نحن في قبضة الأرض ولا شيء يهزم الجغرافيا
تاريخ النشر: 16th, May 2026 GMT
رغم ثورة الاتصالات التي حولت العالم إلى قرية كونية فإن الجغرافيا لا تزال قادرة على إقحام نفسها في تحديد العديد من الممارسات والسلوكيات الدولية والمحلية في آن واحد.
ولا يزال بإمكانها أن تمنح وتمنع، تيسر وتعسر، وتفرض على صانعي القرارات ومتخذيها شروطا من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تجاوزها، سواء في المسائل المتعلقة بالأمن، أو تلك المرتبطة بالتنمية، أو حتى التي لها وشائج بإدارة الحروب والصراعات المسلحة، بدءا بما يخص أساليب الدعم اللوجيستي، وانتهاء بوضع الخطط الحربية، وتحديد سير المعارك.
ولعل الحرب على إيران، واكتشاف الأخيرة أهمية استغلال مضيق هرمز، فضلا عن ترامي مساحتها التي تبلغ 1.6 مليون كيلومتر مربع، ما يقدم برهانا ناصعا على دور الجغرافيا في الحروب.
فالجغرافيا هي واحدة من مكونات نظرية القوة، التي رسختها مدرسة "الواقعية السياسية" في العلاقات الدولية، وبرز على رأسها هانز. جي. مورجنتاو، الذي جسد حمولة الجغرافيا على السياسة والاقتصاد معا في معرض تناوله ما أسماه "سلطان الأمة على المسرح الدولي".
فقد أجمل عناصر قوة الدولة في الموقع الجغرافي، والموارد الطبيعية، والطاقة الصناعية، والاستعداد العسكري، والسكان، والشخصية القومية، والروح المعنوية العامة، ونوع الدبلوماسية، ونمط نظام الحكم، معتبرا أن الجغرافيا هي أكثر العناصر استقرارا في بناء قوة أي دولة.
ورغم أن مورجنتاو لم يهمل في كتابه الشهير "السياسة بين الأمم: الصراع من أجل السلطان والسلام" البصمات التي طبعها التطور التقني الرهيب في وسائل المواصلات والاتصالات على الجغرافيا، بما قلص دورها، إلى حد ما، فإن وقائع وأحداثا جرت على الساحة الدولية في العقود الأخيرة أظهرت أن هناك تأثيرات للجغرافيا على السياسة والاقتصاد لم ينل منها التطور التقني، حتى الآن، ومن الصعب تصور إمكان إزاحتها في المستقبل المنظور؛ لأنها ترتبط بعناصر تتمتع بثبات واستقرار نسبي.
إعلانفالجغرافيا السياسية في تصورها الأخير تحليل لقوة الدولة ووزنها من خلال فحص تركيبها وتكوينها وخصائصها ومعطياتها الطبيعية والبشرية، إذ إنها تضع الدولة في إطارها الطبيعي الباقي وتردها إلى أصولها الجغرافية الدائمة الوثيقة، وتحقق أساسها الطبيعي، وترصد الثوابت والمتغيرات على أطول مدى ممكن في توجهها وعلاقاتها، ثم تحدد نقاط القوة والضعف الكامنة أو الظاهرة في وجودها السياسي، ومواطن الخطر أو الخطأ في هيكلها الجيوبوليتكي، حسبما يرى جمال حمدان.
وهذا يعني أنها تضع الدولة ككائن حي في ميزان حساس كما هو، دقيق وتحت مجهر موضوعي متجرد، ليقيس وزنها السياسي، وموقفها في عالم السياسة، ووقعها عليه محليا وإقليميا ودوليا.
وتأتي التجارة في مقدمة المسائل التي لا تزال تتأثر بالجغرافيا السياسية، انطلاقا من عمليات استخراج المواد الخام من الطبيعة، وصولا إلى عملية نقل البضائع برا وبحرا وجوا. وتلك المسألة ليست بنت العصر الحديث بل تعود إلى الأزمان الغابرة.
ويظهر تأثير الجغرافيا على التجارة جليا في مسألة تأمين الخطوط الملاحية ضد أعمال القرصنة البحرية، جنبا إلى جنب مع تأمينها من الخطورة التي تشكلها الرياح العاتية والعواصف، وكذلك تأمين القوافل التجارية البرية ضد قطاع الطرق.
وضمن التجارة الدولية بشكل عام، تبرز عملية نقل النفط والغاز الطبيعي باعتبارهما من أهم السلع التجارية الدولية، لتظهر الدور الملموس الذي تلعبه الجغرافيا السياسية في هذا النوع من التجارة، وفق ما يراه كابتن سي. بابتيست في كتابه "دليل ناقلات النفط لضباط السطح" "Tanker Hand Book for Deck Officers".
فهذه التجارة لا تقتصر أنشطتها على التنقيب والاستخراج ومن ثم الإنتاج فالاستهلاك، إذ إن هناك مرحلة وسطى بين كل هذا تتعلق بوسائط النقل سواء كان بحريا من خلال السفن أو الحاويات العملاقة، أو بريا عبر أنابيب تمتد آلاف الكيلومترات وتخترق حدود أكثر من دولة؛ لتربط مراكز إنتاج النفط بأسواق استهلاكه.
في هذا الصدد، هناك دائما ميزة للمناطق التي تتسم فيها عملية النقل هذه بالأمان النسبي. فشركات الطاقة الدولية الكبرى لا يمكنها إسقاط هذا العامل من الحسبان، وهي التي تنفق مئات بل آلاف الملايين من الدولارات على عمليات التنقيب والاستخراج والتكرير، وتعلم أن هذا لا معنى له دون نقل النفط المكرر أو الخام إلى الأسواق العالمية.
وإذا كانت التطورات التقنية، كما سبق الذكر، تسعى جاهدة إلى التغلب على المشكلات التي تضعها الجغرافيا السياسية في وجه عمليات نقل الطاقة، فإن غياب هذه المشكلات لا يتوقف فقط على ما تتيحه التكنولوجيا الحديثة من وسائل، بل هناك ضرورة للنظر في وجه آخر للمسألة يتعلق باستغلال بعض البشر أوضاعا جغرافية معينة في تعويق أو تهديد وسائط نقل الطاقة برا وبحرا، سواء عبر الحاويات العملاقة التي تمخر عباب البحار والمحيطات مارة بالمضايق الطبيعية والصناعية للوصول إلى موانئ بالدول المستوردة للطاقة، أو من خلال الأنابيب التي تحمل النفط والغاز الطبيعي مخترقة صحراوات شاسعة.
وهنا تجد بعض الدول المتحاربة، والتنظيمات المسلحة- سواء كانت مناوئة لنظام محلي أو تسعى إلى النيل من قوة دولية كبرى تستورد كميات كبيرة من النفط والغاز- فرصة سانحة لإعاقة مرور الحاويات أو ضربها، أو تفجير هذه الأنابيب الحاملة للنفط والغاز، من أجل تحقيق بعض أهدافها.
إعلانوبالنسبة للدول تتمثل هذه الأهداف في توظيف المضايق كأوراق ضغط خلال الحروب، وجني مكاسب مادية عن طريق فرض رسوم مرور، ولدى التنظيمات المسلحة تكون الأهداف هي بيع النفط المسروق، والضغط على الحكومات المحلية كي تلبي طلبات ملحة لهذه القوى السياسية المعارضة أو التي تمارس احتجاجا مؤقتا حيال ظرف محدد، وأحيانا إيلام قوى كبرى في سياق صراع دولي بين إحدى هذه القوى أو بعضها وتلك الدولة وحلفائها.
وسواء على المستوى الدولي الذي نرى حالته ماثلة الآن في إغلاق إيران مضيق هرمز، أو ما رأيناه على المستوى المحلي من استهداف بعض التنظيمات الراديكالية اليسارية في أمريكا اللاتينية، والإسلامية في الشيشان واليمن، فإن مسألة تهديد وسائط نقل الطاقة تطرح نفسها بشدة على ساحة السياسة الخارجية لبعض الدول المنتجة للنفط والغاز من زاوية، والعلاقات الدولية من زاوية ثانية، في ظل إدراك حدوث انعكاس تلقائي لبعض الصراعات الداخلية نحو المجال الخارجي، والعكس صحيح.
ولهذا لم يكن من المستغرب أن يظهر اصطلاح الجغرافيا السياسية للنفط "Geopolitics of Oil"، اتكاء على أن النفط والغاز صارا محددين مهمين للنظام الدولي المعاصر، وأداتين نافذتين لتحصيل القوة والنفوذ، لا سيما حين يتحولان من مجرد سلعة تخضع لآليات العرض والطلب في سوق الطاقة الدولية إلى سلاح سياسي، مثلما توظفه إيران الآن.
وكذلك روسيا في حربها ضد أوكرانيا، وقيام الولايات المتحدة الأمريكية باستخدام آلية العقوبات على النفط الروسي أو الإيراني كأداة لتغيير السلوك السياسي للدولتين، فيما تعنى الدول الصناعية الكبرى باستقرار مناطق إنتاج النفط في الخليج، وغرب أفريقيا، وبحر قزوين، وشمال أمريكا اللاتينية.
ولا تقف الجغرافيا السياسية للنفط عند الأمور المتعلقة بإنتاجه وجودته واحتياطيه، والتي تجعل لإقليم ميزة على ما عداه، كما هي الحال في منطقة الخليج، بل تمتد إلى المسائل المرتبطة بتأمين الإمدادات، وبناء التوافقات بين منتجي الطاقة ومستهلكيها، بما يضمن استمرار تدفق النفط والغاز حتى أثناء الحروب والنزاعات.
من هنا يبقى النفط والغاز الطبيعي عنصرين حاسمين في التوازن والتنافس السياسي والاقتصادي الدولي، ويرسمان جانبا مهما من الخرائط الجيوسياسية وفق القدرة على الوصول إليهما والتحكم في أسعارهما.
إن النفط والغاز يشكلان ما يتراوح بين 65% إلى 70% من مجمل الطاقة التي تستهلكها أكبر ثلاثة اقتصادات في العالم: الولايات المتحدة، اليابان، والاتحاد الأوروبي، ويلعبان دورا مهما في مسار التنمية بالعديد من الدول الصناعية مثل الصين، وكوريا الجنوبية، والبرازيل، والمكسيك، ليظلا أحد الصناع الأساسيين للجغرافيا السياسية في العالم بأسره، إلى أن يتم التحول نحو الطاقة المتجددة، أو الطاقة الخضراء منخفضة التكلفة، وعندها ستتغير الخرائط الجيوسياسية.
وحتى يتم هذا على نحو كاف ستظل الجغرافيا الطبيعية، الموظفة سياسيا وعسكريا، تمارس دورا بالغ الأهمية في ضمان حصول العالم على الطاقة التي يريدها لأغراض متعددة، ولا طريق لبلوغ هذه الغاية سوى تأمين نقل الطاقة دون أي تساهل في هذا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الجغرافیا السیاسیة النفط والغاز السیاسیة فی نقل الطاقة
إقرأ أيضاً:
ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق