مباحثات جنيف.. رقصة تانغو نووية أم تمهيد لضربة عسكرية خاطفة؟
تاريخ النشر: 23rd, February 2026 GMT
تنتهي جولات جنيف بتصريحات متفائلة عن إمكان الاتفاق، لكنها تجري تحت مظلة ضغط عسكري معلن، إذ توظّف واشنطن التهديد بضربة تكتيكية كورقة تفاوضية لانتزاع صفقة نووية سريعة، في اختبار حاسم لحدود الدبلوماسية بين الطرفين.
هذا الإطار يضع المباحثات في سياق إستراتيجية يمكن وصفها بـ"التفاوض تحت النار"، حيث لا تُفصل الطاولة السياسية عن الحشد العسكري، بل يُستخدم الأخير لتعزيز شروط الأول وتسريع إيقاعه.
وفي قراءة طرحها الأكاديمي والخبير في سياسات الشرق الأوسط الدكتور محجوب الزويري خلال برنامج "مسار الأحداث"، تبدو العملية التفاوضية أقرب إلى مسار أحادي السقف، تحدده واشنطن بمطالب واضحة، بينما يُطلب من طهران تقديم إجابات سريعة ومحددة.
فالمطالب الأمريكية تركز على خفض مستويات التخصيب، والتعامل مع مخزون اليورانيوم عالي النسبة، وضبط مسار البرنامج على مدى طويل، من دون مؤشرات موازية لجدولة واضحة لرفع العقوبات.
هذا الاختلال في توازن الطرح -وفق الزويري- يعزز انطباعا بأن واشنطن تلوّح بخيار عسكري ليس فقط كملاذ أخير، بل كأداة ضغط مرحلية يمكن استخدامها حتى أثناء التفاوض لفرض تنازلات إضافية.
السيناريو الأكثر حساسية يتمثل في احتمال تنفيذ ضربة محدودة تستهدف قدرات معينة، ثم العودة إلى الطاولة بشروط أكثر تشددا، بما يضع طهران أمام معادلة صعبة بين الرد والاستمرار في المسار التفاوضي.
تنازل إيراني مشروطومن طهران، قدّم ساسان كريمي -المساعد السابق لنائب الرئيس الإيراني- مقاربة تقوم على استعداد بلاده لمناقشة مستويات التخصيب والمخزون، شريطة أن يقابل ذلك رفع ملموس للعقوبات واحترام متبادل للمصالح الوطنية.
فالتنازل -بحسب هذا التصور- ليس مسألة تقنية بحتة بل هو قرار سيادي يرتبط بحسابات أوسع تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والبيئة الأمنية، وهو ما يجعل أي اتفاق بلا مقابل واضح عرضة للرفض داخليا.
إعلانأما في واشنطن، فيشير مايكل مولروي -نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق- إلى أن الرئيس دونالد ترمب يقارب الملف ضمن اعتبارات سياسية داخلية، أبرزها تجنب الانخراط في حرب مفتوحة مع عدم التراجع عن إظهار الحزم.
هذا التوازن بين وعود تجنب الحروب والرغبة في إظهار القوة يفسر الإصرار على مهلة زمنية قصيرة وعلى مسودة اتفاق مفصلة، بما يعكس توجها نحو صفقة سريعة قابلة للتسويق سياسيا.
غير أن طبيعة الملف النووي -بتعقيداته الفنية والرقابية- لا تنسجم بسهولة مع منطق الصفقات السريعة، إذ تحتاج ترتيبات التفتيش وخفض التخصيب وإعادة هيكلة المخزون إلى مسارات تحقُّق طويلة ودقيقة.
هنا يبرز دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أشار رئيس مجموعة الاستشارات النووية في معهد بينيت الدكتور بول دورفمان إلى قدرتها التقنية على التحقق من خفض النسب إلى حدود الاستخدام المدني.
لكن دورفمان حذّر -في الوقت نفسه- من أن أي استهداف عسكري لمنشآت نووية -خاصة الساحلية منها- قد يخلّف مخاطر بيئية جسيمة في الخليج، حيث تعتمد دول عدة على تحلية مياه البحر لتأمين مياه الشرب.
طبقة تعقيد جديدةهذا البعد البيئي يضيف طبقة جديدة من التعقيد، إذ إن ضربة محدودة قد تتحول إلى أزمة إقليمية تتجاوز أطراف النزاع، وتشمل أمن الطاقة والممرات البحرية ومصالح دول الخليج.
في ضوء ذلك، تبدو جنيف ساحة اختبار مزدوجة، اختبار لمدى استعداد طهران لتقديم تنازلات محسوبة واختبار لمدى استعداد واشنطن للانتقال من منطق الضغط إلى منطق التوازن في الصفقة.
فالاستمرار في التهديد قد يدفع إيران إلى مزيد من التشدد، في حين أن سحب الخيار العسكري بالكامل قد يُقرأ في الداخل الأمريكي كتنازل مجاني، مما يضع الإدارة أمام حسابات دقيقة.
وبين هذين الحدين تتحرك المفاوضات على إيقاع حساس، حيث يمكن لأي سوء تقدير أن يحول "الضغط التكتيكي" إلى مواجهة أوسع، يصعب احتواؤها أو ضبط مساراتها.
المحصلة أن المباحثات لم تعد مجرد نقاش تقني حول نسب تخصيب وأجهزة طرد مركزي، بل صارت ساحة لإعادة تعريف ميزان الردع بين واشنطن وطهران.
فإما أن تُترجم الضغوط إلى اتفاق متوازن يخفف التوتر ويؤسس لمسار مستدام، أو تتحول إلى شرارة تدفع المنطقة نحو فصل جديد من التصعيد، عنوانه الأبرز أن التفاوض تحت النار قد يحرق أوراق الجميع.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
من النول إلى الخشبة: قراءة في العرض الهندي رقصة النسيج
أتاح لي مهرجان بغداد الدولي للمسرح في دورته السادسة، ومهرجان الدّن الدولي في دورته الخامسة 2025م فرصة مشاهدة العرض الهندي (نيثي- رقصة النسيج)، الذي يُعدُّ حسب مخرجة العمل ومصممة رقصاته وممثلته Rima Kallaingal (ريما كلينغال) مشروعًا يتصل بقضية تمكين المرأة اجتماعيا واقتصاديا في المجتمع المحلي في ولاية كيرالا، حيث يقف وراء العمل حادثة الفيضانات التي أغرقت الولاية في عام 2018م، ما أدّى إلى تضرر الحرفيين والنسيج والأدوات اليدوية التي تدخل في صناعته.
منذ اللحظات الأولى لمشاهدتي العرض، لم أخفِ إعجابي به، وظللت منشغلة بالتفكير في فكرته وبنيته الجمالية، ورشاقة أجساد الراقصين، وتساءلت هل هناك مشروع ثقافيّ يقف وراء هذا الجهد؟ ما الرسالة التي يود العمل قولها؟ وما القضية التي يريد لفت أنظار المتفرجين في العالم كله إليها؟
حتما كان هناك فريق من الفنانين الذين تعاونوا في إنجاز هذا العرض، وعلى رأسهم المخرجة نفسها، فهي إلى جانب احتراف التمثيل، تعمل منتجة أفلام، ومسؤولة أكاديمية (مامانغام) لتعليم الرقص المعاصر، وهي نقطة تؤشر على قدرة امتلاك الجسد المسرحي عناصر استمراره، ودلالة على أهميّة أن يمتلك الفنان والمؤدي مشروعًا فنيًا جماليًا يعمل على تنميته واستدامته.
ما الذي شدّني إلى رقصة النسيج؟
استقى العرض عناصره من منظور الرقص المعاصر أو الكوريغرافيا (فن تصميم الحركة والرقص) أدى هذا إلى تغييب اللغة واستخدام الحوار بنسب ضئيلة واضحة. إن الدرامية في المسرح الراقص المعاصر تتشكّل تعبيريًا بالأداء الجسدي، والإيماء، والموسيقى، تضافرت العناصر جميعها مع أصوات النول الطبيعية والمطر (الماء) وإيقاع أقدام المؤدين، فنجح العرض في أن يجمع من حوله الجمهور دون أي عناء.
كما لا أخفي إعجابي الشخصي بالعروض المسرحية التي تستند إلى المجاميع الكبيرة، فالعرض يعدّ فرصة جيدة لتعميق الأفكار المسرحية حول هذا الاشتغال؛ حيث الطقوس والرموز العميقة التي تقترن بالمسرح في حضارة الشرق (الصين والهند)، فلا يقدم العرض طقسا هنديا تقليديا يقوم على الرقص والإنشاد والإيماء أو تناول تصورات دينية وفلسفية معينة كما هو الحال في الدراما الهندية الكلاسيكية، لكنّه يوسع دائرة الانشقاق عن تقاليد المسرح الغربي ويمنح فضاء الكوريغرافيا- كما يذكر المعجم المسرحي- "كفن تصميم الرقص في العرض الفني والعرض المسرحي مجالا إبداعيا هامًا مع تداخل الفنون [...] يتشكّل البعد الكوريغرافي للعرض المسرحي عبر العلامات الحركية التي تنتج عن تنوعات شكل الأداء وعن حركة الجسد على الخشبة ووضعه في الفضاء المسرحي، وعن التجانس أو التعارض بين الكلام والحركة"، وقد تجلّت هذه السمات بوضوح في رقصة النسيج؛ إذ مزج العرض بين الكوريغرافيا والفيلم الوثائقي والموسيقى الحية، مستعيضًا عن البناء الحكائي التقليدي بسلسلة من اللوحات الأدائية المستمدة من مراحل صناعة النسيج اليدوي.
قدم لنا العرض رقصا يستند إلى الرقص الحديث، فغاب كما يذكر ضياء الشرقاوي (المسرح الهندي المعاصر) الأداء التقليدي المعروف من إظهار تفاصيل تركز على "الملابس والمناظر إلى حركات الرقبة والحواجب، ومختلف أوضاع الجسم في الرقصات المختلفة".
السؤال الذي يطرح نفسه بحسب باتريس بافيس: كيف انتقل النقاش بعد مشاهدة رقصة النسيج من مساءلة الحكاية والتخييل والشخصيات والطابع المحاكاتي للعرض، إلى الكيفية التي خُلق، ورُكب، ورُتب فيها العرض؟
لا يبدو هذا التحول بعيدًا عن جماليات مسرح ما بعد الدراما؛ فالعرض لا يقدّم شخصيات فردية تخوض صراعًا دراميًا متدرجًا، ولا يعتمد حبكة تنمو وفق منطق السبب والنتيجة، بل يبني معناه من تتابع اللوحات الحركية والإيقاعات الجسدية والصور البصرية. لذلك ينصرف انتباه المتفرج من سؤال: ماذا سيحدث لاحقًا؟ إلى سؤال آخر أكثر اتصالًا ببنية العرض: كيف يُنتج الجسد المعنى؟ وكيف تتجاور الحركة والموسيقى والصورة الوثائقية لتشكيل التجربة المسرحية؟
إن إجابة السؤال السابق تكمن في موضعين، الأول ينبغي لفت الانتباه إلى أن التطور في العروض المسرحية المعاصرة نقلا عن (محمد سيف: قراءات في المشهد المسرحي المغربي) تحت ما يسمى بمسرح ما بعد الدراما، تستأنس إجمالاً بإدخال جماليات أخرى كالسينما، والرقص، والسيرك، والفنون التشكيلية، والتقنيات الجديدة [...] من خلال دمج التصورات السينمائية الخاصة، لتغذية أشكال جديدة بواسطة الوسائل المسرحية التقليدية مثل تأثير المونتاج وتأطير الحدث والتركيز على مقاطع معينة أو توسيع مجال الرؤية واعتماد اللقطات القريبة والمتوسطة والبعيدة البانورامية". والموضع الثاني يتمثّل في انطلاق فكرة العرض من حادثة واقعية جرت أحداثها في قرية "شيندامنغالام" في ولاية كيرالا، ولا مجال فيها للتخييل.
تنهض خلفية العرض على كارثة الفيضان الذي دمر البيوت وأغرق الحياة بالماء، وعمال النسيج اليدوي الذين فقدوا حرفتهم. أما في العمق هناك هيمنة الآلة والمصانع الجاهزة وتعطيل حياة الأسر المنتجة، ينقلنا هذا إلى مساحة أكبر لتوسيع دائرة الحدث المسرحي، فيما تناوله الباحث أرسلان درويش في ورقته المعنونة بـ(مسرحية رقصة النسيج- الهوية الهندية والجسد المعاصر في نول الهُجنة) ضمن إشارات ثقافيّة ناقدة يطرحها حول اشتغال الجسد في فضاءات مختلفة للتعبير عن التاريخ، والثقافة، والهوية، وكأداة للتفاوض مع السلطة، كذلك إشارته بسؤال الاستفهام الاستنكاري الذي طرحته الناقدة الهندية غاياتري سبيفاك: هل يستطيع التابع أن يتكلم؟
تبدأ رحلة القماش بمرحلة تشافيتو Chavittu) بمعنى الوطء، أو الدُوس، وهي أقدم مراحل إعداد النسيج اليدوي وأكثرها التصاقًا بالحسّ الجسدي، حيث يطأ الحرفيون حزم الخيوط المبللة بأقدامهم الحافيّة في حركة إيقاعية تساعد على توزيع المادة وتقوية الألياف وتليينها بالتساوي. يتبع التشافيتو مرحلة صباغة القماش واكتسابه ألوانًا جديدة فيما يعرف بالتحوّل، يليها مرحلة الغسل فالتجفيف والصبر في انتظار أن تجف الخيوط التي جرى توزيعها في الولاية عبر الساحات متلألئة تحت الشمس، فالمرحلة الخامسة الخاصة بمدّ الخيوط في الشوارع، بعدها يبدأ عمل عجلة الشّركا أو اللف، للوصول إلى المرحلة الأخيرة ممثلة في النسج حيث تحاكي الكوريغرافيا بنية النول في أداء منضبط دقيق.
الناظر إلى تقاليد الثقافة الهندية الكلاسيكية في رقصة النسيج، يشاهدها حاضرة بوضوح في إيقاعات المؤدين، والأزياء التقليدية التي تشير إلى سمات الشخصيات وأوضاعها الاجتماعية، ولا ننسى هنا، صوت الماء المتداخل مع آلة اللف، فجميعها خلقت سينوغرافيا رمزية وجمالية آسرة لفضاء الخشبة، إضافة إلى الدمج بين الرقص والسينما الوثائقية، عندما افتتح العرض بلقطات حقيقية للفيضانات التي دمرت الولاية، وأقدام الحرفيين وحركة الخشب مع إيقاعات الموسيقى الهندية التقليدية، لكن بأسلوب معاصر.
إن الفعل الدرامي الحاصل في رقصة النسيج، شكّل من التغذية المتداخلة للفنون (مسرح، وسينما وثائقية، وموسيقى، وكوريغرافيا) تعمل مجتمعة على التعبير الجسدي لتقديم رؤية بصرية فوق الخشبة للتعبير عن وحدة في الزمان والمكان، فاللوحات السبع نسجت حكاية المسرحية، في خط تتابعي لم يقصِ التراتبية لكنه طورها في أداءات رشيقة وأنيقة.
إذا كنا لا نستطيع الفصل بين اللوحات، فبإمكاننا على سبيل التمثيل الإشارة إلى اللوحة الرابعة، حينما تُترك الخيوط لتجف فيكون وضعها على الحبل أشكال عدة للنساء العاملات، خاصة وهي في بيتها أو في ساحات مدّ الخيوط فنشاهد وضعيات لعُقد المرأة أو ما يشبه طوق الورد الذي يرتديه الرجال والنساء حول الرقبة في الثقافة الهندية العريقة (الجارلاند) (Garland) أو "المالا" (Mala)، ويحمل دلالات عميقة اجتماعية وروحانية ذات أبعاد رمزية غائرة في المعتقد الهندوسي. أما اللوحة السابعة، حيث يلتقي السدى واللحمة؛ الخيوط الطولية والعرضية متشابكة لتصنع النمط والشكل الذي ينتهي إلى وَحدة القماش كله ثوب الساري (Saree / Sari) الهندي التقليدي، نشاهده يملأ فضاء خشبة المسرح. وبهذه النهاية يكتمل العرض، الذي ابتدأ بالممثلات يرتدين الثوب التقليدي ليبدأن في رقصة النسيج، يتخففن من الساري وينطلقن في العمل ثم يعدن إلى ارتدائه ليحققن جمالية استثنائية للخشبة، في عرض أوصل رسالته بالأداء الراقص في سهولة ويسر.
لعل ما يمنح "رقصة النسيج" فرادتها أنها لا تكتفي بتحويل حرفة يدوية إلى موضوع مسرحي، بل تجعل من الجسد نفسه نولًا حيًا تنسج عبره الذاكرة والهوية والعمل الجماعي. وهكذا يغادر المتفرج العرض وهو لا يتذكر حكاية الفيضان فحسب، بل يتأمل أيضًا قدرة الفن على إعادة ترميم ما تهدمه الكوارث، وتحويل الألم الإنساني إلى لغة بصرية تتجاوز الحدود والثقافات.