الناتو أمام اختبار البقاء.. هل يتفكك الحلف الأطلسي من الداخل؟
تاريخ النشر: 28th, May 2026 GMT
رسم محللون وخبراء صورة معقدة لمستقبل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، معتبرين أن الحلف الذي تأسس قبل أكثر من 7 عقود لم يعد يواجه فقط تحديات عسكرية مرتبطة بروسيا والصين، بل أزمة هوية ووظيفة تهدد تماسكه الداخلي، في ظل تصاعد النزعة الانعزالية الأمريكية وتزايد الشكوك الأوروبية بشأن جدوى الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية.
وأجمع المشاركون في حلقة برنامج "محاولة فهم" التي حملت عنوان "هل ينجح الناتو أمام اختبار البقاء؟"، وبثت اليوم الأربعاء 27 مايو/أيار 2026، على قناة الجزيرة 2، على أن الحلف يمر بمرحلة مفصلية قد تعيد تشكيل طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، وسط نقاشات متزايدة حول مستقبل "الاستقلال الإستراتيجي" الأوروبي، وإمكانية بناء منظومة دفاعية أوروبية موازية للناتو.
واستهل عثمان آي فرح الحلقة بالتساؤل عن طبيعة التحولات التي أصابت الحلف منذ تأسيسه عام 1949، قائلا إن الهدف الذي لخصه أول أمين عام للحلف، اللورد إسماي، بإبقاء "السوفيات في الخارج، والأمريكيين في الداخل، والألمان تحت السيطرة"، بات اليوم محل مراجعة عميقة بعد توسع الحلف إلى 32 دولة، وظهور أسئلة حول ما إذا كان لا يزال إطارا للدفاع الجماعي أم أداة للهيمنة الأمريكية.
من جهته، قدم الخبير العسكري والإستراتيجي العميد حسن جوني قراءة تاريخية لطبيعة الحلف، مؤكدا أن "الناتو" تأسس كحلف عسكري هدفه الأساسي ردع الاتحاد السوفياتي ومنع توسعه في أوروبا الشرقية عقب الحرب العالمية الثانية، مشيرا إلى أن إنشاء حلف وارسو لاحقا جاء كرد مباشر على قيام الحلف الأطلسي، بما أسس لحالة توازن خلال الحرب الباردة.
وأوضح جوني أن البعد العسكري ظل جوهر الحلف رغم تداخل الأبعاد السياسية والإستراتيجية لاحقا، لافتا إلى أن المادة الخامسة المتعلقة بالدفاع الجماعي بقيت "روح الحلف" وأساس تماسكه، إذ تعتبر أي اعتداء على دولة عضو بمثابة اعتداء على جميع الأعضاء.
لكنه شدد في الوقت ذاته على أن تطبيق هذه المادة لا يعني بالضرورة دخول جميع الدول الأعضاء في حرب مباشرة، موضحا أن القرار النهائي يظل خاضعا للتقديرات السياسية لكل دولة وظروفها الخاصة.
وأشار إلى أن النفوذ الأمريكي داخل الحلف يستند إلى التفوق العسكري والمالي، إذ تمثل الولايات المتحدة القوة الرئيسية في الناتو وتمول الجزء الأكبر من ميزانيته، لكنه رأى أن ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أحدثت "شقوقا" داخل الحلف وأضعفت قدرة واشنطن على فرض رؤيتها على الحلفاء الأوروبيين.
واعتبر الخبير العسكري أن المواقف الأوروبية الأخيرة، خصوصا خلال التوترات المتعلقة بإيران، أظهرت قدرا من "التمرد" على الهيمنة الأمريكية، بعدما رفضت عدة دول أوروبية الانخراط في مشاريع التصعيد التي سعت واشنطن إلى حشد الحلف خلفها.
أزمة هوية
بدوره، رأى محمد الشرقاوي أستاذ تسوية النزاعات وعضو لجنة الخبراء في الأمم المتحدة سابقا أن الحلف الأطلسي لم يكن عسكريا فقط منذ البداية، بل حمل أيضا أبعادا سياسية وثقافية وحضارية ارتبطت بالدفاع عن نمط حياة غربي في مواجهة المعسكر السوفياتي، مشيرا إلى أن تأسيس الحلف تزامن مع مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا.
وقال الشرقاوي إن الحلف تطور لاحقا ليشمل أبعادا علمية وإستراتيجية، خاصة بعد سباق الفضاء مع الاتحاد السوفياتي، قبل أن يدخل اليوم مرحلة جديدة وصفها بأنها "انفصام شخصية" بين الرؤية الأمريكية والرغبة الأوروبية في الاستقلال.
وأضاف أن صعود دونالد ترمب أعاد فتح النقاش داخل أوروبا حول مستقبل الشراكة الأطلسية، خاصة مع تبني واشنطن خطابا يعتبر الأمن الأوروبي عبئا على الولايات المتحدة، مضيفا أن الأوروبيين بدأوا منذ سنوات التفكير بإنشاء منظومة دفاعية مستقلة وتخصيص ميزانيات خاصة للأبحاث الدفاعية.
واعتبر أن الحرب الروسية الأوكرانية كشفت عمق الخلافات داخل الحلف، موضحا أن تمدد الناتو شرقا كان أحد أبرز أسباب التوتر مع موسكو، وأن الأزمة الأوكرانية تعكس فشل التفاهمات القديمة بين الغرب وروسيا بشأن حدود نفوذ الحلف.
كما رأى الشرقاوي أن ترمب يمثل تحولا جذريا في الفلسفة الأمريكية تجاه الحلف، إذ يتبنى رؤية انعزالية تركز على الداخل الأمريكي وتقليل الأعباء الخارجية، وهو ما يفسر تهديداته المتكررة بتقليص الالتزامات العسكرية الأمريكية في أوروبا.
وأوضح أن الإدارة الأمريكية الحالية باتت تنظر إلى الأمن الأوروبي باعتباره عبئا ماليا وإستراتيجيا، وتسعى لدفع الأوروبيين لتحمل كلفة دفاعهم بأنفسهم، معتبرا أن الحلف يمر بمرحلة "تفكك داخلي تدريجي" قد تعيد رسم طبيعته بالكامل خلال السنوات المقبلة.
الاستقلال الأوروبي
أما الخبير في الشؤون الأوروبية محمد الرجائي بركات فاعتبر أن الناتو ليس مجرد تحالف عسكري بل إطار سياسي أيضا تستخدمه الولايات المتحدة لتعزيز نفوذها داخل أوروبا والتأثير على سياسات الدول الأعضاء.
وأشار إلى أن فرنسا كانت تاريخيا الأكثر اعتراضا على الهيمنة الأمريكية داخل الحلف، مستشهدا بانسحاب شارل ديغول من القيادة العسكرية للحلف عام 1966، وكذلك تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي وصف فيه الحلف بأنه "ميت دماغيا".
وأوضح بركات أن الأوروبيين باتوا أكثر قلقا من غياب الاستمرارية في السياسة الأمريكية، خاصة مع تغير الإدارات في واشنطن، ما يدفعهم للتفكير في بدائل دفاعية مستقلة.
لكنه شكك في قدرة أوروبا على تأسيس "ناتو أوروبي" مستقل بالكامل، لافتا إلى أن القارة ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على القدرات العسكرية الأمريكية، خصوصا في مجالات الدفاع الصاروخي والتكنولوجيا العسكرية والردع النووي.
وأشار إلى أن الانقسامات السياسية بين الدول الأوروبية تعرقل بناء عقيدة دفاعية موحدة، موضحا أن بعض الدول، مثل بولندا، تفضل تعزيز علاقاتها الثنائية مع واشنطن بدلا من الاعتماد على مشروع دفاعي أوروبي مستقل.
كما لفت إلى أن الصناعات العسكرية الأوروبية ما تزال مرتبطة بشكل وثيق بالولايات المتحدة، مستشهدا بشراء ألمانيا مقاتلات أمريكية متطورة تحتاج إلى أنظمة تشغيل وتحكم أمريكية، ما يجعل الاستقلال العسكري الأوروبي الكامل أمرا بالغ التعقيد.
مستقبل الحلف
وفي ختام النقاش، تباينت آراء الضيوف بشأن مستقبل الحلف، إذ رأى العميد حسن جوني أن الناتو سيبقى قائما لأن الأمن الأوروبي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الأمريكي، ولأن الولايات المتحدة لا تستطيع التخلي عن أوروبا باعتبارها ركيزة نفوذها العالمي.
في المقابل، اعتبر محمد الشرقاوي أن الحلف دخل بالفعل مرحلة إعادة تشكل تدريجية، قد تؤدي مستقبلا إلى تقليص الدور الأمريكي داخل أوروبا، خاصة إذا استمرت السياسات "الترمبية" في التعامل مع الحلف بمنطق الكلفة والمصلحة المباشرة.
أما بركات فاستبعد انهيار الحلف أو انسحاب الولايات المتحدة منه، مؤكدا أن المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية المتبادلة تجعل استمرار الناتو حاجة مشتركة للطرفين، رغم تصاعد الخلافات والتوترات داخل المعسكر الغربي.
وخلصت الحلقة إلى أن حلف شمال الأطلسي يقف اليوم أمام اختبار وجودي حقيقي، بين ضغوط التحولات الدولية، وصعود النزعات القومية والانكفائية، ومحاولات أوروبا إعادة تعريف موقعها الأمني، في عالم يتجه نحو تعددية قطبية وتنافس متزايد على النفوذ والقيادة الدولية.
Published On 28/5/202628/5/2026حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylink
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الولایات المتحدة داخل الحلف أن الحلف إلى أن
إقرأ أيضاً:
البنتاجون يُخطط للانسحاب الجزئي للقوات الأمريكية من نظام الدفاع الأوروبي
قالت صحيفة "فيلت" نقلا عن مسؤول كبير في وزارة الحرب الأمريكية، إن البنتاجون يعتزم تقديم خطط ملموسة للانسحاب الجزئي لقواته من نظام الدفاع الأوروبي في يونيو خلال مؤتمر "الناتو".
وقال مصدر في "البنتاجون" في تصريح صحفي: "سيتم دمج هذه التغييرات في مقترحنا بشأن القوات والقدرات العسكرية خلال مؤتمر حلف "الناتو" في يونيو المقبل.
وتابع: "نريد تزويد الحلفاء بالمعلومات والوضوح اللازمين لتسريع الانتقال إلى نظام دفاع أوروبي بأسرع وقت وأكثر فعالية ممكنة، حيث يتحمل الحلفاء المسؤولية الرئيسية عن الدفاع التقليدي لأوروبا".
وأشارت الصحيفة إلى أن ألمانيا وحلفاء أوروبيين آخرين في حلف "الناتو" كانوا على دراية منذ فترة طويلة بنية الولايات المتحدة التخلي عن دورها كحام رئيسي. ومع ذلك، افترضت الأوساط الحكومية الألمانية أن هذه العملية ستكون تدريجية ومنسقة. والآن، تحرم واشنطن الأوروبيين فعليا من فترة انتقالية طويلة، كما نقلت صحيفة "فيلت".
في سياق آخر قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الأحد، في تصريحات لقناة "فوكس نيوز" إن إيران وافقت على عدم امتلاك أسلحة نووية.
وفي وقت سابق، أفادت تقارير أمريكية عن مسؤول رفيع المستوى في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بأن مسؤولًا أمريكيًا كبيرًا أشار إلى أن "الأمور قد تتضح بشأن الاتفاق النووي مع إيران، نهاية الأسبوع المقبل"، مؤكدًا أن الولايات المتحدة "مستعدة للانتظار"، وفق تعبيره.
وقال المسؤول الأمريكي: "ستتم الصفقة. سنرى إن كانت حتمية، نحن مستعدون للانتظار حتى يحصل الرئيس على ما يطلبه. ربما أسبوع. ربما أقل. ربما أكثر. نأمل أن نتوصل إلى نتيجة ما بحلول نهاية الأسبوع".
في سياق آخر أصدرت الأمم المتحدة، 3 تقارير، ترسم صورة قاتمة للوضع الإنساني في السودان، محذرة من تفشي الجوع واتساع النزوح وتدهور أوضاع النساء والفتيات.
ومع دخول الحرب عامها الرابع منذ اندلاعها في أبريل 2023، تتزايد التحديات أمام وكالات الإغاثة الدولية في الاستجابة لاحتياجات ملايين المتضررين.
وتشير التقارير الصادرة عن برنامج الأغذية العالمي، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، إلى أن الأزمة السودانية لم تعد تقتصر على تداعيات العمليات العسكرية، بل تحولت إلى أزمة إنسانية متعددة الأبعاد تشمل الأمن الغذائي والصحة والحماية والنزوح والخدمات الأساسية.
قصف وإطلاق نار إسرائيلي يستهدف مناطق شرقي غزة
أفادت مصادر فلسطينية، الأحد، بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي نفذت عمليات قصف مدفعي ونسف وإطلاق نار استهدفت مناطق شرقي قطاع غزة، في ظل استمرار التوترات الميدانية والاتهامات المتبادلة بشأن خروقات اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025.
ونقل المركز الفلسطيني للإعلام عن مصادر فلسطينية قولها إن القوات الإسرائيلية نفذت عملية نسف شرقي مدينة غزة، بالتزامن مع تجدد القصف المدفعي على مناطق شرقي حي الزيتون جنوب شرقي المدينة.
وأضافت المصادر أن زوارق حربية إسرائيلية أطلقت النار قبالة سواحل مدينة غزة وكذلك قبالة مدينة خان يونس، فيما استهدفت آليات إسرائيلية مناطق شرقي ووسط خان يونس بإطلاق نار مباشر، بحسب الرواية الفلسطينية.
من ناحية أخرى أعلن مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة اللبنانية، أن الحصيلة التراكمية الإجمالية للعدوان الإسرائيلي منذ الثاني من مارس الماضي وحتى الثلاثين من مايو الجاري ارتفعت إلى 3371 شهيدًا و10129 جريحًا.
وأوضح المركز في بيان أن هذه الأرقام تعكس حجم الخسائر البشرية الناجمة عن الاعتداءات المستمرة التي طالت مناطق عدة في لبنان خلال الفترة المذكورة، وسط استمرار عمليات الرصد والتوثيق للحالات التي تصل إلى المستشفيات والمراكز الصحية.
وأشار البيان إلى أن الجهات الصحية تواصل متابعة الأوضاع الميدانية وتقديم الرعاية الطبية للمصابين، في ظل التحديات التي يفرضها التصعيد الأمني وتزايد أعداد الضحايا والجرحى.