رسم محللون وخبراء صورة معقدة لمستقبل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، معتبرين أن الحلف الذي تأسس قبل أكثر من 7 عقود لم يعد يواجه فقط تحديات عسكرية مرتبطة بروسيا والصين، بل أزمة هوية ووظيفة تهدد تماسكه الداخلي، في ظل تصاعد النزعة الانعزالية الأمريكية وتزايد الشكوك الأوروبية بشأن جدوى الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية.

وأجمع المشاركون في حلقة برنامج "محاولة فهم" التي حملت عنوان "هل ينجح الناتو أمام اختبار البقاء؟"، وبثت اليوم الأربعاء 27 مايو/أيار 2026، على قناة الجزيرة 2، على أن الحلف يمر بمرحلة مفصلية قد تعيد تشكيل طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، وسط نقاشات متزايدة حول مستقبل "الاستقلال الإستراتيجي" الأوروبي، وإمكانية بناء منظومة دفاعية أوروبية موازية للناتو.

واستهل عثمان آي فرح الحلقة بالتساؤل عن طبيعة التحولات التي أصابت الحلف منذ تأسيسه عام 1949، قائلا إن الهدف الذي لخصه أول أمين عام للحلف، اللورد إسماي، بإبقاء "السوفيات في الخارج، والأمريكيين في الداخل، والألمان تحت السيطرة"، بات اليوم محل مراجعة عميقة بعد توسع الحلف إلى 32 دولة، وظهور أسئلة حول ما إذا كان لا يزال إطارا للدفاع الجماعي أم أداة للهيمنة الأمريكية.

من جهته، قدم الخبير العسكري والإستراتيجي العميد حسن جوني قراءة تاريخية لطبيعة الحلف، مؤكدا أن "الناتو" تأسس كحلف عسكري هدفه الأساسي ردع الاتحاد السوفياتي ومنع توسعه في أوروبا الشرقية عقب الحرب العالمية الثانية، مشيرا إلى أن إنشاء حلف وارسو لاحقا جاء كرد مباشر على قيام الحلف الأطلسي، بما أسس لحالة توازن خلال الحرب الباردة.

وأوضح جوني أن البعد العسكري ظل جوهر الحلف رغم تداخل الأبعاد السياسية والإستراتيجية لاحقا، لافتا إلى أن المادة الخامسة المتعلقة بالدفاع الجماعي بقيت "روح الحلف" وأساس تماسكه، إذ تعتبر أي اعتداء على دولة عضو بمثابة اعتداء على جميع الأعضاء.

لكنه شدد في الوقت ذاته على أن تطبيق هذه المادة لا يعني بالضرورة دخول جميع الدول الأعضاء في حرب مباشرة، موضحا أن القرار النهائي يظل خاضعا للتقديرات السياسية لكل دولة وظروفها الخاصة.

وأشار إلى أن النفوذ الأمريكي داخل الحلف يستند إلى التفوق العسكري والمالي، إذ تمثل الولايات المتحدة القوة الرئيسية في الناتو وتمول الجزء الأكبر من ميزانيته، لكنه رأى أن ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أحدثت "شقوقا" داخل الحلف وأضعفت قدرة واشنطن على فرض رؤيتها على الحلفاء الأوروبيين.

واعتبر الخبير العسكري أن المواقف الأوروبية الأخيرة، خصوصا خلال التوترات المتعلقة بإيران، أظهرت قدرا من "التمرد" على الهيمنة الأمريكية، بعدما رفضت عدة دول أوروبية الانخراط في مشاريع التصعيد التي سعت واشنطن إلى حشد الحلف خلفها.

أزمة هوية

بدوره، رأى محمد الشرقاوي أستاذ تسوية النزاعات وعضو لجنة الخبراء في الأمم المتحدة سابقا أن الحلف الأطلسي لم يكن عسكريا فقط منذ البداية، بل حمل أيضا أبعادا سياسية وثقافية وحضارية ارتبطت بالدفاع عن نمط حياة غربي في مواجهة المعسكر السوفياتي، مشيرا إلى أن تأسيس الحلف تزامن مع مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا.

وقال الشرقاوي إن الحلف تطور لاحقا ليشمل أبعادا علمية وإستراتيجية، خاصة بعد سباق الفضاء مع الاتحاد السوفياتي، قبل أن يدخل اليوم مرحلة جديدة وصفها بأنها "انفصام شخصية" بين الرؤية الأمريكية والرغبة الأوروبية في الاستقلال.

وأضاف أن صعود دونالد ترمب أعاد فتح النقاش داخل أوروبا حول مستقبل الشراكة الأطلسية، خاصة مع تبني واشنطن خطابا يعتبر الأمن الأوروبي عبئا على الولايات المتحدة، مضيفا أن الأوروبيين بدأوا منذ سنوات التفكير بإنشاء منظومة دفاعية مستقلة وتخصيص ميزانيات خاصة للأبحاث الدفاعية.

واعتبر أن الحرب الروسية الأوكرانية كشفت عمق الخلافات داخل الحلف، موضحا أن تمدد الناتو شرقا كان أحد أبرز أسباب التوتر مع موسكو، وأن الأزمة الأوكرانية تعكس فشل التفاهمات القديمة بين الغرب وروسيا بشأن حدود نفوذ الحلف.

كما رأى الشرقاوي أن ترمب يمثل تحولا جذريا في الفلسفة الأمريكية تجاه الحلف، إذ يتبنى رؤية انعزالية تركز على الداخل الأمريكي وتقليل الأعباء الخارجية، وهو ما يفسر تهديداته المتكررة بتقليص الالتزامات العسكرية الأمريكية في أوروبا.

وأوضح أن الإدارة الأمريكية الحالية باتت تنظر إلى الأمن الأوروبي باعتباره عبئا ماليا وإستراتيجيا، وتسعى لدفع الأوروبيين لتحمل كلفة دفاعهم بأنفسهم، معتبرا أن الحلف يمر بمرحلة "تفكك داخلي تدريجي" قد تعيد رسم طبيعته بالكامل خلال السنوات المقبلة.

الاستقلال الأوروبي

أما الخبير في الشؤون الأوروبية محمد الرجائي بركات فاعتبر أن الناتو ليس مجرد تحالف عسكري بل إطار سياسي أيضا تستخدمه الولايات المتحدة لتعزيز نفوذها داخل أوروبا والتأثير على سياسات الدول الأعضاء.

وأشار إلى أن فرنسا كانت تاريخيا الأكثر اعتراضا على الهيمنة الأمريكية داخل الحلف، مستشهدا بانسحاب شارل ديغول من القيادة العسكرية للحلف عام 1966، وكذلك تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي وصف فيه الحلف بأنه "ميت دماغيا".

وأوضح بركات أن الأوروبيين باتوا أكثر قلقا من غياب الاستمرارية في السياسة الأمريكية، خاصة مع تغير الإدارات في واشنطن، ما يدفعهم للتفكير في بدائل دفاعية مستقلة.

لكنه شكك في قدرة أوروبا على تأسيس "ناتو أوروبي" مستقل بالكامل، لافتا إلى أن القارة ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على القدرات العسكرية الأمريكية، خصوصا في مجالات الدفاع الصاروخي والتكنولوجيا العسكرية والردع النووي.

وأشار إلى أن الانقسامات السياسية بين الدول الأوروبية تعرقل بناء عقيدة دفاعية موحدة، موضحا أن بعض الدول، مثل بولندا، تفضل تعزيز علاقاتها الثنائية مع واشنطن بدلا من الاعتماد على مشروع دفاعي أوروبي مستقل.

كما لفت إلى أن الصناعات العسكرية الأوروبية ما تزال مرتبطة بشكل وثيق بالولايات المتحدة، مستشهدا بشراء ألمانيا مقاتلات أمريكية متطورة تحتاج إلى أنظمة تشغيل وتحكم أمريكية، ما يجعل الاستقلال العسكري الأوروبي الكامل أمرا بالغ التعقيد.

مستقبل الحلف

وفي ختام النقاش، تباينت آراء الضيوف بشأن مستقبل الحلف، إذ رأى العميد حسن جوني أن الناتو سيبقى قائما لأن الأمن الأوروبي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الأمريكي، ولأن الولايات المتحدة لا تستطيع التخلي عن أوروبا باعتبارها ركيزة نفوذها العالمي.

في المقابل، اعتبر محمد الشرقاوي أن الحلف دخل بالفعل مرحلة إعادة تشكل تدريجية، قد تؤدي مستقبلا إلى تقليص الدور الأمريكي داخل أوروبا، خاصة إذا استمرت السياسات "الترمبية" في التعامل مع الحلف بمنطق الكلفة والمصلحة المباشرة.

أما بركات فاستبعد انهيار الحلف أو انسحاب الولايات المتحدة منه، مؤكدا أن المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية المتبادلة تجعل استمرار الناتو حاجة مشتركة للطرفين، رغم تصاعد الخلافات والتوترات داخل المعسكر الغربي.

وخلصت الحلقة إلى أن حلف شمال الأطلسي يقف اليوم أمام اختبار وجودي حقيقي، بين ضغوط التحولات الدولية، وصعود النزعات القومية والانكفائية، ومحاولات أوروبا إعادة تعريف موقعها الأمني، في عالم يتجه نحو تعددية قطبية وتنافس متزايد على النفوذ والقيادة الدولية.

Published On 28/5/202628/5/2026

حفظ

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodes

شارِكْ

facebookxwhatsapp-strokecopylink

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الولایات المتحدة داخل الحلف أن الحلف إلى أن

إقرأ أيضاً:

لطلاب الثانوية العامة .. كيف تحجز اختبار القدرات 2026 والأوراق المطلوبة للقبول؟

مع اقتراب إسدال الستار على مرحلة التسجيل، يدق نداء الفرصة الأخيرة لطلاب الثانوية العامة لحجز مقاعدهم في الكليات المتخصصة، حيث تعد الدقائق مهمة وفاصلة لتحويل الطموح والشغف إلى واقع جامعي؛ لا يفصلك عنه سوى خطوات إلكترونية بسيطة لتأمين اختبارات القدرات وتحديد بوصلة مستقبلك الأكاديمي.
 

التعليم العالي: 40 ألف طالب يسجلون لأداء اختبارات القدراتفي جامعة أسوان: متابعة اختبارات القدرات بكلية علوم الرياضةرابط التسجيل في اختبارات القدرات 2026

أوضحت وزارة التعليم العالي، أن طلاب الثانوية العامة يستطيعون التسجيل في اختبارات القدرات 2026 للالتحاق بالكليات التي يلزم لها اجتياز الاختبارات، وذلك من حلال زيارة موقع التنسيق الإلكتروني.

ويمكن لطلاب الثانوية العامة الراغبين في أداء اختبارات القدرات الدخول على موقع التنسيق الإلكتروني من (هنــــا)، وتسجيل بياناتهم وحجز موعد الاختبار وفقًا للإجراءات المحددة.

التعليم العالي تُهيب بسرعة التسجيل.. رابط التسجيل في اختبارات القدرات 2026الفنون التطبيقية بجامعة دمنهور تستقبل طلاب الثانوية العامة لأداء اختبارات القدراتطريقة التسجيل في اختبارات القدرات 2026

تسهيلًا على الطلاب، حددت الوزارة، خطوات التسجيل في اختبارات القدرات 2026، وهي كالآتي:


1- زيارة موقع التنسيق الإلكتروني.
2- الضغط على خدمات تنسيق الثانوية العامة.
3- الضغط على تسجيل اختبار القدرات.
4- اختيار مصدر الشهادة.
5- تسجيل الدخول، عن طريق كتابة رقم الجلوس والرقم السري.
6- الضغط على متابعة، تفتح صفحة بها قائمة بأنواع اختبارات القدرات المتاحة والكليات والأماكن والمواعيد.
7- يختار الطالب نوع اختبار القدرات والمواعيد.


8- يتم تحديد الموعد توجه الطالب إلى الكلية لأداء اختبارات القدرات.
9- سداد قيمة الاختبار عبر قنوات السداد الإلكترونية المتاحة.
10- طباعة الورقة بعد الانتهاء من التسجيل، والاحتفاظ بها لإجراء الاختبارات.

التعليم العالي تدعو طلاب الثانوية العامة إلى سرعة التسجيل لأداء اختبارات القدرات قبل غلق باب الحجزتنسيق الجامعات 2026.. هل يحق للطلاب التسجيل لأداء اختبار القدرات بأكثر من كلية؟موعد غلق باب التسجيل في اختبارات القدرات 2026

أشارت وزارة التعليم العالي، إلى أنه سيتم غلق باب حجز اختبارات القدرات 2026 أمام طلاب الثانوية العامة دفعة العام الحالي 2025/2026، يوم الخميس الموافق 6 من شهر أغسطس المقبل، مشددة على الطلاب بسرعة التسجيل وعدم تأجيل الحجز إلى الأيام الأخيرة.

انطلاق اختبارات القدرات بكلية علوم الرياضة بجامعة سوهاج8 نصائح لطلاب الثانوية العامة 2026 لاجتياز اختبارات القدرات بسهولةكليات يُشترط للقبول بها اجتياز اختبارات القدرات

- كليات الفنون الجميلة «فنون- عمارة».

- كليات الفنون التطبيقية بجامعات «حلوان - دمياط - بنها- بني سويف - طنطا- دمنهور».

- كلية التربية الموسيقية بالزمالك جامعة حلوان.

- كلية التربية الفنية بالزمالك جامعة حلوان.

- كلية التربية الفنية جامعة المنيا.

- كليات علوم الرياضة «التربية الرياضية».

التعليم العالي تعلن بدء تسجيل اختبارات القدرات 2026.. المواعيد والشروط والخطواتالتعليم العالي: 16 ألف طالب سجلوا بموقع التنسيق الإلكتروني لأداء اختبارات القدراتالأوراق المطلوبة عند أداء اختبارات القدرات

ـ رقم جلوس الطالب في الثانوية العامة وصورة منه لكل اختبار من اختبارات القدرات التي يرغب الطالب في أدائها.

ـ صورة شخصية واحدة لكل اختبار من اختبارات القدرات.

ـ بالنسبة لاختبارات قدرات علوم الرياضة، يجب تقديم صورتين شخصيتين للطلاب الراغبين في أداء الاختبارات.

طباعة شارك بدء العد التنازلي اختبار القدرات 2026 وزارة التعليم العالي طريقة التسجيل في اختبارات القدرات طلاب الثانوية العامة

مقالات مشابهة

  • رسوم الأدوية الجنيسة.. اختبار جديد للمنافسة الأمريكية الصينية
  • لطلاب الثانوية العامة .. كيف تحجز اختبار القدرات 2026 والأوراق المطلوبة للقبول؟
  • الحوثيون.. جبهة جديدة تؤرق الولايات المتحدة وتهدد بانقسام قوتها العسكرية
  • إيران تستعد.. هل أوشكت الولايات المتحدة على الدخول البري؟
  • سمير فرج : المواجهة الأمريكية الإيرانية دخلت مرحلة جديدة
  • كيف تعيد موسكو بناء قوتها العسكرية؟
  • البرهان يلقي كلمة السودان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في هذا الموعد
  • NYT: الأردن يتمسك بوجود القوات الأمريكية رغم تحول المملكة إلى هدف لإيران
  • في احاطته أمام مجلس الأمن.. كوردوني: الفرص المتاحة أمام سوريا حقيقية
  • هل تشارك بريطانيا في الهجمات الأمريكية على إيران؟