الحوسبة «الكمومية» قد تحل مشكلة استدامة الذكاء الاصطناعي
تاريخ النشر: 23rd, February 2026 GMT
يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي غالبا على أنه محرك للكفاءة والتقدم. لكنه يمثل أيضا تحديًا عميقًا فيما يتصل بمسألة الاستدامة.
ففي حين تتيح الحوسبة العالية الأداء (HPC) تحقيق تقدم كبير في إعداد نماذج المناخ، واكتشاف الأدوية، وتطوير الطاقة المتجددة، فإنها تستهلك كميات مذهلة من الطاقة. يمثل قطاع التكنولوجيا بالفعل أكثر من 3% من الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري على مستوى العالم، ومن المتوقع أن يؤدي صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي السريع إلى توسيع بصمته الكربونية ودفع شبكات الطاقة إلى أقصى حدود طاقة استيعابها.
وفقا للتقارير، استلزم تدريب النموذج اللغوي الضخم Grok-4 وَحده 310 جيجاوات/ساعة من الكهرباء ــ وهو ما يكفي لتزويد مدينة يبلغ عدد سكانها 4000 نسمة بالطاقة. وقد يستهلك Google’s AI في نهاية المطاف كمية من الكهرباء تعادل استهلاك أيرلندا بأكملها.
في الاستجابة لارتفاع الطلب على الطاقة، فضلت الصناعة إلى حد كبير اتخاذ تدابير تدريجية، مثل استعادة الحرارة من أنظمة تبريد الحوسبة العالية الأداء (HPC)، وتجربة نُهج «الذكاء الاصطناعي المقتصد» المبكرة، أو تشجيع التوسع في إنتاج الطاقة النووية. برغم أن هذه الجهود مفيدة، فإنها لا تعالج المشكلات الأساسية.
الواقع أن التحدي مزدوج: تقليص الأثر البيئي الذي تخلفه الصناعة عن طريق الحد من أحمال عمل الذكاء الاصطناعي المنخفضة القيمة، وتطوير بنى حاسوبية تعزز أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (SDGs). يسعى نهج واعد، يُعرف بمسمى الذكاء الاصطناعي الكمومي المستدام (SQAI)، إلى الاستفادة من التكنولوجيات الكمومية لتقليل استهلاك الطاقة في الحوسبة العالية الأداء.
على الرغم من انتشارها الواسع، لم تحقق التكنولوجيات الكمومية كامل إمكاناتها. على سبيل المثال، يحتاج تصنيع الأمونيا ــ وهو إنجاز رائع حققته الكيمياء الكمومية والذي ساعد في إطعام مليارات من البشر ــ الآن إلى عملية إعادة ابتكار عاجلة لدعم الزراعة المتجددة حقا.
العلوم الكمومية قادرة على تعزيز الاستدامة من خلال تحويل ليس فقط الزراعة، والغذاء، والأنظمة الصحية، بل أيضا تكنولوجيات متطورة مثل الذكاء الاصطناعي. تعتمد أجهزة الكمبيوتر الكمومية على وحدات معلومات تُعرف بمسمى الكيوبتات، والتي تمكنها من إجراء حسابات معينة بكفاءة أكبر كثيرًا مقارنة بأنظمة الحوسبة العالية الأداء التقليدية، وقد ثبت أن هذا له تأثير مباشر على استخدام الطاقة.
ينصب التركيز الرئيسي لهذه الجهود على تطوير وحدات معالجة كمومية (QPU) تستهلك طاقة أقل كثيرا مقارنة بأجهزة الحوسبة الفائقة التقليدية. تعمل وحدات المعالجة الكمومية المحايدة الذرات بشكل أساسي في درجة حرارة الغرفة، وهي بهذا تزيل الحاجة إلى التبريد الذي يستهلك طاقة كثيفة.
لا تستهلك الأجهزة ذات الذرات المحايدة، مثل نظام Orion الذي طورته شركة Pasqal (أحدنا هو رئيسها التنفيذي)، أكثر من 3.5 كيلوواط من الطاقة الكهربائية، في حين يتطلب حاسوب فائق كلاسيكي واحدا مثل Frontier حوالي 22 ميجاواط. ورغم أن الوقت اللازم لحل بعض المشكلات لا يزال متفاوتا، وأن كثيرا من التطبيقات ستعتمد على مزيج من المعالجات الكمومية والتقليدية، فسوف يظل من الممكن تقليل استهلاك الطاقة إلى جزء ضئيل من المستويات الحالية.
يصبح التباين أشد وضوحًا عند النظر إليه من خلال تحليل دورة الحياة (LCA)، الذي يستخدم كأداة أساسية لضمان الشفافية والمساءلة. ولأن التقييم الكامل يجب أن يشمل الانبعاثات الناتجة عن تصنيع الأجهزة، والتي قد تمثل ما يصل إلى 80% من البصمة الكربونية التي تخلفها التكنولوجيات الرقمية، فإن المقارنة لافتة للنظر.
يُـصدِر نظام الحوسبة العالية الأداء مثل الكمبيوتر الفرنسي الخارق Joliot-Curie نحو 0.2 من الطن المتري من مكافئ ثاني أكسيد الكربون في الساعة، فضلا عن إهلاك الأجهزة واستهلاك الكهرباء، حتى مع إمدادات الطاقة المنخفضة الكربون في فرنسا.
في المقابل، ينتج نظام Orion القائم على الذرات المحايدة حوالي 2.1 كيلوجرام من مكافئ ثاني أكسيد الكربون في الساعة. تشير هذه الأرقام مجتمعة إلى أن الانبعاثات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ستبدأ في الانخفاض قبل وصول أجهزة الكمبيوتر الكمومية التي يمكن التعويل عليها بالكامل والتي تتحمل الأخطاء.
لكن كفاءة الطاقة ليست سوى جزء من القصة. تُـعَد بُـنى الذرات المحايدة مناسبة بشكل خاص في التصدي لتحديات التنمية المستدامة المعقدة التي لا تزال بعيدة عن متناول أنظمة الحوسبة العالية الأداء التقليدية، خاصة مشكلات التحسين التوافقي الأمثل الضخمة كتلك المرتبطة بالتصميم الجزيئي، وأنظمة الطاقة، ولوجستيات النقل.
لاختبار هذه الفكرة، أطلقت شركة Pasqal تحديين في مجال الذكاء الاصطناعي الكمومي المستدام عامي 2023 و2025. من اللافت للنظر أن الشركة والتحديات سُميت على اسم عالم الرياضيات الفرنسي بليز باسكال، الذي عاش في القرن السابع عشر، وهو رائد نظرية الاحتمالات ومخترع واحدة من أقدم الآلات الحاسبة الميكانيكية، باسكالين. كان آخر مساعيه، وهو أقل شهرة لكنه لا يقل أهمية، إنشاء Carrosses à Cinq sols، أحد أوائل أنظمة النقل العام.
بوضع هذا الإرث في الاعتبار، تُلزِم تحديات الذكاء الاصطناعي الكمومي المستدام كل متقدم بتقديم مثال ملموس على الاستخدام المتعلق بالاستدامة وبصمة طاقة أقل من تلك التي تطلقها أنظمة الحوسبة العالية الأداء التقليدية، باستخدام التكنولوجيات المتاحة اليوم. كانت الاستجابة رائعة، حيث اجتذبت الفكرة أكثر من 2000 مشارك من أكثر من 60 دولة.
تشير النتائج المبكرة إلى تقدم ملموس في عدد من أهداف التنمية المستدامة. برزت الطاقة النظيفة والميسورة التكلفة كبؤرة اهتمام طبيعية، حيث استخدمت الفرق المشاركة أساليب الذكاء الاصطناعي الكمومي الهجينة لتحسين شبكات الطاقة وتصميم مزارع الرياح.
استكشفت بعض الفرق أساليب قائمة على الحوسبة الكمومية لإدارة حرائق الغابات وإعداد نماذج الأعاصير، بينما عملت فرق أخرى على أساليب لتسريع اكتشاف مضادات الميكروبات وتحسين استدامة إنتاج الغذاء.
من المؤكد أن أجهزة الكمبيوتر الكمومية الحالية ليست قادرة بعد على معالجة المشكلات المعقدة في العالم الواقعي. يتطلب تحسين شبكات النقل العام أو محاكاة الديناميكيات الجزيئية التعامل مع آلاف المتغيرات المترابطة، وهذا يتجاوز بأشواط قدرة الترميز الحالية في وحدات المعالجة الكمومية. ولكن حتى برغم هذا، يسلط النمو السريع في سعة الكيوبت الضوء على إمكانات الحوسبة الكمومية غير المستغلة إلى حد كبير.
لكي يفي الذكاء الاصطناعي الكمومي المستدام بوعده، يجب أن تلتزم الصناعة بمعايير واضحة، ومقاييس شفافة، ومنهجيات تحليل دورة الحياة الصارمة التي تأخذ بعين الاعتبار الانبعاثات طوال دورة الحياة بأكملها، من التصميم والتصنيع إلى التشغيل والتخلص من النفايات. الواقع أن تعزيز التعاون بين الشركات، والباحثين، والمؤسسات، لا سيما عندما ترعاه هيئات مستقلة، شديد الأهمية لضمان توجيه الموارد نحو التطبيقات التي تحقق فوائد استدامة حقيقية وقابلة للقياس.
يمثل الذكاء الاصطناعي الكمومي المستدام فرصة لتوجيه الذكاء الاصطناعي بعيدا عن مساره غير المستدام، فيستنفر العلماء ورواد الأعمال ليحملهم على تطوير وتوسيع نطاق الحلول الكمومية الموفرة للطاقة.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: أکثر من
إقرأ أيضاً:
برنامج خبراء الإمارات يطلق “مسار الذكاء الاصطناعي” يونيو الجاري
يطلق برنامج خبراء الإمارات- “مسار الذكاء الاصطناعي” – في شهر يونيو الجاري، اتساقاً مع استراتيجية الإمارات الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031، الهادفة إلى دمج حلول الذكاء الاصطناعي في مختلف العمليات الحكومية والقطاعات الاستراتيجية الحيوية.
ويدعم “مسار الذكاء الاصطناعي”، ضمن برنامج خبراء الإمارات خمسة أهداف رئيسية في استراتيجية الإمارات الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031، تتمثل في تعزيز مكانة الإمارات كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي، وتعزيز التنافسية في القطاعات الحيوية عبر توسيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتسريع تبني الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية، وتطوير الكفاءات الإماراتية لشغل وظائف تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وربط البحث المتقدم والبنية التحتية بالتطبيق الواقعي.
ومن المقرر أن يضم “مسار الذكاء الاصطناعي”، نخبة من الكوادر الوطنية ضمن 25 قطاعاً حيوياً؛ حيث سيلتحق المنتسبون بتدريبات مكثفة في مجالات عدة من بينها أنظمة الذكاء الاصطناعي والحوكمة والقيادة، والمشاركة في عدد من الرحلات الدراسية الدولية، والعمل على مشروعات تخرج مصممة لمواجهة تحديات حقيقية على المستوى الوطني، بإشراف مباشر من الموجهين.
وقال سعادة أحمد الشامسي، مدير برنامج خبراء الإمارات: “نجحت دولة الإمارات في ترسيخ مكانتها الرائدة كبيئة حاضنة للذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، ومع انطلاق مسار الذكاء الاصطناعي؛ سيتم التركيز الآن على الانتقال من تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى توظيفها بكفاءة وقيادة تطويرها، بما يسهم في إعداد كوادر وطنية قادرة على صياغة السياسات وتعزيز تنافسية الدولة عالمياً لعقود قادمة”.
وأضاف: “يأتي انطلاق مسار الذكاء الاصطناعي ضمن برنامج خبراء الإمارات تزامناً مع الإعلان عن المنظومة الجديدة لحكومة الإمارات، والتي تهدف لتحويل 50% من قطاعات وخدمات وعمليات الحكومة لتطبيق نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ والقيادة خلال عامين”، موضحاً أنه بخلاف الأنظمة التقليدية؛ تتسم تلك النماذج بقدرتها على تنفيذ المهام وإدارة العمليات المعقدة بصورة مستقلة، إذ يركز مسار الذكاء الاصطناعي على إعداد كوادر وطنية قادرة على التعامل مع هذه الأنظمة وإدارتها بمسؤولية داخل قطاعات وبيئات تشغيلية حيوية.
وفي سياق متصل؛ تضمنت عملية اختيار المنتسبين إجراء مقابلات معمقة مع عدد من خبراء الذكاء الاصطناعي، إلى جانب زملاء وخريجي برنامج خبراء الإمارات.
وقالت البروفيسورة هدى الخزيمي، المتحدثة باسم برنامج خبراء الإمارات “مسار الذكاء الاصطناعي”: “خلال المقابلات ومناقشات الاختيار، برز لدى العديد من المرشحين وعي متقدم باستراتيجية الإمارات الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031، وفهم واضح بأن المرحلة المقبلة تعتمد على التطبيق المؤسسي الفعّال للذكاء الاصطناعي منوهة بالمستوى الاستثنائي من الطموح والكفاءة لدى عدد من المرشحين، وإمكاناتهم العالية لإحداث أثر محلي وعالمي وإضافة قيمة حقيقية للقطاعات وتعزيز تنافسية الدولة.
تجدر الإشارة إلى أن إطلاق “مسار الذكاء الاصطناعي”، ضمن برنامج خبراء الإمارات، هو امتداد للزخم الذي تشهده دولة الإمارات في مجال تبني التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، حيث صنّفتها مؤشرات دولية حديثة ضمن الدول الرائدة عالمياً في الجاهزية المؤسسية وتبني الذكاء الاصطناعي على مستوى الحكومات، وتشكل الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية وبناء القدرات الوطنية قاعدة أساسية لدعم هذا المسار وتطوير مخرجاته المستقبلية. وام