يبدو من المفارقة أن كثيرا من المعالم التاريخية الإسلامية في ليبيا التي نجت من الحروب والكوارث وعوامل الزمن واستطاعت أن تصمد وتبقى شاهدة على التاريخ الإسلامي التليد للبلاد عبر تعاقب دوله وعصوره، قد تدهورت بشكل أكبر في القرن الأخير، وفي بعض الأحيان، بدعوى التجديد والتوسعة والترميم الذي لا يخضع لأبسط معايير الحفاظ على المباني والمعالم التاريخية والأثرية، لتفقد بذلك أصالتها وتضيع بذلك أعمدة الذاكرة التي حملت سقف تاريخنا الإسلامي طويلا.

دمر الإسمنت والرخام المصنع والبورسلين وغيرها من المواد الحديثة، أصالة وتاريخ كثير من المباني التي اعتمدت لقرون طويلة على طرق تقليدية لبنائها وترميمها، مثل ضرب الباب، مستخدمة مواد تقليدية مثل الملاط القديم والطين والجبس وغيرها، وحلت الزخارف المستوردة الحديثة محل النقوش التاريخية التي ارتبطت بهوية البلد، وفيما تضع دول العالم اليوم ميزانيات ضخمة للحفاظ على أصالة المباني التاريخية في أصعب الظروف، جرى في ليبيا تدمير كثير من المساجد والمعالم بلا أي داع تحت ستار التجديد والتوسعة أحيانا، وبتدمير متعمد أحيانا أخرى.

ويظهر اليوم تحد جديد على الآثار الإسلامية في ليبيا، وهو تغيير الاسم والسردية المتعلقة بها وفصلها عن سياقها التاريخي المرتبط بالمجتمع ارتباطا عضويا، وشهدت منطقة الظهرة بالعاصمة طرابلس حراكا شعبيا رافضا لقرار تغيير الاسم التاريخي لمسجد “بن الإمام” بعد إعادة بنائه، وكان المسجد قد تعرض للهدم التي عرف حينها استنكارا واسعا أيضا، وفي وقفة احتجاجية أمام المسجد، عبر الأهالي عن تمسكهم بالاسم الأصلي، واصفين القرار بأنه محاولة لطمس معالم الهوية الليبية مؤكدين أن الاسم ليس مجرد لافتة، بل هو توثيق لعالم ليبي جليل ارتبط بعلم وقيم مجتمعهم، محذرين من تداعيات هذا الإجراء الذي أثار موجة استياء بين كثير من السكان.

ويعتبر الدليل التشغيلي لاتفاقية اليونيسكو، واتفاقيات وأطر دولية أخرى معنية بالآثار، أن اسم المعالم التاريخية، بوصفه تعبيرا عن سياقه الثقافي والاجتماعي، جزء من أصالة المعلم (Authenticity) التي تعد عنصرا جوهريا في حماية المواقع ذات القيمة الثقافية ولا يتم تغييره إلا وفق ضوابط وشروط ودواع واضحة، إذ يشكل الاسم وعاء للذاكرة ودليلا على هويته المتوارثة، ومن ثم فإن أي تغيير تعسفي له، لا سيما إذا كان بقصد طمس هوية تاريخية أو إعادة تشكيل السردية المرتبطة بالمكان، قد يعد مساسا بعنصر الأصالة وبالهوية الثقافية التي تسعى الاتفاقيات الدولية إلى حمايتها وصونها.

ويعكس هذا الجدل حجم التحديات الكبيرة التي تواجهها الآثار الإسلامية في ليبيا، خاصة في ظل الاضطرابات الأمنية والنزاعات السياسية والاستقطاب بين التيارات الدينية ومجمل الأوضاع التي شهدتها البلاد مؤخرا، وبينما لا توجد إحصائيات رسمية، فقد تعرضت مئات الزوايا والمساجد والأضرحة والمعالم الدينية التاريخية للتدمير المتعمد والتفجير والإزالة، وفيما لم يتم التحقيق بجدية في هذه الحوادث محليا، فقد أدانت اليونسكو والأمم المتحدة وهيئات دولية أخرى مرارا هذه الحوادث، متهمة مجموعات مسلحة متشددة ومسلحين مرتبطين بتيارات دينية معينة بالوقوف خلفها.

أدت حملات التدمير هذه إلى فقدان ليبيا لرأس مال أثري لا يمكن تعويضه، فقد أزيلت معالم تاريخية نادرة على المستوى المحلي والإقليمي، بدءا من أضرحة بني الخطاب في مدينة زويلة، والتي تروي تاريخ وعراقة هذه المدينة الإسلامية واحتضانها لواحدة من أقدم الإمارات الإسلامية ذات الطابع المحلي، وصولا إلى تدمير جامع الشعاب والاعتداء على مدرسة عثمان باشا في طرابلس، كما اختفت بحسب باحثين مئات النقوش والكتابات الجنائزية التي تعد نصوصا في غاية الأهمية لدراسة التاريخ وتحولاته الثقافية والاجتماعية.

كما واجهت الآثار الإسلامية والمحلية في ليبيا مأزقا وجوديا آخر نتيجة حمى الإسمنت، حيث تحول الزحف العمراني وأعمال التجريف الممنهجة تحت ستار التطوير والتحديث إلى مهدد لاستدامة المدن التاريخية. ووفقا لتقرير مشروع الآثار المعرضة للخطر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (EAMENA)، فإن أعمال الهدم لأغراض البناء أو التطهير العمراني أطاحت بنسيج كامل من المواقع الأثرية في منطقة الجفرة، مستبدلة أحياء تاريخية يعود تاريخها لألف عام بمبان خرسانية حديثة.

وتعد بلدة سوكنة القديمة المثال الأكثر مأساوية على، فبينما نجا نحو 60% من مدينة هون القديمة، تم تسوية سوكنة بالأرض بالكامل بين عامي 1998 و2003. وبحسب تحليل الصور الجوية والخرائط التاريخية، فقد محت هذه الأعمال مدينة تاريخية ونسيجا حضريا كان يمتد على مساحة 15 هكتارا، يتميز بتخطيط فريد يتوسطه قلعة تنبثق منه أزقة ضيقة متلاحمة، وجوامع ومعالم كثيرة، لتتحول هذه الذاكرة المعمارية الكثيفة برمتها إلى أثر بعد عين، وتحل محلها مخططات حديثة لا صلة لها بماضي المكان.

في ظل هذا المشهد المليء بالتحديات والأخطار الوجودية التي تهدد الآثار بشكل عام، والآثار الإسلامية على وجه الخصوص، يبدو من الواضح أن الجهات المعنية في ليبيا بحماية التراث الثقافي تقف عاجزة عن توفير أي حماية تذكر لهذه المواقع، إما لغياب الأدوات التنفيذية، أو العجز عن مواجهة التهديدات الأمنية الخطيرة، أو غياب ثقافة حماية التراث الثقافي الليبي عن أولويات السلطات المسيطرة على الأرض، فيما تبقى الجهود المدنية والأهلية مشتتة ومحدودة الأثر، كل ذلك جعل من ليبيا واحدة من أكثر الدول هشاشة في حماية آثارها وتراثها الثقافي.

الآثار الإسلاميةالتدمير والزحف العمرانيالمعالم التاريخية الإسلامية Total 0 Shares Share 0 Tweet 0 Pin it 0

المصدر

المصدر: ليبيا الأحرار

كلمات دلالية: الاتحاد الأوروبي يوهان يونيسيف يونيسف يونغ بويز يونسيف الآثار الإسلامية

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • لتلافي الآثار الكارثية للظاهرة.. السعودية: تعزيز التعاون الدولي لمكافحة الاتجار غير المشروع بالأسلحة
  • وزارة الصحة بـ”الحكومة الليبية”: بدء تفعيل قرار جباية رسوم الخدمات الصحية من الأجانب
  • “يونيسف”: تدهور الأوضاع في غزة يهدد صحة الأطفال ويزيد مخاطر الأمراض والإصابات
  • الطويبي: مقابلات مفوضية اللاجئين مع طالبي اللجوء دون إشراك الجهات الليبية يثير تساؤلات قانونية
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • تحليل: احتلال قلعة الشقيفرمز لحماقة اسرائيلية تاريخية
  • منع نفط حضرموت يُعيق تحسن الكهرباء بعدن.. ودعوات للتظاهر بالمدينة
  • إنقاذ 38 مهاجرا غير شرعي قبالة السواحل الليبية
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سكاي تنهي شراكتها في سكاي نيوز عربية بالإمارات وتحتفظ باتفاق ترخيص الاسم