محللون: السودانيون أصبحوا هدفا رئيسيا في حرب لن يكسبها أحد
تاريخ النشر: 30th, May 2026 GMT
لم يعد المدنيون مجرد خسائر جانبية في الحرب المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أكثر من 3 سنوات، ولكنهم تحولوا إلى هدف مشروع فيها مع تراجع احتمالات الحل السلمي للنزاع، كما يقول محللون.
فقد أكدت شبكة أطباء السودان مقتل عشرات المدنيين جراء هجمات شنتها قوات الدعم السريع على قرى بمنطقة المرة غربي إقليم كردفان، تقول إنها لم يكن بها أي وجود للجيش أو حلفائه، معتبرة أن ما جرى يؤكد الحاجة الماسة لتحرك دولي فعال لوقف الحرب.
في الوقت نفسه، قال قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، إن مقاتليه لن يتوقفوا عن القتال قبل تحقيق الأهداف التي دخلوا الحرب من أجلها.
وجاء حديث حميدتي بعد إعلان رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان عن مبادرة لإطلاق حوار سياسي شامل لإنهاء أزمات السودان ومعالجتها جذريا، وقال إنها "لن تشمل من ولغوا في دماء السودانيين"، وهو ما اعتبره محللون إشارة للدعم السريع.
وبين هذا وذاك، قدم "التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة" وثيقة قال إنها تتضمن رؤية شاملة لحل الأزمة تقوم على المزاوجة بين الاستجابة الإنسانية العاجلة، ووقف القتال، وإطلاق عملية سياسية شاملة تتضمن إبعاد كل القوات الحاملة للسلاح عن المسار السياسي وإنعاش مسار الديمقراطية والعدالة الانتقالية.
وفي حين يواصل كل طرف من طرفي النزاع تمسكه بإقصاء الآخر من أي عملية سياسية مستقبلية، واتهامه له بقتل السودانيين، يواصل المدنيون دفع الفاتورة الأكبر لهذه الحرب التي تقول الأمم المتحدة إنها أنتجت كارثة إنسانية آخذة في الاتساع.
وقد اعتبر الباحث في الشؤون الأفريقية الدكتور كوفي كواكو ما جرى الخميس في المرة التابعة لمدينة بارا بشمال كردفان "مذبحة جديدة تجب إدانتها"، وقال خلال مشاركته في برنامج "ما وراء الخبر" إنها "ليست حادثة معزولة عن تطور مسار الحرب".
إعلانفهذه المذبحة تشير وفق المتحدث إلى "تحول أعمق للصراع الذي تحول إلى حرب أهلية وسياسية، وأصبح المدنيون أهدافا مشروعة لها، وليسوا مجرد خسائر جانبية"، وأن "هناك ضغوط على السكان لكي يرحلوا من مناطقهم قسرا".
كما قال المحلل السياسي السوداني يوسف عبد المنان إن ضحايا الهجمات على المرة الذين بلغوا 42 قتيلا و58 مصابا "سقطوا في مواجهات بين السكان وعصابات تابعة لقوات الدعم السريع المسيطرة على المنطقة".
فالجيش السوداني والمتحالفون معه لا يتواجدون بأي شكل من الأشكال في منطقة بارا، التي يقول عبد المنان إنها خالية تماما حتى من القواعد العسكرية.
في المقابل، وصف المحلل السياسي السوداني مصطفى محمد إبراهيم سكان المنطقة بالمسلحين، وقال إن الحديث عن وقوع مواجهات "يعني أنهم ليسوا مدنيين"، مضيفا أنهم "يحصلون على أسلحة ثقيلة من الجيش لمواجهة الدعم السريع نيابة عنه وتسليمه المنطقة بعدما فشل هو في دخولها".
بل إن الضيف نفى تورط الدعم السريع في هذه المواجهات التي قال إنها وقعت بين السكان وعصابات مسلحة بالمنطقة، وهو ما رد عليه عبد المنان بقوله إن المنطقة خاضعة للدعم السريع ومن ثم فإنها تتحمل المسؤولية لأنها هي التي تحرك هذه العصابات أيضا.
ويكشف هذا التبادل للاتهامات أن الجانبين لا يزالان بعيدين جدا عن التوصل لاتفاق يوقف الحرب ويوفر الأمن للسكان الذين يقول الباحث في الشؤون الأفريقية كوفي كواكو إنهم ربما يواجهون كارثة أكبر في المستقبل.
فالمبادرة السياسية التي أطلقها البرهان تستثني الدعم السريع بوضوح حسب عبد المنان "لأنها ميليشيا ملطخة يدها بدماء السودانيين الذين لن يقبلوا بأن تكون جزءآ من أي عملية سياسية مستقبلية".
وبالمثل، لا يمكن التعويل على المبادرة التي أطلقها التحالف المدني من نيروبي لأنها "حالمة، فضلا عن أنها صادرة عن مجموعة كانت تدعم الدعم السريع في أول الحرب ثم غيرت موقفها مع تغير الوضع على الأرض"، كما يقول المحلل السياسي يوسف عبد المنان.
والأهم من ذلك، أن القوة التي يقودها البرهان (الجيش والمتحالفون معه) لا بد أن يكونوا جزءا من أي عملية مستقبلية في السودان، ومن ثم لا مجال للحديث عن إبعاد كل من حمل السلاح عن الإجراءات التي من شأنها أن تفضي لانتخابات، بحسب المتحدث نفسه.
في الوقت نفسه، يصف المحلل السياسي مصطفى محمد إبراهيم مبادرة البرهان بأنها "مراوغة"، ويقول إن البرهان "لا يملك قرارا من الأساس، لأنه تابع للإسلاميين الذين يتحكمون بالمشهد منذ بداية الحرب"، قائلا إن قوات الدعم السريع "لا تقبل بالجيش الحالي للدفاع عن السودان لأنه مؤدلج ولا بد من حله تماما ودمجه في جيش وطني".
أما كواكو، فيرى أن مبادرة البرهان قابلة للنجاح رغم ما تواجهه من تحديات كبيرة لأن مستقبل السودان "لن يحدد بالسلاح، وإنما عن طريق السودانيين أنفسهم مهما طالت الحرب".
إعلانبالتالي، يرى الخبير في الشؤون الأفريقية أن لا مجال لنجاح مبادرة تستبعد طرفا على حساب آخر بدعوى تلطخ يديه بالدماء، متسائلا "من الذي سيحدد من تلطخت يداه ومن لم تتلطخ يداه بدم السودانيين؟".
فالحل الوحيد الذي قد يجنب السودان كارثة أكبر، بحسب المتحدث، هو التوصل إلى صيغة يتفق عليها الجميع بوساطة إقليمية وتدخل من المؤسسات الدولية "بعيدا عن الحرب والانتقام والبحث عن انتصار عسكري لن يتحقق لأي طرف".
فرغم الخسائر الميدانية الكبيرة، لا يمكن القول إن طرفا قد انتصر على آخر، وهذا ما يجعل الأمور صعبة، رغم وجود مساحة لوجود وساطة إقليمية، وتجنب السيناريو الأسوأ، بحسب كواكو.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات قوات الدعم السریع المحلل السیاسی عبد المنان قال إنها
إقرأ أيضاً:
مشروعا قانون في الكونغرس لتجفيف تمويل الحرب وتعزيز حماية المدنيين
يتجه التعاطي الأميركي مع الحرب في السودان نحو مرحلة جديدة، مع تقدم مشروعي قانون داخل الكونغرس يهدفان إلى تشديد الضغوط على أطراف النزاع وداعميهم، عبر توسيع العقوبات، وتجفيف مصادر التمويل والتسليح، وتعزيز حماية المدنيين، وإعادة تنشيط الدور الأميركي في جهود إنهاء الحرب.
التغيير ــ وكالات
وينظر مجلس الشيوخ في مشروع قانون منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان لعام 2026، المعروف باسم قانون سلام السودان (PEACE in Sudan)، فيما يبحث مجلس النواب قانون الانخراط الأميركي في السلام السوداني، الذي يطرح رؤية أوسع تشمل العقوبات، والمساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، ودعم العملية السياسية.
ورغم اختلاف نطاق كل مشروع، فإنهما يعكسان توافقاً متزايداً بين الجمهوريين والديمقراطيين على تحويل السياسة الأميركية تجاه السودان من إجراءات تنفيذية متفرقة إلى إطار تشريعي دائم، يركز على محاسبة أطراف الحرب، والجهات التي تمولها أو تزودها بالسلاح، إضافة إلى المسؤولين عن الانتهاكات وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.
ولا يزال المشروعان في مراحلهما التشريعية، إذ يحتاج كل منهما إلى إجازة المجلس الذي ينتمي إليه، قبل التوصل إلى صيغة موحدة يعتمدها مجلسا الكونغرس، ثم تُحال إلى الرئيس الأميركي للتوقيع عليها لتصبح قانوناً نافذاً.
مشروع مجلس الشيوخ
قدم رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، السيناتور الجمهوري جيم ريش، إلى جانب السيناتور الديمقراطي كريس كونز، مشروع قانون سلام السودان بدعم من الحزبين، وأقرت اللجنة المختصة المشروع في يونيو الماضي تمهيداً لطرحه أمام المجلس.
ويمنح المشروع الإدارة الأميركية صلاحيات أوسع لفرض عقوبات على قادة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إلى جانب الأفراد والجهات التي تقدم التمويل أو السلاح للطرفين، كما يوسع نطاق العقوبات الحالية.
ويلزم المشروع الإدارة الأميركية بتقديم تقارير دورية إلى الكونغرس حول التدخلات الخارجية وشبكات التمويل والتسليح المرتبطة بالحرب، فضلاً عن تحديث التحذيرات الخاصة بالاستثمار والتعاملات التجارية مع السودان.
كما يقترح تمديد ولاية المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان من عامين إلى خمسة أعوام، مع تعزيز الرقابة البرلمانية على تطورات النزاع، ومنع توجيه أي دعم مستقبلي قد يسهم في إعادة تمويل المؤسسات العسكرية أو الأمنية المتهمة بتقويض مسار الانتقال المدني.
مشروع مجلس النواب
في المقابل، يتبنى مشروع قانون الانخراط الأميركي في السلام السوداني رؤية أشمل للسياسة الأميركية تجاه السودان، إذ يدعو إلى دعم وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، واستئناف العملية السياسية وصولاً إلى حكم مدني ديمقراطي.
ويلزم المشروع الإدارة الأميركية بوضع استراتيجية متكاملة للتعامل مع الأزمة، تشمل حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم جهود السلام، إلى جانب استخدام النفوذ الأميركي لتوسيع حظر الأسلحة ليشمل جميع أنحاء السودان.
كما يمنح الإدارة صلاحيات واسعة لفرض عقوبات على الأفراد والكيانات المتورطة في جرائم الحرب أو عرقلة المساعدات الإنسانية، بما يشمل تجميد الأصول، وحظر التعاملات المالية، ورفض منح التأشيرات، فضلاً عن ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
حماية المدنيين وإمكانية دعم قوة دولية
ويتضمن مشروع مجلس النواب بنداً يتيح للولايات المتحدة دعم بعثة تابعة للأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي، أو قوة متعددة الجنسيات، إذا تقرر نشرها في السودان لحماية المدنيين.
كما يوجه الإدارة الأميركية إلى استخدام نفوذها داخل الأمم المتحدة للدفع نحو إعداد خطط عملية لحماية المدنيين، وتوثيق جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، والعمل على إزالة القيود التي تعرقل وصول المساعدات الإنسانية.
ولا يعني ذلك اتخاذ قرار أميركي بإرسال قوات إلى السودان، وإنما يهيئ أساساً قانونياً يسمح بدعم أي بعثة دولية أو أفريقية قد يتم الاتفاق على نشرها بتفويض دولي.
استهداف داعمي الحرب
ويشترك المشروعان في التركيز على دور الأطراف الخارجية في إطالة أمد النزاع، إذ يطالبان الإدارة الأميركية بتحديد الحكومات والجهات التي تزود طرفي الحرب بالسلاح أو التمويل أو أي شكل من أشكال الدعم، وتقييم مدى مخالفة تلك الأنشطة لحظر الأسلحة المفروض على السودان.
ويمضي مشروع مجلس النواب خطوة أبعد، إذ ينص على حظر بيع المعدات الدفاعية الأميركية الرئيسية لأي دولة يثبت دعمها العسكري لأحد طرفي النزاع، مع منح الرئيس الأميركي صلاحية استثناء محدود إذا اقتضت ذلك اعتبارات الأمن القومي.
كما ناقشت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ مقترحات مماثلة لمنع مبيعات السلاح للدول الداعمة لأي من طرفي الحرب، وحظيت بتأييد عدد من أعضاء الحزبين، إلا أن بعضها لم يُدرج في الصيغة النهائية للمشروع.
العدالة والمساءلة
ويولي مشروع مجلس النواب اهتماماً خاصاً بمسار العدالة، إذ يدعو إلى دعم جهود توثيق الانتهاكات وجمع الأدلة وحفظها، وملاحقة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، بما في ذلك جرائم العنف الجنسي المرتبطة بالنزاع.
ويمتد نطاق المساءلة، وفق المشروع، ليشمل الانتهاكات المرتكبة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، إضافة إلى الجرائم المرتبطة بانقلاب 25 أكتوبر 2021 وما أعقبه من انتهاكات.
كما يدعو المشروع إلى دعم عملية سياسية لا تقتصر على الأطراف العسكرية، وإنما تشمل منظمات المجتمع المدني والنساء والشباب والمجتمعات المهمشة، ضمن مسار دستوري يقود إلى استعادة الحكم المدني.
تحول في السياسة الأميركية
ويعكس تقدم المشروعين داخل لجنتي العلاقات الخارجية في مجلسي الشيوخ والنواب اتجاهاً متنامياً داخل الكونغرس يرى أن العقوبات الفردية والبيانات الدبلوماسية لم تعد كافية للتأثير في مسار الحرب، وأن المطلوب هو إطار تشريعي أكثر صرامة يربط بين الضغط على أطراف النزاع، ومحاسبة داعميهم الخارجيين، وحماية المدنيين، ودفع عملية سياسية تقود إلى الحكم المدني.
وفي حال إقرار المشروعين بصيغة موحدة، فسيشكلان أول إطار تشريعي أميركي متكامل للتعامل مع الحرب في السودان، واضعين العقوبات والمساءلة وحماية المدنيين ومكافحة التدخلات الخارجية في صلب السياسة الأميركية تجاه الأزمة.
الوسومتجفيف تمويل الحرب تعزيز حماية المدنيين جهود إنهاء الحرب مشروعا قانون في الكونغرس