من موسكو إلى كييف.. حياة على إيقاع حرب لا تنتهي
تاريخ النشر: 23rd, February 2026 GMT
قبل 4 أعوام، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين -عبر التلفزيون الرسمي- أن جيش بلاده بدأ "غزوا شاملا" لأوكرانيا، واختار تسمية تلك الحرب "العملية العسكرية الخاصة"، وهو المصطلح الرسمي المخفف الذي أصبحت تُعرف به في روسيا.
لكنّ ما ظن البعض أنها عملية عسكرية محدودة سرعان ما تحولت إلى حرب ضروس، استمرت حتى الآن 4 سنوات كاملة، إذ تحل غدا الثلاثاء 24 فبراير/شباط الذكرى الرابعة لاندلاعها، وهي مدة أطول من مشاركة روسيا في الحرب العالمية الثانية بين عامي 1941 و1945.
فكيف أثرت تلك الحرب في حياة الناس على جانبي الصراع في روسيا وأوكرانيا؟
وفقا لبيانات تحققت منها شبكة "بي بي سي" وموقع "ميديا زونا" الروسي المستقل، فقد تجاوز عدد القتلى في صفوف الجيش الروسي 186 ألف جندي، وهو ما يعادل تقريبا 13 ضعفا لخسائر الجيش الأحمر خلال حربه في أفغانستان في الثمانينيات، والتي استمرت عقدا من الزمان وشاركت فيها قوات من مختلف أنحاء الاتحاد السوفياتي.
وقد حاورت الجزيرة مواطنين روسا داخل بلادهم وخارجها للوقوف على التغييرات التي أحدثتها الحرب في حياة الناس بروسيا منذ اندلاع الحرب في 24 فبراير/شباط 2022. خاصة في مناطق غرب روسيا المتاخمة لأوكرانيا، مثل كورسك وبيلغورود، التي تعرضت لقصف مدفعي وهجمات بالمسيرات، بل وحتى توغلات برية من القوات الأوكرانية، حيث سقطت أجزاء من كورسك مؤقتا تحت السيطرة الأوكرانية.
يقول "بن البريطاني" (25 عاما)، وهو صانع محتوى على يوتيوب انتقل للعيش في كورسك مع زوجته الروسية عام 2021، "قبل ما يزيد قليلا على عام، وبينما كانت القوات الأوكرانية لا تزال في هذه المنطقة، كانت الضربات تحدث عدة مرات في اليوم".
إعلانوأضاف: "أعتقد أن ما قد يصدم الناس هو مدى اعتياد السكان المحليين على ذلك، وأنا منهم. لم يعد أحد يركض إلى الملاجئ مع كل ضربة، وإلا فلن تتمكن من ممارسة حياتك أبدا".
ووفقا لموقع "فونار تي في" الإخباري المحلي، قُتل ما لا يقل عن 458 مدنيا في الهجمات الأوكرانية على منطقة بيلغورود منذ بدء الحرب. لكنّ المدن الكبرى، مثل موسكو وسان بطرسبورغ، لم تكد تشعر بالحرب، حيث تُعتبر العقوبات التي فرضها حلفاء أوكرانيا الغربيون مجرد "مضايقات بسيطة".
يقول أندري (30 عاما)، وهو من سكان موسكو: "الأسعار مرتفعة جدا، أنا في حالة صدمة. الأمر تماما كما في أوروبا، الجميع يشتكون من الأسعار هناك أيضا. حتى لو اشتريت بعض الجعة والسجائر والشوكولاتة، سينتهي بك الأمر بإنفاق ألف روبل (13 دولارا) على الأقل. لكنْ في موسكو، لم تنخفض القدرة الشرائية للناس بشكل ملحوظ؛ المقاهي والمتاجر مزدحمة بالشباب، والمدينة تعج بسائقي التاكسي وخدمات التوصيل".
ومع ذلك، ثمة أشياء تغيرت، يقول كيريل (39 عاما)، وهو مصور من سان بطرسبورغ -طلب عدم الكشف عن هويته الكاملة- موضحا أنه "أصبح من الصعب جدا العثور على بعض العلامات التجارية التي اعتدنا شراءها. يمكن العثور عليها لدى الوسطاء ولكنْ بأسعار أغلى، ولم تعد تُباع في المتاجر". وأشار إلى عودة بعض العلامات التجارية الكورية الجنوبية مثل "إل جي" للظهور مجددا، كما تتوفر العلامات التجارية الصينية، لكنها -بحسب وصفه- "ليست بجودة التكنولوجيا التي كنا نحصل عليها من ألمانيا أو بولندا".
وللتغلب على قيود الدفع الدولي الناتجة عن العقوبات الغربية، فتح كيريل حسابا مصرفيا في قرغيزستان، مؤكدا أنها عقبة يمكن تجاوزها لكنها تظل أمرا مزعجا. لكنه يبدو أقل تفاؤلا بشأن القيود التي فرضتها حكومته؛ فمنذ عام 2022، استحدث الكرملين قوانين صارمة تعاقب على ما يسميها "أخبارا كاذبة" حول الحرب، كما حظرت السلطات وسائل التواصل الاجتماعي مثل إنستغرام وفيسبوك، وضيقت الخناق على واتساب وتليغرام ويوتيوب، مروجة لبدائل مدعومة من الدولة مثل "روتيوب" وتطبيق المراسلة "ماكس".
يقول كيريل "بالنسبة للمواطنين العاديين، هذا الحجب يجعل الحياة أسوأ فقط. الشباب يصورون ذلك انتهاكا لحياتهم الخاصة، وسيكبرون وهم يكرهون الدولة".
تشير استطلاعات الرأي باستمرار إلى أن الحرب تحظى بدعم واسع بين الجمهور، رغم تحذيرات المحللين من أن القوانين التي تجرّم المشاعر المناهضة للحرب تجعل من الصعب الحكم على دقة هذه الاستطلاعات.
التحق شقيق فاديسلاف (30 عاما) من ساراتوف -جنوب غربي روسيا- بالخدمة طيار مسيرات قبل شهر. وأصبح الجيش الروسي الآن يجذب كثيرا من المتطوعين بتقديم رواتب سخية، بدلا من الاعتماد الكلي على المجندين إجباريا.
يقول فاديسلاف للجزيرة عبر تطبيق تليغرام قبل أن يسارع بحذف رسائله: "في البداية، اعتقدت أن الحرب خطأ، وتساءلت عن "أي اجتثاث للنازية يتحدثون؟" (في إشارة لمصطلح الكرملين لوصف القيادة الأوكرانية). وأضاف: "لكنّ الجانب الأوكراني بدأ ينشر صورا لصلبان معقوفة ورموز فاشية.. جدي وجدتي كانا من قدامى المحاربين في الحرب العالمية الثانية".
إعلانالآن، يقول فاديسلاف إنه يؤيد الحرب: "يجب تدمير زيلينسكي (الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي) وعصابته الفاشية بأكملها.. آمل أن يقدم أخي مساهمة كبيرة، فهو مُسيِّر طائرات ممتاز وخبرته في ألعاب المحاكاة ستساعده على هزيمة النازيين في أوكرانيا".
كيريل أيضا كانت لديه شكوك في البداية، معتبرا اندلاع الحرب فشلا للدبلوماسية الروسية، ولا يزال يشعر بالاستياء حين يرى الرموز المؤيدة للحرب في الأماكن العامة. لكنْ مع مرور الوقت، أصبح موقفه تجاه السلام والليبراليين أكثر تشاؤما. وتساءل بتهكم: "قرأنا الصحافة الأجنبية والمحللين الليبراليين الذين قالوا إن الاقتصاد الروسي سينهار خلال أسبوعين فقط، وها نحن بعد 4 سنوات وكل شيء على ما يرام. كيف تتوقع أن يكون موقفنا تجاه من قالوا لنا ذلك؟"
ويشير أندري إلى نوع من اللامبالاة تطبع سلوك غالبية الناس تجاه الحرب؛ فتاريخيا، يهتم عديد من الروس بشؤون حياتهم اليومية أكثر من صراعات السلطة، وهو توجه استمر مع "العملية العسكرية الخاصة" في أوكرانيا. ويعلق أندري على ذلك بالقول: "الجميع في حالة إنكار. كل من حولي تقريبا غير مسيسين ويحاولون تجاهل الأخبار".
لكنّ الإنكار مستحيل بالنسبة للبعض، فقد غيرت مشاهدة الدماء خلال الحرب رأي ألكسندر ميدفيديف (اسم مستعار). وكان ميدفيديف (38 عاما)، وهو سائق شاحنة من سيبيريا، قد أنهى خدمته العسكرية الإجبارية ومشاركته في الحرب بسوريا، لكنه استُدعي ضمن تعبئة "كتيبة الأورال" الروسية.
يقول ميدفيديف للجزيرة": "قيل لنا لسنوات إن كل شيء في أوكرانيا غارق في النازية وكراهية روسيا. حينها ظننت أنها عملية تأديبية تستهدف النظام لا الشعب الأوكراني".
بحلول يناير/كانون الثاني 2023، دخلت وحدة ميدفيديف منطقة لوغانسك، وبدأ يشك في مهمته بعد حديثه مع السكان المحليين في القرى المدمرة، وأوضح للجزيرة: "أدركت أنني أحارب في حرب لا يحتاجها أحد، ولن تجلب الخير لأحد، بل ستنتج جبالا من الجثث والأرامل واليتامى".
في السابع من يوليو/تموز 2023، فر ميدفيديف من خدمته وحاول العودة لمدينته، قائلا: "في الأشهر الأولى لم أفهم ما يحدث، كانت هناك حرب في مكان ما، ولكنْ هنا في سيبيريا يعيش الناس وكأن شيئا لم يكن". وبسبب مواجهته لائحة اتهام جنائية، تواصل مع منظمة تساعد الفارين من الخدمة وتمكن من الهروب للخارج، معربا عن أمله في العودة يوما ما لـ"بلد مختلف يقدر السلام".
في العام الأول للحرب، تشير التقديرات إلى رحيل نحو مليوني روسي عن وطنهم، من بينهم شباب يخشون التجنيد ويخافون الزج بهم في جبهات القتال، وأصحاب قناعات سياسية معارضة، مثل "مايك" (35 عاما) الذي غادر مدينة يكاترينبورغ على عجل وكل زاده حقيبة صغيرة.
استقر مايك في برلين، لكنه أصيب بخيبة أمل تجاه الغرب والمعارضة الروسية الليبرالية على حد سواء. يقول بحسرة "الإبادة الجماعية في غزة التي تحدث أمام أعيننا بتواطؤ واضح من النخب الغربية حطمت أي أوهام حول مساعدة القوى الغربية لأوكرانيا". ويرى مايك أنه إذا لم يكن الغرب مستعدا للتدخل المباشر، فإن التسوية تبدو أكثر عقلانية حتى لو كانت تعني هزيمة أوكرانيا.
ويقول مايك إن الوضع يبدو قاتما للغاية بعد 4 سنوات من الحرب، خاصة بعد الهجمات الروسية الأخيرة على البنية التحتية المدنية في أوكرانيا، إذ يرى أن ذلك كشف "مدى الوحشية التي يمكن أن يصل إليها النظام لتحقيق أهدافه".
وبسبب صعوبات الاندماج أو العثور على عمل، عاد كثير من المهاجرين الروس لبلادهم، خاصة مع تصاعد المشاعر المناهضة للمهاجرين في أوروبا.
إعلانويختتم مايك حديثه بالقول "الحياة هنا جيدة، لكني أصبحت أكثر وعيا بوضعي بصفتي مهاجرا.. لم أكن أخطط لمغادرة روسيا، لكنني في الوقت ذاته لا أرى في العودة إليها حلما أصبو إليه".
كييف المُرهَقة
على الجانب الآخر من الحرب، أوكرانيا، تصف كاتبة الرأي م. جيسين، في تقرير لها بصحيفة "نيويورك تايمز"، حال الناس في العاصمة الأوكرانية كييف تحت وطأة الحرب التي غيرت نمط حياتهم كليا؛ إذ باتت الحفلات تُقام نهارا في الهواء الطلق بالأماكن العامة بسبب انقطاع الكهرباء، سعيا من السكان للاستفادة من ضوء الشمس ودفئها عوضا عن الإضاءة والتدفئة المفقودة في الشتاء القارس.
تقول جيسين إن كييف مرهقة، فعلى مدار السنوات الأولى من الحرب، أصرت العاصمة على الحفاظ على حياتها الحضرية النابضة أو استعادتها. فقد استمرت المسارح في العمل، وكذلك صالات العرض والمتاحف، رغم نقل بعض محتوياتها إلى أماكن آمنة؛ كما واصلت الجامعات والمدارس الثانوية التعليم، وظلت شبكات المترو والسكك الحديدية تخدم المدينة بدقة الساعة، في تحدٍ يرمز لـ"عدم الانكسار" رغم كل شيء، وفق الكاتبة.
ولكنّ صمود نمط الحياة في كييف سرعان ما تهاوى تحت الهجمات الروسية التي استهدفت البنية التحتية للطاقة، وحرمت السكان من الكهرباء الضرورية للإضاءة والتدفئة لأسابيع متتالية، فتحولت حياة الناس إلى جحيم لا يطاق. ولعل من الإنصاف القول إنه لم يعد هناك مكان أو شخص في أوكرانيا يمكنه نسيان الحرب ولو لبضع دقائق، بحسب جيسين.
ومع غياب خدمات الكهرباء والتحديات الجديدة، ما زال الأوكرانيون يحاولون ممارسة حياتهم وفق الممكن، فبعد كل توقف ناتج عن انقطاع الكهرباء، تعود الخدمات بعد فترة وجيزة في المقاهي والمطاعم، لكنّ المدينة التي تحاول الصمود سرعان ما تغرق في الظلام الدامس بعد غروب الشمس، باستثناء وميض خافت من نوافذ قليلة لشموع أو مصابيح زيتية.
مجتمع غيرته الحرب
تقول جيسين إنه عندما كان الناس يفرون من أوكرانيا في شتاء 2022، كانت قلة قليلة منهم تتخيل أن الحرب ستطول. ولكنْ بعد مرور كل هذه السنوات، ومع مضي 13 شهرا على رئاسة الرئيس دونالد ترمب -الذي وعد بإنهاء الحرب في غضون 24 ساعة- لا يوجد بيت آمن يعود إليه اللاجئون، بل إن أسباب التفكير في العودة تتضاءل مع تكيف الناس في الخارج مع حياتهم الجديدة.
وتنقل عن مقاتل أوكراني يدعى تاراس فيازوفشينكو القول متحدثا عن حاله وأسرته اللاجئة: "أي نوع من العلاقات يمكن أن يربطنا، هم هناك وأنا هنا؟". وقد أخرج فيازوفشينكو زوجته وطفليه من مدينة إيربين في مارس/آذار 2022 وهم يعيشون في سويسرا الآن، بينما التحق هو بالجيش للدفاع عن بلاده. ويضيف عن عائلته "لقد بنت (زوجتي) حياة هناك، الأطفال يتحدثون الفرنسية فيما بينهم وأنا لا أفهمهم".
وكان فيازوفشينكو مدرب يوغا وعضوا في مجلس مدينة إيربين، وقضى أسابيع في انتشال الجثث وتحديد هويتها في مدينتي بوشا وإيربين الأوكرانيتين، حتى أصبح مهووسا بالمشاهد المروعة في المشارح، واحتاج بسبب ذلك للاستعانة بمتخصصين نفسيين، وانتهى به المطاف مجندا في سن الـ46.
مع استمرار الحرب، عمدت وزارة التعليم في البلاد إلى بناء مدارس تحت الأرض، لضمان استمرار التعليم وسلامة الطلاب، وسرعان ما أصبحت المدارس المبنية تحت الأرض رمزا جديدا للتحدي وعدم الانكسار.
تقول جيسين في تقريرها لنيويورك تايمز إنها زارت كلية الاقتصاد في كييف، واطلعت على فصول دراسية جديدة بنيت في قَبو الكلية، وتشير أن الكلية وغيرها من المؤسسات التعليمية تضع جداول زمنية لاستغلال العدد المحدود من الفصول الدراسية التي تتسع لها الملاجئ، مشيرة إلى أن الطلاب يدرسون فوق الأرض، فإذا انطلقت صافرات الإنذار، ينتقل الجميع للأسفل.
تقول جيسين إن رئيس كلية الاقتصاد في كييف، تيموفي بريك، قادها بفخر خلال زيارتها للكلية، إلى فصل مجهز للتدريب المهني على اللحام، وهي مهارة مطلوبة حديثا في صناعة الطائرات المسيّرة التي تُستخدم في الحرب على نطاق واسع من قبل الجيش الأوكراني. وتشير جيسين إلى أن الجامعة نقلت طلابا من مبان سكنية قُطعت عنها الكهرباء إلى غرف فنادق.
وينقل تقرير نيويورك تايمز عن لينا سامويلينكو، الحاصلة على الدكتوراه في الرياضيات القول "أتخيل أنه لو لم تكن هناك حرب، لكنتُ قد حصلت على دكتوراه أخرى في البيولوجيا العصبية". سامويلينكو، التي أمضت سنوات في الإبلاغ عن الحرب وتنظيم المساعدات، تجد نفسها اليوم في حالة ترقب دائم، وتقول "إنه يوم متكرر؛ تضع أذنك على الأرض كل يوم، تترقب صوت الدبابات".
إعلانومع استمرار الصراع، ترى جيسين أن ويلات الحرب لا تقتصر على القتل وتدمير المباني وتغيير الخارطة الديمغرافية في البلد، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة صياغة مستقبل الأوكرانيين؛ الذين وجدوا أنفسهم مجبرين على العيش في حالة ترقب دائم، في انتظار مصير مجهول، في فصل جديد من تاريخ بلادهم تُحدد ملامحه أصوات الدبابات ودوي القصف وصفارات الإنذار.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فی أوکرانیا فی الحرب الحرب فی فی حالة حرب فی التی ت
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.