لعقود طويلة ارتبطت الأهمية الإستراتيجية لمضيق هرمز والممرات البحرية في الشرق الأوسط بتدفقات النفط وإمدادات الطاقة، لكن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، برز إلى الواجهة تهديد جديد يستهدف البنية التحتية للاقتصاد الرقمي العالمي.

ويتلخص هذا التهديد فيما أشارت إليه وسائل إعلام إيرانية أخيرا بشأن احتمال تحوّل الكابلات البحرية في الخليج إلى أهداف محتملة، وطرحت فكرة السيطرة على كابلات الإنترنت وفرض رسوم على مشغليها بوصفها ورقة ضغط قد تكون مفيدة في مرحلة ما، وهو أمر لا يقل حساسية عن عرقلة حركة الملاحة والتجارة عبر المضيق.

تصعيد متدرج وخطة مالية

لم يُطرح التهديد فجأة، بل جاء ضمن تصعيد إعلامي متدرج، ففي 24 أبريل/نيسان الماضي، نشرت وكالة "فارس" الإيرانية مقالا تحت عنوان "عنق زجاجة هرمز.. حيث إنترنت المنطقة معلق بشعرة".

ووصفت الوكالة الكابلات البحرية في عمق المضيق، التي تعتمد عليها مساحة كبيرة من الاتصالات الرقمية الإقليمية، بأنها "بنية تحتية خفية يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف إستراتيجية".

وترافق ذلك مع طرح وكالة "تسنيم" زاوية قانونية، تشدد على أهمية ما سمتها "الحوكمة القانونية" لهذه الكابلات، مشيرة إلى إمكانية تنظيم مرورها وصيانتها وفرض رسوم عليها ضمن صلاحيات الدول الساحلية.

وبلهجة تصعيدية، حذرت الوكالة ذاتها من أن استهداف كابلات الألياف الضوئية في هرمز قد يشل إنتاج النفط وصادراته، ويعطل الأسواق المالية والنقدية لدول خليجية، في إشارة صريحة تقدّم الكابلات البحرية بوصفها جزءا جديدا من معادلة الردع والضغط السياسي.

في مضيق هرمز تمر ناقلات النفط فوق الماء، وكابلات الإنترنت تحته، وكلاهما بات هدفا محتملا (رويترز)هشاشة البدائل

وخلافا لتصور البعض أن الإنترنت مجرد سحابة افتراضية، تؤكد الباحثة ميريديث بريمروز جونز في مقالها على موقع "ذا كونفرزيشن" أن الشبكة تعتمد فعليا على بنية مادية تتألف من أكثر من 500 كابل بحري، تنقل أكثر من 95% من حركة البيانات الدولية، وهي نسبة تصل إلى نحو 99%، وفق تقديرات الاتحاد الدولي للاتصالات التي نقلتها وكالة رويترز.

إعلان

وتكمن المعضلة في أن هذه البنية التحتية الكبيرة تتركز في مسارات جغرافية معيَّنة، إذ يتجمع العديد من هذه الكابلات ليمر عبر ممرات مائية ضيقة مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز، مما يخلق ما يُعرف إستراتيجيا بـ"الاختناقات الرقمية".

ويبرز هنا قلق خليجي، إذ يشير تقرير لوكالة رويترز إلى أن دول المنطقة تستثمر مليارات الدولارات في الذكاء الاصطناعي، وتعتمد بدرجة كبيرة على كابلات محورية تمر عبر هرمز، مثل "إيه إيه إي-1″ و"فالكون" .

ورغم التطور التكنولوجي السريع، فإن خبراء نقلت عنهم رويترز يشيرون إلى أن أنظمة الأقمار الصناعية، مثل "ستارلينك"، لا تشكل بديلا عمليا للكابلات البحرية من حيث التكلفة والقدرة على استيعاب حجم البيانات الهائل، بل تظل مجرد حلول مكملة.

وتوضح الباحثة جونز أن الصراع الأمريكي الإيراني تسبب بالفعل في تأخير إنشاء كابلات جديدة، مما يفاقم هشاشة الشبكة.

وتلفت خبيرة الجغرافيا السياسية ماشا كوتكين، في حديث لرويترز، إلى خطر "الضرر غير المقصود"، مؤكدة أنه كلما طال أمد النزاع ارتفع احتمال وقوعه.

وقد حدث هذا بالفعل عام 2024، حين انجرفت سفينة تجارية استهدفتها جماعة أنصار الله في البحر الأحمر، وسحبت مرساتها من قاع البحر، فقطعت كابلات حيوية.

مع أهمية "ستارلينك" فإن شبكة الأقمار الصناعية تبقى مكملة للكوابل لا بديلا عنها (شترستوك)سلاح ذو حدين

ورغم خطورة التلويح بقطع الكابلات، فإن الواقع الميداني يكشف عن مفارقة تجعله "سلاحا ذا حدين"، فإيران نفسها مرتبطة بهذه الشبكة عبر نظام كابلات "جي بي آي"، مما يعني أن أي تخريب سيمتد تأثيره إلى اتصالاتها واقتصادها أيضا.

ويزيد المشهد تعقيدا أن الكابلات البحرية تتعرض أصلا لنحو 150 إلى 200 عطل سنويا في العالم، يعود 70% إلى 80% منها إلى أنشطة بشرية عرضية مثل صيد الأسماك وسحب المراسي، وفق بيانات "اللجنة الدولية لحماية الكابلات".

هذا الأمر يجعل إثبات التعمد أمرا بالغ الصعوبة، وهو بحد ذاته ورقة في يد أي طرف يريد الإضرار بهذه البنية التحتية تحت غطاء "الحادث العرضي"، وهو غموض تحذر الباحثة ميريديث جونز من أنه يفتح الباب أمام "تصعيد عسكري غير محسوب".

وبعيدا عن التورط في القطع الفعلي، تملك إيران سلاحا صامتا يتمثل في "التصاريح"، إذ يمكنها ببساطة المماطلة في منح الموافقات لسفن الصيانة، مما يحوّل أي عطل عرضي إلى أزمة طويلة الأمد دون إطلاق رصاصة واحدة.

ويوضح مدير الأبحاث في "تليجيوغرافي" آلان مولدين لوكالة رويترز أن "إحدى أكبر مشكلات الإصلاح هي الحصول على تصاريح الدخول إلى المياه حيث يقع الضرر، وهو أمر قد يستغرق وقتا طويلا".

صدمات اقتصادية وشلل عسكري

تتجاوز التداعيات مجرد بطء التصفح لتضرب العصبين العسكري والمالي، ففي مقال نشره المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF)، يرى روبرت مجاه أن الاقتصاد الحديث لم يعد يفرق بين "تدفقات السلع" و"تدفقات المعلومات"، مشيرا إلى أن أي انقطاع سيُحدث صدمات فورية في الأسواق المالية وتأخيرا في المعاملات المصرفية.

وعلى الصعيد العسكري، تعتمد القوات المسلحة بدرجة كبيرة على هذه الكابلات في أنظمة القيادة والسيطرة وتسيير الطائرات المسيّرة، مما يجعل المساس بها تهديدا مباشرا للأمن القومي وفرص التنسيق بين الحلفاء.

"حرب الاتصال"

تعكس هذه التهديدات تحولا ملموسا في طبيعة الصراعات الحديثة، إذ يشير المحلل الإستراتيجي أومود شكري -في مقال بموقع "فيرست بوست" – إلى أن مرحلة "ما بعد الحرب" ستشهد ما يسميها "حرب الاتصال". وفي هذا النوع الجديد من النزاعات، لن تتصارع الدول للسيطرة على الأراضي، بل للتحكم في الشبكات التي تربط العالم.

إعلان

ويوضح شكري أن الدول التي تتحكم في البنية التحتية لهذه الشبكات تمتلك سلاحا مزدوجا: القدرة على المراقبة الشاملة وجمع المعلومات، واستخدام هذه المسارات "نقاط خنق" لعزل الخصوم وحرمانهم من الوصول إلى العالم الرقمي.

وبهذا المعنى، فإن التلويح الإيراني المتدرج بالسيطرة على الكابلات البحرية في مضيق هرمز يكشف عن اتساع خطير في خريطة نقاط الضعف العالمية، فالعالم الذي اعتاد القلق من احتجاز ناقلات النفط في المضيق، يواجه اليوم كابوس "الاختناق الرقمي" الذي يهدد بشل اقتصادات كاملة في لحظات.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الکابلات البحریة البنیة التحتیة البحریة فی إلى أن

إقرأ أيضاً:

لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟

رغم أن الشلالات الشهيرة حول العالم مثل نياجارا أو آنجل تجذب ملايين الزوار سنويا، فإن أكبر شلال على كوكب الأرض لا يمكن رؤيته بالعين المجردة ولا سماع هديره، لأنه يقع في أعماق المحيط المتجمد الشمالي، بعيدا عن الأنظار وتحت مئات الأمتار من المياه.

ويُعرف هذا الشلال باسم “شلال مضيق الدنمارك”، ويقع بين أيسلندا وجرينلاند، حيث تتدفق عبره كميات هائلة من المياه تتجاوز 3.2 ملايين متر مكعب في الثانية، ما يجعله أكبر تدفق مائي معروف على سطح الأرض. 

فك أسرار عمالقة الفضاء.. رصد تاريخي للميثان على كوكب معتدل يبعد 335 سنة ضوئيةافتراس غامض.. علماء يرصدون نجوما تلتهم كواكب شبيهة بالأرضالفطريات تمهد طريق البشر للمريخ.. هل اقترب حلم استعمار الكوكب الأحمر؟رصد كوكب غريب.. صباحات ملبدة بالسحب على بعد 299 سنة ضوئيةصخور غامضة فوق سطح المريخ.. اكتشاف يفتح بابا جديدا لأسئلة الكوكب الأحمرهلال فضي فوق الكوكب الأحمر.. مشهد نادر للمريخ | ايه الحكايةأكبر شلال على الأرض

رغم ضخامته الاستثنائية، فإن شلال مضيق الدنمارك يظل مخفيا بالكامل تحت سطح البحر، ولا تظهر له أي علامات مرئية مثل الرذاذ أو الضجيج المرتبط بالشلالات التقليدية.

ويعود تشكل هذا الشلال البحري إلى اختلاف كثافة المياه، فالمياه الباردة والمالحة القادمة من شمال المحيط تكون أكثر كثافة من المياه الأدفأ الموجودة جنوبا، مما يدفعها إلى الغوص والانحدار على طول قاع البحر عبر حافة صخرية مغمورة، مشكلة ما يشبه شلالا عملاقا تحت الماء. 

ويصل امتداد هذا الانحدار إلى نحو 11 ألفا و500 قدم، وهو ارتفاع يفوق بكثير أشهر الشلالات الموجودة على اليابسة.

وأكد علماء المحيطات وجود هذه الظاهرة خلال العقود الأخيرة باستخدام أجهزة متخصصة تقيس درجات الحرارة والملوحة وسرعة التيارات البحرية، إذ يصعب رصدها بشكل مباشر بسبب وقوعها في أعماق كبيرة. 

كما كشفت القياسات وجود تدفق مستمر للمياه الكثيفة عبر قاع المحيط، وهو ما ساعد الباحثين على فهم طبيعة هذا الشلال الفريد.

ما أهمية شلال مضيق الدنمارك؟

لا تقتصر أهمية شلال مضيق الدنمارك على كونه ظاهرة طبيعية مذهلة، بل يؤدي دورا محوريا في تنظيم المناخ العالمي، فالتدفق المستمر للمياه الباردة والكثيفة يسهم في تكوين تيارات المحيط الأطلسي العميقة، التي تساعد على نقل الحرارة والأكسجين والعناصر الغذائية بين مناطق مختلفة من العالم، ما يؤثر بشكل مباشر في درجات الحرارة والأنظمة البيئية البحرية.

ويحذر العلماء من أن التغيرات المناخية الحالية قد تؤثر في قوة هذا الشلال البحري، فذوبان الجليد وارتفاع كميات المياه العذبة في المناطق القطبية قد يقللان من ملوحة المياه وكثافتها، وهو ما قد يضعف حركة التدفق ويؤثر في نظام دوران المحيطات. 

ويرى الباحثون أن أي تغير في هذا النظام قد ينعكس على المناخ العالمي، من خلال التأثير في درجات الحرارة ومسارات العواصف والإنتاجية البيولوجية للمحيطات.

ويبقى هذا الشلال العملاق، رغم اختفائه عن الأنظار، أحد أهم العوامل الطبيعية التي تسهم في الحفاظ على توازن مناخ الأرض وتنظيم حركة المحيطات حول العالم.

طباعة شارك أكبر شلال على الأرض شلال مضيق الدنمارك أين يقع أكبر شلال في العالم أهمية شلال مضيق الدنمارك قصة أكبر شلال في العالم

مقالات مشابهة

  • رويترز: إيران تدرس اتفاقا مقترحا لوقف الحرب مع الولايات المتحدة
  • روبيو: الشرط الأول في المحادثات مع إيران فتح مضيق هرمز
  • روبيو: فتح مضيق هرمز مجانا مقابل رفع الحصار عن إيران
  • الأمم المتحدة: مليار شخص متضرر من إغلاق مضيق هرمز
  • أمريكا: لا تخفيف للعقوبات مقابل إعادة فتح مضيق هرمز
  • لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟
  • عبور 24 سفينة مضيق هرمز خلال 24 ساعة بترخيص من الحرس الثوري الإيراني
  • إيران: 24 سفينة عبرت مضيق هرمز خلال الـ24 ساعة
  • إيران: 24 سفينة عبرت مضيق هرمز خلال الـ24 ساعة الماضية
  • المستشار العسكري للمرشد: مضيق هرمز يخضع لإدارة إيران ونرفض استمرار الحصار