أقرب غريب إليك.. لماذا يظل الجار هو العلاقة الأكثر تعقيدا في حياتنا اليومية؟
تاريخ النشر: 29th, May 2026 GMT
نعيش جنبا إلى جنب مع جيراننا، نشاركهم الجدران والأصوات وأحيانا الروائح، نسمع موسيقاهم ومشاجراتهم وربما نعرف أسماءهم، ومع ذلك يظل كثير منهم غرباء فعليا.
هذه المسافة الغريبة بين الألفة والريبة تجعل علاقة الجيرة من أعقد العلاقات في الحياة اليومية، وتفسر لماذا أصبحت موضوعا دائما للنقاش، خصوصا مع "يوم الجيرة" الذي يوافق 29 مايو/أيار.
يرى عالم الاجتماع فالتر زيبل -الأستاذ المتفرغ في جامعة أولدنبورغ- أن الجار "خطير" لأنه قريب من خصوصيتك ولأن وجوده دائم لا يمكن الانسحاب منه بسهولة، فمن يختلف مع صديق أو قريب يستطيع قطع الاتصال أما الجار فلا يمكن تجنبه إلا بالانتقال إلى مكان آخر، وهي خطوة مكلفة ومتعبة.
هذا القرب جعل الجيران مادة مفضلة في السينما، من "النافذة الخلفية" لألفرد هيتشكوك حيث يكتشف بطل الفيلم جريمة قتل عبر مراقبة الشقق المقابلة، إلى "سليفر" الذي يحول برجا سكنيا في مانهاتن إلى شبكة مراقبة بكاميرات خفية. كما اشتهرت مدن مثل نيويورك بصورة السكان الذين يطلون من شققهم العالية على عشرات الشقق الأخرى فيرون لمحات من حياة لا يعرفون أصحابها.
في المقابل، يظل حلم "منزلي هو قلعتي" حاضرا في المخيلة، بيت مستقل ومسافة آمنة عن الآخرين. لكن الواقع في دول مثل ألمانيا يغلب عليه الإيجار، أي العيش وسط جيران يتبدلون باستمرار. لذلك ينصح زيبل بالتعامل مع الجيران الجدد "بمسافة مهذبة": لياقة بلا اندماج مبالغ فيه، لأن الانسجام غير مضمون ولأن التراجع عن علاقة قريبة جدا يصبح صعبا إذا ظهرت الخلافات لاحقا.
حتى التحية اليومية تعكس هذا التوتر، ففي المدن الكبرى يتجنب كثيرون تبادل السلام في الممرات، ليس بدافع الوقاحة، بل تجنبا لتثبيت علاقة لا يريدونها. وفي الوقت نفسه تبقى الخصوصية المجال الأشد حساسية، فمع اتساع المراقبة في الفضاء العام، يرى زيبل أن البيت هو "المكان الوحيد الذي يملك فيه الإنسان حق ألا يُرى" ولهذا يختبئ كثيرون خلف الأسوار والأسيجة العالية.
إعلانمع ذلك، يفرض الجيران أنفسهم أحيانا، عند انقطاع الكهرباء أو تعطل الإنترنت أو عندما يتسرب الماء من شقة علوية إلى أخرى أسفلها. يروي الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته في سيرته الذاتية كيف تسرب شراب سكري من شقة جارته المسنة إلى بذلاته الإيطالية حين كان رئيسا لوزراء هولندا، لكنه اختار ألا يحول الحادثة إلى نزاع.
مع كل هذه التوترات، يذكّر مثل قديم بأن "جار قريب خير من أخ بعيد"، فالجار قد يكون أول من يمد يد العون في الطوارئ وأقرب من يمكنه المساعدة في التفاصيل اليومية: استعارة بعض الحاجيات، سقي الزهور أثناء السفر، أو مراقبة البيت لفترة قصيرة. ويشير زيبل إلى أن هذه الترتيبات تنجح عندما تقوم على تبادل متوازن، لأن "لا أحد يريد أن يصبح مدينا لجاره".
خلال جائحة كورونا ظهر الوجه الإيجابي للجيرة بوضوح، في أحياء كثيرة تسوق الناس لبعضهم واعتنوا بكبار السن وغنوا معا من النوافذ كما حدث في مدن أوروبية عدة.
ومن هذا المزاج نشأ "يوم الجيرة" الذي بدأ في فرنسا وامتد إلى ألمانيا ودول أخرى، لتشجيع الجيران على اللقاء والتعارف عبر حفلات صغيرة أو أنشطة مشتركة في الشارع.
ورغم أن نزاعات الجيران قد تصل إلى المحاكم -كما يذكر زيبل- فإن الجيرة تحمل أيضا وعدا قديما بالأمان والانتماء. بين الجار المزعج والجار المنقذ، تبقى الجيرة مرآة دقيقة لعلاقاتنا اليومية، ومساحة نختبر فيها قدرتنا على التعايش مع "الآخر الأقرب" الذي لم نختره، لكنه يظل جزءا من حياتنا.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
بين الذاكرة واللوحة.. أورهان باموق يعود بـ الكلمات والصور
إسطنبول ـ "العُمانية": في وقت ينتظر فيه قراؤه عملاً روائياً جديداً، اختار الروائي التركي الحائز على جائزة نوبل أورهان باموق أن يعود إلى جمهوره من بوابة مختلفة؛ بوابة الذاكرة والصورة والتأمل الشخصي، عبر كتابه الجديد "الكلمات والصور.. مختارات من الذكريات والمقالات، وقصة واحدة"، والصادر عن دار "يابي كريدي" للنشر في تركيا.
ولا يندرج الكتاب ضمن الرواية التقليدية التي ارتبط بها اسم باموق، بل يأتي كعمل أدبي ــ بصري يجمع بين المقالات والسيرة الذاتية والذكريات والنصوص الفكرية، إلى جانب صور ورسومات من أرشيفه الشخصي، في محاولة لصياغة حوار بين الكلمة والصورة، وبين الذاكرة الفردية والذاكرة الثقافية.
ويضم الكتاب أكثر من 340 صفحة، تتوزع على مجموعة من النصوص التي كتبها الكاتب على امتداد سنوات، بعضها ينشر للمرة الأولى، فيما يعيد بعضها الآخر تقديم أفكار وتأملات ارتبطت بمسيرته الأدبية الطويلة.
ويقول الناقد الأدبي التركي مراد يلدرم في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية إن إسطنبول تحضر بوصفها أكثر من مجرد مكان كما في معظم أعماله، فالمدينة التي شكّلت خلفية رواياته الشهيرة، من "اسمي أحمر" إلى "متحف البراءة" و "ثلج" تظهر هنا باعتبارها ذاكرة حيّة وشريكاً في تشكيل وعي الكاتب.
وأضاف: "يتوقف باموق عند تفاصيل الحياة اليومية في المدينة، والتحولات التي عاشتها خلال العقود الماضية، وكيف انعكس ذلك على تجربته الإنسانية والكتابية". كما أشار إلى أن المؤلف يستعيد مشاهد من طفولته وشبابه، متأملاً العلاقة المعقدة بين المدينة وسكانها، وبين الحداثة والحنين، وهي ثنائية لطالما شكّلت محوراً أساسياً في أدبه.
وقال يلدرم إن أحد أبرز محاور الكتاب يتمثل في العلاقة بين الأدب والفن التشكيلي، فالمؤلف الذي بدأ حياته شغوفاً بالرسم قبل أن يتجه إلى الرواية، يعود في هذا العمل إلى تلك العلاقة القديمة بين اللوحة والنص وتأثير الرسم في طريقته السردية. ولهذا يضم الكتاب رسومات وصوراً من أرشيفه الشخصي، بعضها يرتبط بمراحل الكتابة وأماكنها، وبعضها الآخر يعكس لحظات خاصة ظلّت بعيدة عن أعين القراء.
ويكشف باموق في "الكلمات والصور" عن جوانب شخصية من حياته الأدبية، متوقفاً عند بداياته الأولى والصعوبات التي واجهها في نشر أعماله. ويستعيد ذكريات سنوات الشباب والخدمة العسكرية، والقلق الذي رافق خطواته الأولى في عالم الكتابة، فضلاً عن علاقته بالناشرين والنقاد، وما رافق صعوده الأدبي من جدل واهتمام عالمي، خاصة بعد حصوله على جائزة نوبل للآداب عام 2006.
ولا يتعامل الكاتب مع هذه التجارب باعتبارها سردًا ذاتيًّا خالصًا، بل يحولها إلى تأملات أوسع حول معنى الكتابة والعزلة والنجاح ومسؤولية الكاتب في المجتمع. ويخصص مساحة مهمة للحديث عن مشروع متحف البراءة الذي لم يكن بالنسبة إليه رواية فقط، بل تجربة ثقافية متكاملة جمعت بين الأدب والمتحف والذاكرة المادية.