الشهرة قد تسبق الإتقان أو تتخلّف عنه، فليست كلُّ ضجّةٍ دليلَ فضلٍ أو إنجاز.
أما شكسبير، سيد المسرح الشعبى، فكان سيبصر فى «تيك توك» خشبةً جديدة بلا جدران، وجمهوراً عالمياً بلا حدود. يؤدى مونولوجاً فى دقيقة، ويكثّف مأساةً فى مشهد، ويحوّل التفاعل الرقمى إلى عرضٍ حى تتداخل فيه الدراما بالفرجة. وبما أنّه صانع لغة ومبتكر تعبير، فسيجد فى سيولة المصطلحات الحديثة مادةً للإبداع، وربما صاغ منها استعارات جديدة تناسب إيقاع العصر.
غير أنّ صاحب «هاملت»، العارف بتقلب الأزمنة، سيدرك هشاشة الصيحات الرقمية وسرعة زوالها. ولو قدِّر له أن يخاطب جمهور التطبيق بلغته اليومية لقال: «أكونُ أو لا أكون، تلك هى المعضلة»—ثم يتساءل: أأمضى وقتى فى الفرجة وتضييع وقتى ووقتكم أم أصنع أثراً خالداً؟ لكنه، فى النهاية، لن ينسى أن الدنيا مسرحٌ تتبدّل فيه الأدوار والوجوه، وأنّ الحكمة هى أن يعى المرء ذاته الثابتة خلف أقنعة الأداء وتقلبات المشهد.
هنا يتجلّى الفارق بين الرجلين: الجاحظ يفتّش عن المعنى خلف الظاهرة ويحلّل خطابها، فيراها مختبراً للسلوك الإنسانى، بينما يوظّفها شكسبير لصناعة عرضٍ جديد وتوسيع دائرة التأثير. الجاحظ يدرس الإنسان، وشكسبير يخاطبه.
ومع اختلافهما، يلتقيان عند حقيقةٍ واحدة: أن «تيك توك» مرآة زمنٍ يعبدالسرعة ويعشق الفرجة، حيث تختصر المعرفة فى ومضة. غير أنّ الإنسان، فى كل عصر، يظلّ يبتكر وسائط جديدة ليحكى قصته—مرةً فى سوق البصرة، ومرةً على مسرح لندن، ومرةً فى شاشةٍ صغيرة بين كفّيه.
 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: تیک توک

إقرأ أيضاً:

ندوة تستعرض دور الترجمة في بناء الجسور الحضارية

أُقيمت ندوة ثقافية بعنوان “الترجمة الأدبية وهندسة المستقبل الثقافي المتداخل”، أدارها الإعلامي أحمد العلكمي، واستضاف فيها الدكتور سامي السلمي، وذلك ضمن البرنامج الثقافي المصاحب لمشاركة المملكة العربية السعودية ضيف شرف في معرض كوالالمبور الدولي للكتاب 2026، بحضور نخبة من المثقفين والمهتمين بالترجمة والأدب.
وتناول السلمي دور الترجمة الأدبية في إعادة تشكيل الخريطة الثقافية العالمية، بوصفها أداة تتجاوز حدود اللغة إلى نقل الوعي الإنساني والفلسفات والرؤى الحضارية بين الشعوب، مؤكدًا أن الأدب المترجم لا ينقل الكلمات فحسب، بل ينقل طرائق فهم الإنسان والعالم، وما تحمله النصوص من قيم وتجارب وتصورات ثقافية عميقة.
وأشار السلمي إلى أن الترجمة الأدبية تمثل مساحةً للحوار الحضاري والانفتاح على الآخر، مؤكدًا أن الهوية الثقافية لا تُهدَّد بالترجمة ذاتها، بل بطريقة التلقي وضعف الثقة بالمنتج الثقافي المحلي، مبينًا أن الترجمة الواعية تسهم في تعزيز الهوية من خلال التفاعل مع الثقافات المختلفة دون فقدان الخصوصية.
وناقشت الندوة التحولات التي يشهدها قطاع الترجمة في عصر الذكاء الاصطناعي، وأوضح السلمي أن التقنية الحديثة ستظل أداة مساعدة للمترجم وليست بديلًا كاملًا عنه، مبينًا أن الإنسان يمتلك قدرة على فهم السياقات الثقافية والإشارات الرمزية في النصوص، وهي أبعاد يصعب على الآلة إدراكها بصورة مكتملة.
وتطرقت الندوة إلى موقع الترجمة في صناعة المستقبل الثقافي، ودورها في دعم مستهدفات رؤية المملكة 2030، من خلال تعزيز الحضور الثقافي السعودي عالميًا، وتمكين التبادل المعرفي، ودعم حركة النشر والترجمة بوصفها جسورًا للتواصل الحضاري وبناء الشراكات الثقافية بين الشعوب.

مقالات مشابهة

  • ندوة تستعرض دور الترجمة في بناء الجسور الحضارية
  • موعد أذان الظهر.. مواقيت الصلاة اليوم الأربعاء 3 يونيو بالقاهرة والمحافظات
  • الولاية.. {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ} الحلقة الأولى
  • ادعيلي أنا تعبانة أوي.. التيك توكر موكا يكشف كواليس الساعات الأخيرة في حياة سهام جلال
  • حرية النباح!
  • هل تنجح «المكملات الغذائية» في كبح أخطر أمراض العصر؟
  • تحولات الشهرة في العصر الرقمي
  • «مصر والحروب الصليبية».. إطلالة موسوعية للباحثة لمياء شريف على التاريخ الوسيط
  • موعد أذان الفجر.. مواقيت الصلاة غدا الأربعاء بالقاهرة والمحافظات
  • اليوم.. نظر أولى جلسات محاكمة التيك توكر «أم مكة» في قضية غسل الأموال