داخل خطوط العدو: ستيفان غلاديو يصوّر سكان كوريا الشمالية
تاريخ النشر: 27th, May 2026 GMT
قبل معرضه في متحف "دي كونفلونس" بمدينة ليون، تحدّث المصوّر الفرنسي ستيفان غلاديو إلى "يوروبين لينس" عن سلسلته "North Korea" التي أنجزها خلال ثلاث سنوات وعدة رحلات إلى تلك البلاد المنعزلة.
في إحدى الصور، يقف خمسة تلاميذ أمام جدار أزرق. قمصانهم البيضاء المكوية بعناية تجعلهم يبرزون بوضوح. من خلف عدسات نظاراتهم الشمسية الصفراء اللامعة، يحدقون مباشرة إلى المشاهد، في اللحظة نفسها التي يحدق فيها إليهم.
بورتريهات تكشف المجتمع الخفي في كوريا الشمالية
عندما تمت الموافقة على طلب المصوّر الفرنسي ستيفان غلاديو للسفر إلى كوريا الشمالية، كان يعرف أنه يريد التركيز على تصوير سكان البلاد. ويقول غلاديو لبرنامج "يورونيوز كالتشر": "أوضحت منذ البداية أنني لن أمارس تصوير الهندسة المعمارية ولن ألتقط صورا لأماكن خالية، فهذا لا يهمني على الإطلاق".
ويتابع: "أردت أن أقدّم صورة عن الشعب الكوري الشمالي، مع علمي بأن الكوريين الشماليين غير مرئيين تماما، لأن النظام هناك لا يتحدث عنهم كثيرا. ولأن أحدا تقريبا في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا لا يهتم فعلا بالكوريين الشماليين".
يعيش في كوريا الشمالية أكثر من 26 مليون نسمة، بحسب بيانات منظمة الصحة العالمية (المصدر باللغة الإنجليزية). وهذه الجماعة تكاد تكون معزولة عن بقية العالم، في ظل تراجع كبير في قدرة السكان على الوصول إلى المعلومات خلال العقد الأخير، كما يوضح تقرير عام 2025 (المصدر باللغة الإنجليزية) الصادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.
وخلال خمس رحلات إلى البلاد بين عامي 2017 و2020، أنجز غلاديو سلسلة من البورتريهات بعنوان "كوريا الشمالية"، تتيح لمحة عن مجتمع يغيب بشكل لافت عن التغطية الإعلامية العالمية.
في "كوريا الشمالية" تقرّب بورتريهات غلاديو المشاهدين من الأشخاص الظاهرين في الصور. ويقول: "إنها أشبه بمرآة. دوري يقتصر على العبور ووضع الأشخاص الذين سينظرون إلى الصور في مواجهة من يصوَّرون... وأعتقد أنك تتعلم عن نفسك بقدر ما تتعلم عن الشخص الذي أمامك، تماما كما يحدث عندما تلتقي الناس في الحياة الواقعية".
الأسلوب الأيقوني والتجربة في الميدان
قادته أعمال غلاديو الأولى في التصوير الوثائقي إلى أنحاء مختلفة من العالم، من رومانيا بعد سقوط نيكولاي تشاوشيسكو إلى ناميبيا، حيث لا تزال الأجيال الحالية من شعب "أوفاهيريرو" تتعامل مع ذكريات إبادة "أوفاهيريرو-ناما" على أيدي القوات الاستعمارية الألمانية. وفي ناميبيا طوّر ما يسميه بأسلوب "البورتريهات الأيقونية"، الذي استخدمه لاحقا في "كوريا الشمالية".
ولالتقاط هذه البورتريهات، يخرج غلاديو أدوات التصوير في الأستوديو، مثل الإضاءة، إلى الشارع. ويقول: "كان الأمر مثيرا جدا بالنسبة لمصوّر شارع أن ينقل تقنيات الأستوديو إلى الشارع".
وكانت صورة الأيقونة الدينية تجذبه بشكل خاص، "ليس للجانب الديني، بل أكثر بسبب الأسلوب الأيقونوغرافي"، كما يقول. فالبساطة البصرية تجعل هذه الصور سهلة الفهم، وقد استُخدمت تاريخيا لنقل الرسائل. وهذه الوظيفة للأيقونة هي التي ترشد عمله في البورتريه.
ويشرح: "كان من المثير بالنسبة إليّ أن أُلاعب هذا الكود الأيقونوغرافي في محاولة لبناء رسالة إنسانية. لذلك فكرت أولا في استخدام ثلاثة ألوان، والإطار نفسه، وإخراج الفلاش إلى الشارع مع نوع الإضاءة ذاته في كل صورة".
تتسم البورتريهات في "كوريا الشمالية" بتوهّج ضوئي وتناظر لافت يذكّران بصور مجلات الموضة. لكن الأشخاص المصوَّرين، أمام رفوف متاجر البقالة وفي عيادات الأطباء، متجذرون في الواقع. ويستثمر غلاديو هذا التباين ليخلق لوحات شبه سريالية من الحياة اليومية، على الحد الفاصل بين الواقعي والأيقوني.
ومع كل بورتريه، كان يضع الكاميرا على مسافة ثابتة من الشخص ويستخدم نمط الإضاءة نفسه. ويقول: "أردت أن أختار أماكن لا تبعد كثيرا عن حيث التقيت الناس، حتى يكون كل ما ترونه حقيقيا. وإذا أعجبني مكان ما، كنت أنتظر فيه لأصوّر الناس".
وبالمقارنة مع التصوير الوثائقي، أتاح له أسلوب البورتريه الأيقوني أن "يعيد استخدام كود بصري واللعب به" يناسب السياق المحلي أكثر، وأن يظل في الغالب في مكان واحد، كما يوضح، وهو ما جعل مرافقيه يشعرون في البداية براحة أكبر مع طريقته. ويضيف: "ربما ساعد ذلك، وسط كل هذا القدر من الرقابة، على خلق فقاعة حرية أستطيع داخلها أن أفعل ما أختاره أنا".
وخلال رحلاته الخمس، التي استمرّت كل منها نحو 15 يوما وكان فيها تقريبا دوما برفقة مرافِقين، حاول غلاديو فهم البلاد ومجتمعها. ويقول إنه خاض في البداية "نقاشات طويلة" لمعرفة الأماكن التي يمكنه زيارتها وكيف تبدو الحياة اليومية هناك.
جعل موقعه كغريب من الصعب عليه إيجاد أرضية مشتركة مع مرافقيه ومع الأشخاص الذين يصوّرهم، جزئيا بسبب اختلاف التاريخ والسياقات الاجتماعية والثقافية. ويقول: "عندما لا يكون بينكم مرجع مشترك، حتى لو رأيتم الشيء نفسه، فإنكم لا تحلّلونه أو تدركونه بالطريقة ذاتها. وحتى لو كنا جنبا إلى جنب، كنا أحيانا لا نشعر بالأمر بالطريقة نفسها".
وأدى ذلك أحيانا، بحسب غلاديو، إلى اختلاف في الذائقة وفي تعريف ما يصلح أن يكون موضوعا للصورة. ويقول: "علاقتهم بالكمال قوية جدا، ويمكن أن تلمسوها في كل مكان. لا تُصوَّر الأشياء إذا لم تكن منجزة بالكامل". ويتذكر اختلافه مع مرافقيه مثلا حول تصوير عمّال بناء أمام مبانٍ قيد الترميم: "لم يكن الأمر خوفا من مشكلة سياسية، بل لمجرد أن المكان غير مكتمل ويجب أن يكون مكتملا".
هذا الفهم للتناظر جاء أحيانا ليكمل مصادفة أسلوب غلاديو القائم على البورتريهات الأيقونية المتناسقة. ففي إحدى المرات، أتيحت له فرصة زيارة ميدان رماية، وكان يريد في البداية تصوير رجلين في الداخل، لكنه أُبلغ بأنه لا يستطيع ذلك لأنهما من العسكريين. وبعد أن رُفضت فكرته الأولى، اقترحوا عليه بدلا من ذلك تصوير مضيفتين تعملان في الميدان.
ويتابع: "عندما جاءت المضيفتان كانتا ترتديان ملابس بنية، وتحملان سلاحا وكل شيء". وقد ذكّره منظرهما بلوح الهدف الذي رآه في الميدان، المثبَّت على جدار بني بنقشة خشبية. "قلت في نفسي: من الواضح أن عليّ أن أذهب إلى الهدف".
هذا الاقتراح قاد إلى صورة لافتة لم يكن المصوّر يتوقع أن يلتقطها. ففيها تقف المرأتان وظهراهما إلى بعضهما، يتوسّطهما الهدف، فيما تتطابق ألوان ملابسهما مع ألوان الخلفية، ما يخلق تركيبة ذات انسجام بصري واضح. ويقول غلاديو: "إنها من الصور المذهلة بالنسبة إليّ".
ويضيف: "لم يروا أبدا بالضبط ما كنت أفعله، ولم أفهم حقا ما الذي كانوا يرونه في صوري، ولماذا قبلوا مع الوقت بأن أعود وأواصل عملي. كنت أعرف فقط أن ذلك مؤشر إلى أنهم، بطريقة ما، رأوا أنفسهم في هذه الصور، حتى لو كان الأمر معقّدا أحيانا".
كان غلاديو يزور البلاد برفقة أدلاء يتحدثون الإنجليزية. ولم تكن عائق اللغة هي المشكلة الرئيسية بالنسبة إليه، بل معاناته مع عدم معرفته إلى أين يُنقل، ومع الرقابة اللصيقة على تحرّكاته. ويقول: "في كوريا الشمالية لا تذهب إلى أي مكان بنفسك، بل يُقتاد المرء إلى أماكن محددة. وهذا أمر معقّد جدا على المستوى النفسي".
Related نيل سلاڤين: ماذا يكشف نصف قرن من تصوير المجموعات؟تضم السلسلة مزيجا من البورتريهات الفردية والجماعية. ويقول غلاديو: "ما كان صعبا جدا أيضا هو تصوير الأشخاص منفردين، لأنهم نادرا ما يُصوَّرون وحدهم". لكن حتى في الصور الجماعية، تلتقط العدسة حضور كل شخص بفرادته، ولو من خلال الطريقة التي ينظّمون بها أنفسهم أمام الكاميرا.
ويشرح عن عملية التصوير: "أحاول ألا أطلب منهم أي شيء، وأقضي وقتا أطول مما أحتاج فعلا في تحضير المشهد أو التظاهر بأنني أضبط الإضاءة. أفعل ذلك لأن هذا يمنحهم وقتا ليكونوا تماما على سجيتهم وفي وضعيتهم".
ويقول غلاديو: "أُتيحت لي فرصة لقائهم في الواقع. أما الذين سيشاهدون المجموعة، فربما تسنح لهم فرصة لقائهم في الصور".
نُشرت سلسلة "كوريا الشمالية" بدايةً في كتاب عام 2020 بالعنوان نفسه.
تُعرض مجموعة "كوريا الشمالية" لستيفان غلاديو في متحف "ميوزيه دو كونفلونس" في مدينة ليون من الثاني عشر من يونيو/حزيران 2026 حتى الثاني من يناير/كانون الثاني 2028.
تمت ترجمة هذا النص بمساعدة الذكاء الاصطناعي ونشره في الأصل باللغة الإنجليزية. انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة
المصدر
المصدر: euronews
كلمات دلالية: الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل حروب الصحة إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل حروب الصحة إيران غرينلاند معرض الصورة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل حروب الصحة إيران السعودية فرنسا تغير المناخ النزاع الإيراني الإسرائيلي کوریا الشمالیة
إقرأ أيضاً:
إسبانيا تضع صور البابا لاوون الرابع عشر على عربات المترو
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
شهدت إحدى شبكات المترو في إسبانيا وضع صور البابا لاوون الرابع عشر على عدد من عربات المترو، في خطوة لفتت أنظار الركاب وأثارت تفاعلًا واسعًا بين مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تداول كثيرون صور العربات التي حملت صورة الحبر الأعظم أثناء سيرها في المحطات المختلفة.
وجاءت هذه المبادرة في إطار إبراز الحضور الروحي والرمزي للبابا بين المؤمنين، وتعريف شرائح أوسع من المجتمع بشخصه ورسالة الكنيسة الكاثوليكية الداعية إلى السلام والحوار والتضامن الإنساني.
تفاعل واسع بين المواطنين
وأظهرت الصور المتداولة عددًا من الركاب وهم يلتقطون صورًا تذكارية لعربات المترو التي حملت صورة البابا لاوون الرابع عشر، فيما أعرب كثيرون عن إعجابهم بالفكرة التي نقلت صورة قائد الكنيسة الكاثوليكية إلى أحد أكثر المرافق العامة استخدامًا في الحياة اليومية.
ورأى متابعون أن هذه الخطوة تعكس المكانة التي يحظى بها البابا في الأوساط الكاثوليكية الإسبانية، كما تعبر عن ارتباط المجتمع الإسباني بجذوره الدينية والتاريخية.
رسالة تتجاوز حدود النقل العام
ولم يقتصر الأمر على كونه إعلانًا بصريًا داخل وسيلة نقل عامة، بل حمل في طياته رسالة رمزية تؤكد أهمية القيم الإنسانية التي يدعو إليها البابا، وعلى رأسها تعزيز ثقافة الحوار والتعايش وخدمة الفقراء والمحتاجين.
كما اعتبر البعض أن ظهور صورة البابا في أماكن عامة مكتظة بالمواطنين يساهم في تقريب رسالته من الناس، خاصة فئة الشباب الذين يعتمدون بشكل يومي على وسائل النقل العام في تنقلاتهم.
لفتة تحظى باهتمام إعلامي
وحظيت المبادرة باهتمام إعلامي واسع، حيث تداولتها منصات إخبارية وصفحات كنسية عديدة، معتبرة أنها تعكس استمرار الحضور المؤثر للكنيسة الكاثوليكية في المجتمع الإسباني، وتؤكد المكانة التي يتمتع بها البابا لاوون الرابع عشر على الساحة الدينية العالمية، في وقت يواصل فيه دعوته إلى نشر قيم المحبة والسلام والتضامن بين الشعوب.