الجزيرة:
2026-06-02@23:41:41 GMT

من يستطيع أن يحاسب نفسه دون جلدها؟.. الحكماء يجيبون

تاريخ النشر: 23rd, February 2026 GMT

يتذكر الصحفي أسعد طه -في حلقة جديدة من برنامج "قال الحكيم" على منصة الجزيرة 360 (يمكن متابعة الحلقة من خلال الرابط)- العدسات التي رصدته طوال يومه، لم يقف عند حدود الصورة، بل عبر إلى المعنى.

وقاده هذا التفكير إلى طرح عدة أسئلة منها: أيمكن للإنسان أن يكون خصما لنفسه وحَكَماً في آن واحد؟ أيمكنه أن يفتّش في نفسه من غير أن يقع أسير الوساوس؟ وعند الوصول إلى هذه المرحلة يتبدى الخيط الرفيع بين التسلّط على النفس باسم المحاسبة ومراقبتها بوصفها أداة تبصّر ووعي.

هذه التساؤلات كان قد استرعت اهتمام حكيم الصين كونفوشيوس الذي جعل ضمان السير في طريق الواجب رهنا بالإذعان للصوت الداخلي، وإدمان مراقبة النفس حتى تنكشف خباياها. فالواجب عنده ليس شعارا يرفع، بل التزاما يعاش في السر قبل العلن.

ومن ضفاف الفلسفة الأوروبية، يطل ألبير كامو ليؤكد أن المفكر الذي لا يراقب نفسه يفقد قدرته على إقلاق محيطه، بينما يرى جيدو كريشنامورتي أن مراقبة النفس هي ذروة الذكاء، لأنها تحرّر الإنسان من أوهامه قبل أن تحرّره من قيوده.

غير أن التراث الإسلامي يحضر بقوة، فيُستعاد قول ابن خلدون عن ألفة النفس؛ فهي كثيرة التلون، وقد تألف الباطل حتى يغدو في عينيها حقا. وهنا تتجلى خطورة الغفلة: حين يستقر الخطأ في الوجدان حتى يراه صوابا. فالمراقبة ليست ترفا أخلاقيا، بل ضرورة لحماية الفطرة من الاعتياد الفاسد.

وتزداد المفارقة وضوحا مع ما نسب إلى الروائية الكندية لوسي مود مونتغمري من أن كثيرين يحسنون مراقبة جيرانهم ويهملون ذواتهم.

ثم تأتي وصية أحمد الرفاعي: "ارجع عن طريق الغفلة وادخل من باب اليقظة، وقف في ميدان الذل والانكسار، واخرج من مقام العظمة والاستكبار. إنها دعوة إلى انقلاب داخلي، لا إلى انتصار خارجي".

أما النفس، فهي عند الحسن البصري رغبة تنازع إلى الشر إن لم تقارع، وعند ابن القيم فالنفس ذواقة تواقة؛ إذا ذاقت تاقت. فهي بين الإفراط والتفريط، بين الشهوة والندم، تحتاج إلى قائد يقظ لا إلى سجان قاس.

وحين يسأل: كيف تكون المراقبة؟ يجيب أبو حامد الغزالي بأن يستحضر المرء علم الله به، وأن يدرك أن نفسه عدوّ متربص، فيسدّ المنافذ قبل أن تتسع. ويجعلها ابن عطاء الله السكندري رأس الطاعات: مراقبة الحق على دوام الأوقات.

بهذا النسق الذي يذكّر بطريقة عباس محمود العقاد في مساءلة الفكرة ومطاردة جذورها، لا تنتهي الحلقة عند جواب حاسم، بل عند يقظة مفتوحة. فالمراقبة ليست ظلا للريبة، بل هي نور للوعي؛ وليست سجنا للنفس، بل حراسة لها من نفسها. ويبقى السؤال معلقا في أفق الفكر: من ذا الذي يملك الشجاعة ليرى نفسه كما هي؟

Published On 23/2/202623/2/2026انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare2

شارِكْ

facebooktwitterwhatsappcopylink

حفظ

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • الحج.. مدرسة الروح ووحدة الأمة!
  • برج السرطان.. حظك اليوم الأربعاء 3 يونيو 2026: ضبط النفس العاطفي
  • أمير كرارة يدافع عن نفسه: سهام جلال كانت تراسله على رقم خاطئ
  • علماء يجيبون.. هل يمكن للعسل أن ينافس مشروبات الطاقة ويدعم الأداء الرياضي؟
  • كيف يستطيع العالم أن يفعل أكثر بموارد أقل؟
  • الكنيست يصوّت لحل نفسه.. إسرائيل تقترب من «انتخابات مبكرة»
  • ترامب محاصر ولا يستطيع إنهاء الحرب ونتنياهو جزء من تعقيدات ملف إيران.. شاهد
  • باحث علاقات دولية: ترامب محاصر ولا يستطيع إنهاء الحرب ونتنياهو جزء من التعقيدات
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟