لم نرَ طائرة مدنية واحدة.. كيف ابتلعت الطائرات الأمريكية مطار بن غوريون؟
تاريخ النشر: 27th, May 2026 GMT
تتعالى في إسرائيل أصوات الغضب والامتعاض من الوجود العسكري الأمريكي الكثيف في مطار بن غوريون، البوابة الجوية الدولية الرئيسية للبلاد، فمنذ اندلاع الحرب على إيران أواخر فبراير/شباط 2026، تحول المطار عمليا إلى قاعدة جوية تعج بطائرات التزود بالوقود الأمريكية، حتى بات مديرو شركات الطيران يتحدثون عن خنق للحركة المدنية وخسائر تتراكم.
وروى مراسل إذاعة الجيش الإسرائيلي يانير كوزين، بعد أن رافق الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في رحلة جوية، أنه حين هبط لم ير طائرة مدنية واحدة، بل طائرات أمريكية فقط، واصفا المشهد بأنه "سريالي".
هذا الواقع يفتح سلسلة أسئلة عن حجم الوجود الأمريكي، ولماذا اختير هذا المطار بالذات، وما يترتب على ذلك اقتصاديا وقانونيا وأمنيا.
كم طائرة في المطار؟حللت صحيفة فايننشال تايمز صورا للأقمار الاصطناعية، وأحصت ما لا يقل عن 50 طائرة تزود بالوقود عسكرية خلال مايو/أيار الجاري.
وتتبعت الصحيفة تطور العدد، فقالت إن نحو 36 طائرة كانت بأوائل مارس/آذار، ثم 47 خلال وقف إطلاق النار مطلع أبريل/نيسان، وصولا إلى 52 طائرة رصدتها هذا الأسبوع.
وذكر موقع "ذا وور زون" العسكري أنه في فبراير/شباط، قبل بدء الحرب، كان هناك نحو 14 طائرة أمريكية لنقل الوقود (تسع KC-46 وخمس KC-135).
ولأن المطار لم يعد يتسع، نُقلت 12 طائرة إلى مطار "رامون" جنوبا فانتقلت الأزمة إلى هناك. وتقول فايننشال تايمز إن رامون بقي فارغا حتى أبريل/نيسان ثم رصدت فيه 10 طائرات لنقل الوقود على الأقل.
وقدمت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة قراءة من بيانات "فلايت رادار 24″، وكشفت أنه من أصل 142 طائرة، كانت 46 عسكرية أمريكية، أي نحو 32.4%، متجاوزة أسطول "إل عال" الذي ظهر بـ26 طائرة فقط، وذلك في 9 مايو/أيار الجاري.
في تفسير سبب اختيار بن غوريون، تدور روايتان رئيسيتان: واحدة لوجستية، وأخرى تربطه بأضرار القواعد العسكرية، فمن جهة، يوضح موقع "آرمي ريكونيشن" (Army Recognition)، أن مطار بن غوريون اختير لمزيج من الموقع الإستراتيجي والمدارج الطويلة وسعة تخزين الوقود وتكامله مع منظومات القيادة الإسرائيلية.
إعلانومن جهة أخرى، يرى اللواء محمد عبد الواحد والباحث أسامة خالد، في حديثهما للجزيرة، أن اللجوء للمطارات المدنية يكشف عن دمار وقصور حاد في القواعد العسكرية الإسرائيلية -مثل نيفاتيم وتل نوف- التي تضررت من القصف الإيراني.
وأيا كان السبب، فأهمية هذه الطائرات لا تخفى، إذ إن الناقلات الأمريكية تشكل قوة تعادل ضعف ما يملكه سلاح الجو الإسرائيلي المعتمد على 7 طائرات KC-707 "شبه عتيقة" فقط، وفقا لموقع "ذا وور زون".
كما وفر هذا التكدس أكثر من 2.5 مليون كيلوغرام من الوقود الجوي خلال ذروة العمليات في مارس/آذار الماضي.
فاتورة مدنية كبيرةظاهريا قد تبدو المشكلة في مطار بن غوريون مجرد مسألة تنظيمية أو تشغيلية، لكنّ الأرقام تكشف أنها أزمة حقيقية عميقة، فعدد المسافرين ونِسَب التراجع في الحركة يوضحان أن الأمر لم يعد تفصيلا تقنيا بسيطا بل خللا يمس عمل المطار كله.
وقد أظهرت بيانات مطار بن غوريون لشهر أبريل/نيسان قلة واضحة في عدد المسافرين، إذ لم يعبر بواباته سوى نصف مليون راكب، بانهيار فاق 73% مقارنة بالعام الماضي، وفق تقرير المطار ومديره أودي بار-عوز.
وهبطت الرحلات الدولية 66.67%، والشحن 26.8%، و"إل عال" وحدها فقدت 68% من ركابها، فيما تتحدث تقارير إسرائيلية عن إحالة 200 موظف إلى إجازة بلا راتب.
وتتلخص الأزمة في المواقف، ففي لجنة الاقتصاد بالكنيست، قال مدير عام شركة الطيران "يسرائير" أوري سيركيس إن الشركة لا يُسمح لها إلا بأربعة مواقف مبيت بدل 17. وضرب مثلا، فقال إنه "حين لا يتوفر موقف، تضطر لركن الطائرة في روما وتنفيذ الجدول بالعكس".
كما لم تستثنِ الأزمة الناقل الرئيسي "إل عال"، التي اضطرت، وفق شلومي تسفراني نائب رئيسها، لركن طائرات في اليونان وقبرص.
يمثل شموئيل زكاي، مدير سلطة الطيران المدني في إسرائيل واللواء السابق في الجيش، أبرز صوت رسمي معترض على الوضع.
وكشفت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" عن رسالة أرسلها زكاي إلى وزيرة النقل ميري ريغيف، قال فيها إن جهاز الأمن لا يدرك حجم الضرر الذي يلحق بالطيران المدني وبأسعار التذاكر، وطالب بنقل جزء من الطائرات الأمريكية إلى قواعد عسكرية كي تتوفر أماكن لطائرات الشركات التجارية. وأشار زكاي إلى أن مطار بن غوريون "تحول إلى مطار عسكري مع نشاط مدني محدود".
كما تبنت وزيرة النقل الموقف نفسه تقريبا، وأفادت القناة 12 الإسرائيلية أنها وجهت رسالة عاجلة تطالب فيها بإخلاء فوري لطائرات التزود بالوقود الأمريكية من المطار، وقالت إن وجود هذه الطائرات يسبب أضرارا جسيمة للنشاط المدني في وقت بدأت فيه شركات الطيران الأجنبية بالعودة تدريجيا.
مشروعية استهداف المطارعلى المستوى القانوني، يقول أستاذ القانون الدولي ماركو ميلانوفيتش، من جامعة ريدينغ، لصحيفة فايننشال تايمز إن تحويل أجزاء من مطار بن غوريون لاستخدامات عسكرية قد يجعل المطار هدفا من جديد، مذكرا بأن اتفاقيات جنيف تطلب من إسرائيل قدر الإمكان عدم وضع أهداف عسكرية داخل المناطق المأهولة أو بجوارها.
وفي الداخل الإسرائيلي، حذر الناشط القانوني سنير شفارتز من أن هذا التغيير في وظيفة المطار لم يُقَر بقانون أو قرار حكومي واضح، وهذا برأيه يجعله "هدفا عسكريا مشروعا وفقا لقوانين الحرب".
إعلانوكان المطار قد تعرض بالفعل لمحاولات استهداف عدة، منها هجوم صاروخي في 26 مارس/آذار جرى اعتراضه.
ماذا بعد؟الإشارات حول مصير هذه الطائرات متضاربة حتى الآن، فصحيفة "جيروزاليم بوست" قالت في 18 مايو/أيار إن عشرات الطائرات الأمريكية يُتوقع أن تبقى في مطار بن غوريون حتى نهاية عام 2027 على الأقل.
في المقابل، نقلت وكالة الأناضول عن القناة 12 الإسرائيلية أن واشنطن أبلغت إسرائيل نيتها سحب جميع الطائرات العسكرية من المطار بمجرد توقيع اتفاق مع إيران، وأن الإجلاء سيتم خلال 72 ساعة إلى قواعد في أوروبا، مع إبقاء الطائرات في حالة تأهب للعودة إذا استؤنف القتال.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات مطار بن غوریون
إقرأ أيضاً:
جيش الاحتلال يحقق في لغز المسيّرات الليلية.. هل امتلك حزب الله كاميرات حرارية؟
كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية أن الجيش الإسرائيلي يواصل التحقيق في كيفية تمكن طائرات مسيّرة مفخخة تابعة لـ"حزب الله" من استهداف قواته في جنوب لبنان خلال ساعات الليل، في سابقة وصفها جنود إسرائيليون بأنها غير مألوفة في المواجهات الميدانية.
وبحسب الصحيفة، جاء التحقيق عقب هجوم وقع السبت الماضي وأسفر عن مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين، ما دفع المؤسسة العسكرية إلى مراجعة تقديراتها السابقة بشأن قدرات الطائرات المسيّرة التابعة للحزب.
ونقلت الصحيفة عن أحد جنود لواء "جفعاتي" قوله إن "إصابة القوات ليلاً بواسطة طائرة مسيّرة أمر لم يحدث من قبل مع الوحدات القتالية"، مشيراً إلى أن الجيش كان يفترض أن هذه الطائرات تفتقر إلى وسائل الرصد الحراري اللازمة للعمل بعد غروب الشمس.
وأوضحت مصادر عسكرية إسرائيلية للصحيفة أن المخاوف تتركز حول احتمال نجاح "حزب الله" في تزويد بعض المسيّرات بكاميرات أو أجهزة تصوير حراري، رغم أن إضافة مثل هذه المعدات تزيد من وزن الطائرة وتؤثر على قدرتها على المناورة ومدة التحليق.
وأضافت المصادر أن الحزب يواصل تطوير أساليبه القتالية والتكيف مع تكتيكات الجيش الإسرائيلي، موضحة أن أنماط الهجوم تطورت من استخدام الصواريخ والقذائف المضادة للدروع إلى الاعتماد بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة المفخخة.
وفي ضوء هذا التهديد، قلص جيش الاحتلال الإسرائيلي استخدام الآليات الثقيلة، مثل الجرافات والحفارات، التي باتت أهدافاً سهلة للمسيّرات الهجومية، كما يسعى إلى توسيع نطاق عملياته العسكرية في مناطق جنوب لبنان للحد من قدرة الحزب على إطلاق هذه الطائرات باتجاه المستوطنات الحدودية.
ونقلت "يديعوت أحرونوت" عن مصدر عسكري قوله إن الجيش يأمل في إحداث تغيير في مستوى هذا التهديد خلال الفترة المقبلة، لكنه أقر بأن "حزب الله ربما يمتلك بالفعل قدرات تسمح له برصد القوات الإسرائيلية ليلاً عبر كاميرات حرارية".
وفي السياق ذاته، قال الخبير الأمني الأمريكي كاميرون تشيل، الرئيس التنفيذي لشركة "دراغون فلاي" المتخصصة في تقنيات الطائرات المسيّرة، في تصريحات لشبكة فوكس نيوز، الأمريكية٬ إن "حزب الله" بدأ باستخدام موجات من الطائرات المسيّرة الليلية الصغيرة والقادرة على تنفيذ مهام هجومية واستطلاعية معتمدة على أجهزة استشعار حرارية.
وأوضح تشيل أن هذه الطائرات تستطيع تتبع البصمات الحرارية للقوات والمعدات العسكرية، ما يمنحها قدرة أكبر على تحديد الأهداف ليلاً وتنفيذ هجمات دقيقة.
وحذر الخبير الأمريكي من أن هذا التطور قد يدفع الجيش الإسرائيلي إلى إعادة صياغة جزء كبير من استراتيجيته العملياتية، سواء عبر تعزيز وسائل التشويش الإلكتروني أو استخدام أنظمة حماية إضافية لمواجهة الطائرات المسيّرة، مؤكداً أن "القدرات الليلية الجديدة ستفرض واقعاً مختلفاً على العمليات العسكرية في المنطقة".