أوروبا والناتو.. الخطة البديلة لمواجهة روسيا
تاريخ النشر: 28th, May 2026 GMT
سلط الكاتب أندريه كورتونوف الضوء على الحراك الحاصل داخل عدد من البلدان الأوروبية لجهة مستقبل العلاقات مع روسيا واحتمال المواجهة معها.
وأوضح كورتونوف في مقال له نشره موقع "إكسبرت" الروسي أن اجتماع وزراء خارجية حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي عقد مؤخرا في السويد، تخللته محاولات من بعض الأعضاء الأوروبيين في الحلف للحصول على توضيح من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بشأن مصير القوات الأمريكية في أوروبا في ضوء تهديدات الرئيس دونالد ترمب بتقليص وجودها بشكل حاد هناك.
وأكد الكاتب أن موقف واشنطن غير الواضح من هذه المسألة دفع الأوروبيين لمناقشة "خطة بديلة" كإستراتيجية عسكرية للحلف إذا قررت الولايات المتحدة خفض مشاركتها في الحلف إلى ما دون المستوى الحرج.
ووفقا للكاتب، فإن هذه الإستراتيجية "الاحتياطية" تنص على أن تتحمل أوروبا، وليس الولايات المتحدة، مسؤولية المواجهة العسكرية والسياسية مع روسيا.
وحسب رأيه، فإن هذا التحول في أولويات سياسة الناتو يُجبر موسكو على إجراء تعديلات جوهرية على خطابها في السياسة الخارجية، مشيرا إلى أن واضعي الخطاب السياسي الروسي في بداية الحرب مع أوكرانيا بالغوا في تقدير استقرار السياسة الخارجية الأمريكية، وقللوا من شأن رغبة أوروبا في دور أكثر وضوحا على الساحة الدولية عموما، وفي حلف الناتو خصوصا.
ويتابع بأنه بالنسبة لروسيا، يعني هذا أن "أوروبية" حلف الناتو تؤخر وتعقد إنهاء الصراع الأوكراني، مقارنة بما لو بقي مركز صنع القرار في الناتو، فعليا وليس إداريا، في البنتاغون.
ويلفت هنا إلى أن ما يصفه بـ"حزب السلام" في الاتحاد الأوروبي يمثله عدد قليل من السياسيين، بينما يضم التيار السائد قوى ترى في المواجهة مع روسيا أحد الروابط القليلة التي تُبقي دول الاتحاد الأوروبي متماسكة.
كورتونوف:"أوروبية" حلف الناتو تؤخر وتعقد إنهاء الصراع الأوكراني، مقارنة بما لو بقي مركز صنع القرار في الناتو، فعليا وليس إداريا، في البنتاغون شرق أوروبا
ويعتبر كورتونوف أن تصاعد التوترات على الجناح الشرقي لحلف الناتو يمثل فرصة تاريخية للدول الواقعة هناك لتعزيز مكانتها داخل الحلف من خلال "استغلال" موقعها الجغرافي.
إعلانويرى أنه بالنسبة للرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، لم يكن التدخل الفعال في الشؤون الأوكرانية نابعا من أي عاطفة خاصة تجاه أوكرانيا، بل كوسيلة لإثبات أن أمريكا لا تزال القائدة بلا منازع لـ "العالم الحر" – وهو افتراض قائم على مفهومه الخاص بأن الولايات المتحدة مسؤولة عن كل ما يحدث في أي منطقة من العالم.
ووفقا للكاتب، فإن هذا الاعتقاد – بأن حلف الناتو هيكل هرمي صارم، حيث يسيطر الأنغلو ساكسون على زمام الأمور، وتتصرف أوروبا القارية كشريك غير واع رغما عنها، وبقية العالم، في قرارة نفسه، يقف إلى جانبنا – انعكس في مفهوم السياسة الخارجية الروسية الذي تم تبنيه في مارس/آذار 2023.
ويتابع بأنه حتى بعد وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، اعتقدت روسيا لفترة وجيزة أنه قد يضرب بقبضته على الطاولة ويطالب حلفاءه باتخاذ مسار نحو الحد من مشاركة الحلف في الصراع الروسي الأوكراني.
ضعف نفوذ أمريكا في الناتوأما الآن، فقد تبين، على نحو غير متوقع، أن واشنطن باتت "حافظة السلام" الرئيسية في حلف الناتو وليست قائدة الحلف، وهو ما يفسر سبب إطالة أمد الصراع الروسي الأوكراني نتيجة ضعف النفوذ الأمريكي داخل الحلف.
ويقول بأنه من خلال التصريحات الصادرة عن الكرملين، يتضح أن هذا التحول مسلّم به تماما. فعلى مدى عدة أشهر، لوحظ اتجاه واضح: تتجنب موسكو انتقاد الولايات المتحدة بشأن أوكرانيا، وتشيد بجهود الوساطة التي تبذلها إدارة ترمب، وتدرس إمكانية تخفيف العقوبات، واستئناف الرحلات الجوية المباشرة مع الولايات المتحدة، وما إلى ذلك.
موسكو ترغب في التقارب مع واشنطنويتمثل موقف موسكو الرسمي اليوم في إبقاء الباب مفتوحا أمام أي تقارب مع واشنطن، بما في ذلك دورها كقوة موازنة لأوروبا متزايدة العسكرة.
أما أوكرانيا، وأوروبا، فتتطلعان إلى أن تعيد الإدارة الأمريكية القادمة الأمور إلى مسارها المعتاد قبل عهد ترمب.
ويختم الكاتب بأنه لفترة من الزمن، تمسّكت موسكو بالأمل في أن يُلفت ترمب الانتباه إلى أوروبا، وبالتالي يُسهّل تفاعل روسيا مع الاتحاد الأوروبي، على الرغم من معارضة بعض القادة الأوروبيين. لكن هذا لم يحدث. وفي نهاية المطاف، باتت موسكو تدرك أن ترمب ليس هو من سيضطر لإيجاد قنوات تواصل بين أوروبا وروسيا، بل أوروبا هي التي ستضطر، ولن يقوم أحد بهذا العمل نيابة عنها.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الولایات المتحدة حلف الناتو
إقرأ أيضاً:
جدعون ليفي: هكذا تسير إسرائيل في تنفيذ خطتها لما بعد الحرب على غزة
قال الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي إن تل أبيب لا تفتقر إلى خطة لليوم التالي للحرب في قطاع غزة كما يعتقد كثيرون، بل تمضي، بحسب تقديره، في تنفيذ استراتيجية متدرجة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع داخل القطاع عبر تدمير مقومات الحياة والمجتمع، وصولا إلى خلق ظروف تجعل تهجير السكان أمرا أكثر سهولة في المستقبل.
وأضاف في مقال نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الحرب يسرائيل كاتس تعكس ملامح هذه الخطة، معتبرا أن "إسرائيل تسعى إلى منع قيام أي سلطة أو إدارة قادرة على حكم غزة، وإبقاء القطاع في حالة من التفكك والفوضى وانهيار المؤسسات، بما يخدم في نهاية المطاف مشروع التهجير الذي يقول إنه لم يغب عن أجندة الحكومة الإسرائيلية".
وتاليا الترجمة الكاملة للمقال:
تملك إسرائيل خطة لما بعد الحرب في غزة، والاعتقاد السائد بأنها تفتقر إلى مثل هذه الخطة هي فكرة خاطئة تمامًا. كنت أتمنى لو أن هذه الخطة لم توجد أساسا.
بعيدًا عن أنظار الرأي العام العالمي والإسرائيلي، يتم حاليا تنفيذ المرحلة التالية من استراتيجية إسرائيل التدريجية.
الآن، بعد أن انتهت الإبادة الجماعية وانتهى تدمير القطاع بشكل شبه كامل، تتقدم إسرائيل بثقة نحو المرحلة التالية من الخطة: تحويل جميع سكان غزة إلى معاقين ومصابين ومرضى وجائعين ومشردين وعاطلين عن العمل بشكل دائم.
وبمجرد أن يتحول سكان غزة إلى كتلة متناثرة بلا مجتمع منظم، ولا خدمات أساسية، ولا مؤسسات حيوية، وبلا قيادة، فإن التفكك الكامل للنسيج الاجتماعي سيسهّل على إسرائيل الانتقال إلى المرحلة التالية التي لم تتخلّ عنها قط، وهي مرحلة التهجير. عندها ستُحل مشكلة غزة نهائيًا. بهذه الطريقة فقط.
تردد صدى هذه الخطة بوضوح الأسبوع الماضي في تصريحات أدلى بها اثنان من مهندسيها ومنفذيها. قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن “توجيهاته” تتمثل في توسيع المساحة التي تسيطر عليها إسرائيل في القطاع من 60 إلى 70 بالمائة.
وكتب وزير الدفاع إسرائيل كاتس على منصة إكس: “لقد تعهدنا بأن لا تحكم حماس غزة مدنيًا أو عسكريًا، وهذا ما سيحدث. كما سيتم تنفيذ خطة الهجرة الطوعية، كل ذلك في الوقت المناسب، وبالطريقة المناسبة”. بعبارة أخرى، سيُحوّل سكان غزة إلى “قطيع” يسهل تهجيره “في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة”. ففي النهاية، لا بد من الحفاظ على النظام.
“القضاء على نظام حماس” في غزة يخدم أكثر من هدف. بما أن إسرائيل تعارض بشكل قاطع أن تحكم غزة أي جهة فلسطينية – لا السلطة الفلسطينية، ولا أي منظمة دولية، ولا أي جهة أخرى، كما أنها غير مستعدة لحكم القطاع – فقد بات الأمر واضحا: إسرائيل لا تريد لأي طرف أن يحكم غزة. هي تريد مليوني إنسان يعيشون في خيام. هذا الأمر سيسهّل عليها طردهم.
فلسطيني يحمل طفلاً صغيراً وسط مخيم مؤقت في خان يونس جنوب قطاع غزة، مايو/ أيار.
عندما يقول كاتس إن حماس لن تحكم القطاع بشكل مدني، فإنه يدرك جيدًا أنه لا يوجد من يحكم غزة سوى حماس، ولن يكون هناك من يستطيع ذلك على الأقل في المستقبل المنظور. البديل الوحيد لحكم حماس في الوقت الحالي هو الفوضى، وهذه الفوضى تخدم مصلحة إسرائيل وتساعدها على تنفيذ خطتها.
يمكن للدعاية الإسرائيلية أن تستمر بالادعاء أن غزة هي حماس، وأن حماس إرهابية. هذه كذبة بالطبع. ليس كلّ من في غزة ينتمي لحماس، وليس كلّ من ينتمي لحماس إرهابي.
تعلم إسرائيل جيدًا أن عشرات الآلاف من المدرسين والأطباء وضباط الشرطة والمسؤولين الحكوميين الذين يتقاضون رواتبهم من حكومة حماس ليسوا إرهابيين. تعريفهم على هذا النحو سمح لإسرائيل بقتل الآلاف منهم.
شرطة المرور والمحاسبون والمعلمون ليسوا إرهابيين، ولا يمكن وضعهم على قائمة الموت، وقد كان قتلهم ولا يزال جريمة حرب. كذلك الصحفيون الذين يحملون بطاقات صحفية صادرة عن حماس ليسوا إرهابيين. ربما يروّجون دعايتها، مثلما يروّج العديد من الصحفيين الإسرائيليين للرواية الرسمية، لكنهم ليسوا إرهابيين.
ضربت إسرائيل عصفورين بحجر واحد: منحت الشرعية للقتل العشوائي، وإن كانت شرعية زائفة، وتقدمت خطوة إضافية نحو تنفيذ خطتها الكبرى. لا يمكن لأي مجتمع أن يستمر دون مدرسين وأطباء وأخصائيين اجتماعيين ومهندسين وموظفين. دون مجتمع فاعل، يسهل طرد سكان غزة إلى شتى بقاع الأرض.
بُثت يوم الخميس الماضي حلقة جديدة من برنامج “تاكر كارلسون شو”، وقد تضمنت مقابلة مدتها ساعتان مع الدكتور نيك ماينارد، وهو جراح بريطاني تلقى تعليمه في جامعة أكسفورد، وتطوع في غزة لمدة 17 عامًا تقريبًا بشكل متقطع.
تحدث في شهادته على الفظائع التي عايشها في غزة عن جثث مقيدة بالأصفاد، ومراهقين تم إحضارهم لإجراء عمليات جراحية بعد إصابتهم بطلقات نارية في الخصيتين، وأطفال رضع ماتوا جوعًا، وأطفال خدج تُركوا في الحاضنات بناءً على أوامر الجيش الإسرائيلي عند إخلاء المستشفيات، وعُثر عليهم أمواتا بعد بضعة أسابيع.
يجب على كل إسرائيلي، بل على كل إنسان في العالم، أن يشاهد هذه المقابلة. هناك هدف واحد وراء كل هذه الفظائع: تنفيذ “الحل” الإسرائيلي لمشكلة غزة.