الجزيرة:
2026-06-02@20:08:28 GMT

اقتصاد الحوثيين.. دولة تتشكل من نقاط التفتيش

تاريخ النشر: 20th, May 2026 GMT

اقتصاد الحوثيين.. دولة تتشكل من نقاط التفتيش

في ورقته البحثية "اقتصاد الحرب: دراسة ميدانية عن منافذ الجباية الجمركية في مناطق سيطرة الحوثيين"، الصادرة عن مركز المخا للدراسات الإستراتيجية، لا يقدّم الباحث محمد الجماعي صورة لنقاط تفتيش متناثرة فرضتها الحرب بصورة عشوائية، بل يصف عملية بناء منظومة مالية كاملة داخل مناطق سيطرة الحوثيين، تحولت تدريجيًّا من جبايات ميدانية مؤقتة إلى جهاز جمركي موازٍ للدولة اليمنية نفسها.

فالدراسة تنطلق من فكرة أن الحرب في اليمن لم تُنتج فقط انقسامًا عسكريًّا وسياسيًّا، بل أعادت تشكيل بنية الاقتصاد والسيادة والإدارة العامة. ومع انهيار مؤسسات الدولة بعد انقلاب 21 سبتمبر/أيلول 2014، ظهرت منظومة حوثية للجباية والرسوم الداخلية، استطاعت خلال سنوات قليلة أن تتحول إلى أحد الأعمدة الرئيسية لاقتصاد الحرب، وأن تمنح الجماعة قدرة على التحكم في حركة التجارة والموارد والولاءات داخل مناطق سيطرتها.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2"أفريقيا" بعد انسحاب الأمم المتحدة.. من يملأ الفراغ الأمني؟list 2 of 2لبنان بين الدولة والحزب.. من يفاوض ومن يقرر الحرب؟end of listمن نقاط تفتيش إلى "إدارة جمارك"

يرصد الباحث كيف تطور المشروع الحوثي تدريجيًّا. ففي السنوات الأولى للحرب كانت الجبايات تُفرض عبر نقاط عسكرية متناثرة على الطرق بين صنعاء وتعز وإب وذمار، تحت ذرائع أمنية أو ميدانية مرتبطة بالحرب. لكن ابتداءً من عام 2017 بدأ الانتقال من الجباية العشوائية إلى بناء منظومة أكثر انتظامًا ومأسسة.

جرى تثبيت محطات جمارك داخلية في مواقع محددة مثل ذمار والراهدة وعفار، مع إصدار إيصالات رسمية وربط جزء من الحصيلة بجهاز مالي مركزي في صنعاء. والأهم، كما تشير الدراسة، أن الحوثيين أعادوا استيعاب موظفين سابقين من الجهاز الجمركي اليمني داخل المنظومة الجديدة، بما منحها طابعًا إداريًّا أقرب إلى مؤسسات الدولة، حتى وإن كانت تعمل خارج الإطار القانوني الرسمي.

وبحلول 2023-2024 لم تعد المسألة مجرد رسوم على الشاحنات، بل شبكة متكاملة تضم أكثر من 25 محطة رئيسية ونحو 150 نقطة فرعية موزعة على الطرق التجارية بين الموانئ والمراكز الحضرية في شمال اليمن. وكانت كل محطة تضم وحدات مالية وإدارية وأمنية تعمل معًا ضمن هيكل هجين يجمع بين البيروقراطية والسلطة العسكرية.

"حدود اقتصادية" داخل الدولة الواحدة

أخطر ما تكشفه الدراسة أن الحوثيين لم يكتفوا بالسيطرة على الجغرافيا، بل أعادوا رسم الجغرافيا الاقتصادية نفسها. فالبضائع التي تدخل اليمن عبر الموانئ الرسمية الخاضعة للحكومة المعترف بها دوليًّا لا تكتفي بدفع الرسوم الجمركية مرة واحدة، بل تُعاد جبايتها عند مرورها عبر نقاط الحوثيين الداخلية.

إعلان

وبذلك نشأت، فعليًّا، "حدود اقتصادية" داخل اليمن. فالشاحنة القادمة من عدن أو المخا نحو صنعاء تمر عبر سلسلة طويلة من نقاط التحصيل وإعادة التقييم الجمركي، حيث تُفرض رسوم إضافية قد تصل إلى مئات آلاف الريالات على الشحنة الواحدة. وتوضح الدراسة أن لجان التقييم الحوثية غالبًا ما ترفع القيمة المعلنة للبضائع بنسبة تصل إلى 40-80% مقارنة بالفواتير الأصلية، قبل احتساب الرسوم الجديدة.

ولم تعد هذه الجبايات مجرد أعباء مالية، بل تحولت إلى وسيلة لإعادة توجيه حركة التجارة نفسها، بحيث تصبح صنعاء مركز السحب المالي الرئيسي للقيمة المضافة القادمة من الأطراف والموانئ والمناطق الريفية.

حوثيون في مظاهرة تضامن مع لبنان (رويترز)الجمارك باعتبارها أداة سلطة

لا تقرأ الدراسة الجمارك الحوثية باعتبارها مجرد نشاط مالي، بل باعتبارها أداة لبناء سلطة أمر واقع. فالمنظومة، وفق الباحث، تحمل رمزية سياسية واضحة حيث جماعة مسلحة تقدم نفسها بوصفها دولة تمتلك قدرة التشريع والتحصيل والرقابة والتنظيم الاقتصادي.

ولهذا لم يكن غريبًا أن تتحول الجمارك إلى وسيلة للثواب والعقاب أيضًا. فالتجار المقربون من الجماعة أو المتعاونون معها يحصلون على تسهيلات وإعفاءات وسرعة في التخليص، بينما يواجه الآخرون تأخيرًا ومصادرات ورسومًا مشددة.

وتربط الدراسة هذه الممارسات بأدبيات "الحروب الجديدة"، حيث تتحول السيطرة على تدفقات السلع والأموال والأشخاص إلى جزء من بناء السلطة السياسية نفسها.

وفي هذا السياق تصبح الضريبة، كما يصفها الباحث، ليست مقابل خدمة عامة، بل مقابل الاعتراف بسلطة الأمر الواقع والخضوع لها.

كيف يُدار اقتصاد الحرب؟

تكشف الدراسة أن المنظومة الجمركية الحوثية لم تعد مجرد نشاط اقتصادي جانبي، بل مصدرًا رئيسيًّا لتمويل الحرب. فالتقديرات تشير إلى أن إيرادات الجبايات الداخلية تتراوح بين 90 و120 مليار ريال يمني سنويًّا، بينما تتحدث تقديرات أخرى عن تحصيل يومي قد يصل إلى 600-800 مليون ريال في بعض الفترات.

لكن الأهم هو طريقة توزيع هذه الأموال. فجزء محدود فقط يدخل السجلات المالية الرسمية أو يُستخدم لتغطية بعض الرواتب والخدمات، بينما يُحوَّل جزء كبير إلى ما تسميه الدراسة "النفقات السيادية" وصناديق دعم الجبهات والتصنيع العسكري. وتشير التقديرات إلى أن ما بين 30 و40% من الإيرادات يُعاد توجيهه إلى حسابات ومصارف خارج الموازنة الرسمية، تحت إشراف هياكل عسكرية وأمنية عليا.

ومن هنا تصف الدراسة النموذج الحوثي بأنه "حوكمة هجينة" تدمج الإدارة المدنية بالسلطة العسكرية، بحيث يصبح تقييم مديري الجمارك قائمًا على الانضباط السياسي والقدرة على التحصيل، أكثر من الكفاءة الإدارية أو الشفافية.

أحد أتباع الحوثي بالسلاح في مظاهرة بصنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)اليمنيون يدفعون كلفة "الجمارك المزدوجة"

ترى الدراسة أن النتيجة الأوسع لهذه المنظومة كانت تفكيك السوق الوطنية اليمنية ورفع كلفة المعيشة بصورة حادة. فازدواجية الجباية رفعت تكاليف النقل والتخزين والتأمين بنسب تراوحت بين 20 و30%، وأسهمت في زيادة أسعار السلع الأساسية داخل مناطق الحوثيين بنسبة وصلت في المتوسط إلى 10-15%.

إعلان

وفي بلد يعيش أصلًا واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، كانت النتيجة مزيدًا من الضغط على السكان. فالدراسة تشير إلى أن أكثر من 70% من اليمنيين باتوا تحت خط الفقر، بينما يعتمد نحو 24 مليون شخص على المساعدات الإنسانية، التي تواجه هي الأخرى عراقيل ورسومًا وإجراءات تفتيش متكررة على الطرق الداخلية.

كما أدى هذا النظام إلى تقويض فكرة الدولة الموحدة نفسها، عبر تكريس انقسام مالي ومؤسسي قد يصبح من الصعب تفكيكه حتى بعد انتهاء الحرب.

الحوثيون لا يجمعون المال فقط

واحدة من أهم أفكار الدراسة أن الخطر لا يكمن فقط في الأموال المحصلة، بل في البنية التي نشأت حولها. فالجهاز الجمركي الحوثي بات يضم آلاف الموظفين، ويعمل وفق نظام محاسبي وإداري مستقل، ما يعني أن الجماعة لا تدير "جباية مؤقتة"، بل تبني مؤسسات موازية للدولة اليمنية.

ولهذا تستخدم الدراسة مفهوم "الدولة المزدوجة"، حيث توجد سلطتان ماليتان وإداريتان تعملان بالتوازي داخل البلد نفسه: سلطة رسمية معترف بها دوليًّا، وسلطة أمر واقع تمتلك أدواتها الخاصة للتحصيل والإنفاق والسيطرة الاقتصادية.

ومن هنا ترى الورقة أن أي مشروع حقيقي لإعادة بناء اليمن أو تحقيق السلام سيظل هشًّا ما لم تُستعد وحدة النظام المالي وإخضاع جميع الإيرادات لرقابة مؤسسات الدولة. لأن المشكلة، كما تخلص الدراسة، لم تعد مجرد "رسوم غير قانونية"، بل نشوء اقتصاد حرب كامل يعيد إنتاج نفسه ويمنح الحرب مصادر تمويل واستدامة طويلة الأمد.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات دراسات الدراسة أن لم تعد

إقرأ أيضاً:

باحثون يحددون حمية غذائية تقلل خطر الوفاة بسرطان الرئة

كشفت دراسة حديثة عن إمكانات واعدة لنظام غذائي مستوحى من حمية البحر الأبيض المتوسط في الحد من خطر الإصابة بسرطان الرئة وتقليل احتمالات الوفاة الناجمة عنه. 

استند الباحثون في دراستهم إلى تحليل بيانات شملت 191 ألف شخص تم جمعها من البنك الحيوي البريطاني (UK Biobank)، بهدف استكشاف تأثير هذا النمط الغذائي على الصحة العامة. 

 

وركزت الدراسة على تناول مجموعة محددة من الأطعمة، مثل الخضروات، الفواكه، البقوليات، الحبوب الكاملة، المكسرات، والأسماك، مع تسليط الضوء على أنواع الدهون التي يشملها غذاء المشاركين. 

 

كشفت النتائج أن من يعتمدون هذا النظام الغذائي الغني بالحبوب الكاملة، الخضروات، والبروتين الحيواني الصحي تقل احتمالات إصابتهم بسرطان الرئة بنسبة وصلت إلى 34% مقارنة بغيرهم، كما انخفضت مخاطر الوفاة الناتجة عن المرض بنحو 39%.

 

تناولت الدراسة أيضاً دور الأحماض الدهنية غير المشبعة الموجودة في الأسماك، المكسرات، البذور، والزيوت النباتية، إذ أظهرت البيانات ارتباط زيادة استهلاك هذه الدهون الصحية بانخفاض خطر الإصابة بسرطان الرئة بنسبة 18% وخفض معدل الوفيات الناتجة عنه بنسبة 23%، بالمقابل لوحظ أن الإفراط في تناول الدهون المشبعة يزيد احتمالات الإصابة بهذا النوع من السرطان. 

 

ورغم أن الباحثين أكدوا أن الدراسة لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة بين النظام الغذائي وسرطان الرئة، إلا أنهم شددوا على أهمية النمط الغذائي كعامل محتمل في الوقاية من المرض.

 واستنادًا إلى النتائج، يمكن اعتبار الاعتماد على الدهون الصحية بديلاً واعدًا لتعزيز الصحة العامة والحد من خطر الوفاة المبكرة.

الصين تلجأ إلى احتياطيات النفط مع تراجع الواردات لأدنى مستوى في عقد ارتفاع التضخم في منطقة اليورو يعزز مبررات رفع أسعار الفائدة الأسهم الأوروبية تصعد بفضل توقعات "إس.تي مايكرو إلكترونيكس" لقطاع التكنولوجيا الأسهم اليابانية: "نيكاي" يهبط من أعلى مستوياته على الإطلاق اليوان الصيني عند ذروة 3 سنوات مقابل الدولار الأمريكي ارتفاع قياسي لصادرات النفط الخام الأمريكية في مايو 5 مشروبات تساعد على خفض الكوليسترول ضمن نظام غذائي صحي عادة بسيطة أثناء تناول الطعام تساعد على تقليل الانتفاخ والغازات هل تناول الكيوي قبل النوم يساعد على تحسين جودة النوم؟ علامات خفية تشير إلى إجهاد العين بسبب الشاشات

مقالات مشابهة

  • إزالة 26 حالة تعد على أملاك دولة وأراضي زراعية بقنا
  • باحثون يحددون حمية غذائية تقلل خطر الوفاة بسرطان الرئة
  • تربية: هام بخصوص كشوف نقاط الفصل الثالث
  • الكتائب يدعم مفاوضات واشنطن ويطالب بإنهاء حالة الحرب في لبنان
  • الرئيس الصربي يستقبل رئيس المجلس الوطني الاتحادي
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • قرقاش: اليمن ودول الخليج ولبنان والعراق تدفع ثمن الطموح الإيراني
  • دراسة تبحث في كيفية إعادة إنتاج المجتمع تحت النار في غزة
  • أكثر من نصف مليون بين متضرر ومهجّر.. ماذا كشفت دراسة عن نزع الملكية في مصر؟
  • حمدان بن محمد: مستمرون في دعم اقتصادنا وقطاعنا السياحي