غزة- يريد معتصم أن يصبح مهندسا ليعيد إعمار غزة، بينما تطمح سما أن تصبح طبيبة تعالج الجرحى، فيما تتطلع جود إلى أن تصبح معلمة لأطفال القطاع المحاصر، أما معلمهم محمود حمد، ففر بهم من حر الخيمة إلى ظل شجرة وأقصى أمنياته أن يحصل طلبته على طاولات وقرطاسية.

على أرض صلبة في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة، حيث لم يبق من "مدرسة العروبة" الحكومية سوى ركام وحجارة متناثرة، يجلس أطفال من الذكور والإناث، يسندون دفاترهم الممزقة على بقايا كتل أسمنتية وأخرى من الطوب كانت يوما جدرانا لصفوفهم الدراسية.

هناك، وسط هذا المشهد الموجع، يقف المعلم محمود حمد، يشرح لطلبته الدرس بصوت يملؤه الإصرار، وكأنه يحاول أن يبني من الكلمات مدرسة جديدة تحمي أحلامهم.

لم يختَر هؤلاء الأطفال أن يجلسوا على الرمال الساخنة، ولا أن يستبدلوا المقاعد بالحجارة، ولا الجدران الأسمنتية بخيم البلاستيك والنايلون، فهذا الواقع المؤلم فرض عليهم بعد أن دمّرت حرب الإبادة الإسرائيلية مدرستهم وقضت على المساحات الآمنة للتعليم. ورغم ذلك، ظلت عزيمتهم أقوى من الركام، ورسالتهم إلى العالم لا تحتمل التأويل، يخطون الحروف وكأنها مقاومة صامتة ضد الحرب.

أطفال يجلسون تحت شجرة لتلقي تعليمهم بعدما دمر الاحتلال مدرسة العروبة في مخيم النصيرات (الجزيرة)إصرار رغم حرب الإبادة

"نريد أن نتعلم، وأن نصنع مستقبلا لا ينهار مثل جدران مدرستنا"، بكلمات بريئة كطفولتهم يعبر أطفال مدرسة العروبة عن أحلامهم، وإرادة الحياة لديهم، ومواصلة تعليمهم في بيئة معدمة.

تدرس الطالبة سما حمد (9 أعوام) في الصف الرابع الابتدائي، وتقول للجزيرة نت: "كانت لنا مدرسة كبيرة وجميلة ولكن الحرب دمرتها". وبإصرار كبير تتحدث عن أنها ستواصل التعليم حتى لو بالدراسة على الأرض ودون فصول دراسية أو إمكانيات كبيرة.

وتحلم هذه الطفلة بمقعد وقرطاسية لتمضي في التعليم، وتتطلع أن تصبح طبيبة، تعالج الجرحى والمرضى من شعبها، وهي التي كانت شاهدة على جرائم مروعة خلال حرب الإبادة، واستهداف ممنهج للمستشفيات والمنظومة الصحية.

إعلان

وعلى مقربة من سما، يجلس الطفل معتصم القصاص (7 أعوام) الطالب في الصف الثاني الابتدائي، وقد بدا مدركا لما حل بمدرسته ومئات المدارس الأخرى في القطاع، التي تعرضت للقصف والتدمير خلال الحرب.

وبينما كان القصاص يسند دفتره على حجر، قال للجزيرة نت إنه يحلم أن يصبح مهندسا، يساهم في إعادة إعمار القطاع. وحدد بوعي أنه يريد بناء المصانع، التي كان لها نصيب وافر من التدمير الهائل، وأدى ذلك إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات الفقر والبطالة.

المعلم محمود حمد يواصل تعليم الأطفال خارج الخيمة شديدة الحرارة (الجزيرة)رسائل وأحلام لأطفال المستقبل

ويبدو حلم إعمار غزة يشغل تفكير الكثير من الأطفال، مثل عزة أبو سلطان (7 أعوام)، التي عبرت ببضع كلمات عن إصرارها على مواصلة تعليمها رغم التحديات، وحلمها بأن تصبح مهندسة يكون لها بصمة في إعادة الإعمار.

ولا تريد الطفلة جود صالحة "ألعابا أو عرائس"، متخلية عما تطلبه مثيلاتها من فتيات العالم، وتقول للجزيرة نت: "لا نريد سوى المقاعد والكراسي بدل الحجارة والركام كي نواصل تعليمنا".

تدرس جود (9 أعوام) في الصف الرابع الابتدائي وتحلم بأن تصبح معلمة، وكأن كل طفل وطفلة في غزة اختار الحلم من واقع الحاجة إليه في القطاع المدمر.

دعوات لتوفير ما أمكن

وعن مطالب طلبته وأحلامهم، يقول المعلم محمود حمد للجزيرة نت: "ليست مجرد مطالب، بل صرخة إنسانية من أطفال يواجهون الحرب بالعلم، ويحولون الركام إلى منصة للأمل".

هذا المعلم هو من بادر إلى إخراج طلبته للتعلم في ساحة المدرسة المدمرة، بعدما ضاقت عليهم الخيمة، وقد تحوَّلت إلى "فرن" من شدة حرارتها، فشتت تركيزهم، وأفقدته هو ذاته القدرة على التعليم.

وبوجع يتحدث محمود عن التدمير الهائل الذي طال مدارس القطاع، موجها رسالته للعالم: "إذا كنتم غير قادرين على إعادة بناء مدارسنا الآن، فلا أقل من توفير المقاعد والقرطاسية لنا".

خيام بدل الفصول الدراسية أقامتها وزارة التربية والتعليم على أنقاض مدرسة العروبة المدمرة بمخيم النصيرات (الجزيرة)بين الدمار ومراكز الإيواء

وبدوره، يقدر مدير العلاقات العامة والإعلام في وزارة التربية والتعليم بغزة أحمد النجار، نسبة الدمار التي طالت المدارس في القطاع بنحو 97%. ويقول للجزيرة نت إن أغلبية المدارس أصبحت أكواما من الركام، فيما تعرضت البقية لأضرار جسيمة تستدعي الإزالة وإعادة بنائها من جديد.

ولم يقتصر الاستهداف الإسرائيلي الممنهج بالقصف والتدمير على المدارس الحكومية فقط، بل لحق أيضا مدارس خاصة، وأخرى تابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).

وأوضح النجار أن المدارس القليلة التي نجت من التدمير ولا تزال قائمة، رغم تضررها جزئيا، تحولت إلى مراكز للإيواء تضم آلاف النازحين، الذين لم يعد لهم مأوى بديل، بعدما قصفت منازلهم وانهارت.

ويؤثر هذا الواقع على نحو 460 ألف طالب وطالبة مسجلين حاليا لدى وزارة التربية والتعليم، من أصل 620 ألف طفل في سن الدراسة، فيما يشير النجار إلى نحو 80 ألف طالب وطالبة مسجلين في التعليم الإلكتروني.

وهناك آلاف منهم -بحسبه- غير مسجلين تماما لأسباب متعلقة بالنزوح المتكرر، والظروف المعيشية القاسية وعدم توفر أبسط الاحتياجات لديهم للالتحاق بالتعليم، واضطرار كثير من الطلبة للعمل لمساعدة أسرهم في تأمين الاحتياجات الحياتية الأساسية.

تحديات تعكسها حقيقة الأرقام

وتصطدم محاولات الوزارة لإعادة الحياة للمسيرة التعليمية بتحديات عدة، يقول النجار، أبرزها الحصار والقيود الإسرائيلية، وعدم توفر المقاعد والطاولات ومستلزمات التعليم، ما اضطرها إلى استئنافها في مدارس مدمرة جزئيا، وفي نقاط تعليمية من الخيام، وببدائل بسيطة لا تفي باحتياجات الطلبة.

إعلان

وهذه البيئة غير مناسبة للتعليم، فصيفا تتحول هذه الخيام إلى أفران تغلي من شدة الحرارة، وفي الشتاء لا تحمي الطلبة من البرد وتتسرب إليها مياه الأمطار، علاوة على سوء التهوية وضعف الإضاءة، حيث لا تتوفر الكهرباء، بحسب النجار.

وبحسب معطيات المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، تعرّض قطاع التعليم هناك لدمار غير مسبوق، إذ لحقت أضرار بنحو 95% من مدارس القطاع، بينما تحتاج أكثر من 90% من المباني التعليمية لإعادة بناء أو تأهيل شامل.

وتفيد معطيات وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية حتى 21 أبريل/نيسان الماضي أن الاحتلال دمر في حرب الإبادة 197 مدرسة حكومية بالكامل، وقصف 105 مدارس تابعة للأونروا، بينما استشهد أكثر من 19 ألفا و61 من الطلبة وأصيب نحو 28 ألفا و340.

المعلم محمود حمد يصر على تعليم الأطفال رغم تدمير مدرستهم وتحديات كثيرة (الجزيرة)أطفال مدرسة العروبة المدمرة في مخيم النصيرات يصرون على استمرار التعليم (الجزيرة)التلاميذ اتخذوا من حجارة مدرستهم المدمرة مقاعد ومساند لهم (الجزيرة)أطفال خلال حصة تعليمية على أنقاض مدرستهم التي قصفها الاحتلال الإسرائيلي (الجزيرة)حجم الإصرار على التعليم ينعكس لدى الطلاب بتغلبهم على معوقات كثيرة (الجزيرة)طالب يسند دفتره على حجر من ركام مدرسته التي هدمها الاحتلال (الجزيرة)المعلم محمود حمد يشرح مسألة حسابية لأحد الطلبة الذين لديهم آمال وطموحات كبيرة (الجزيرة)التلاميذ يتحدون غياب البيئة التعليمية المناسبة ويواصلون تعليمهم (الجزيرة)تحول ركام مدرسة العروبة بمخيم النصيرات إلى مساند للطلبة يتكئون عليها في تعليمهم (الجزيرة)

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات وزارة التربیة والتعلیم مدرسة العروبة حرب الإبادة للجزیرة نت أن تصبح

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • رابط نتيجة الأول والثاني الإعدادي الترم الثاني 2026 بالمحافظات عبر بوابة التعليم الأساسي
  • نتيجة الصف الأول الإعدادي الترم الثاني 2026|مدرسة بالمنيا تعلن رسوب 80 طالب
  • وزيرا التعليم العالي والتربية والتعليم والنائب الأول لـ"جايكا" يتفقدون معهد الكوزن المصري الياباني
  • رابط نتيجة الصف الأول الإعدادي الترم الثاني 2026 بالمحافظات عبر بوابة التعليم الأساسي
  • مصر و7 دول تدين اقتحامات الأقصى ورفع العلم الإسرائيلي داخل ساحاته
  • سازان..الجزيرة الخفية لـ إيفانكا ترامب
  • انطلاق قمة «فود جارد» بالقاهرة بمشاركة حكومية ودولية واسعة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • استشاري تغذية يُحذر من زيوت التحمير: سموم غير مرئية (فيديو)