رياح التحالفات تعود لأجندة الإصلاح.. قراءة في خطاب اليدومي بذكرى تأسيس الحزب (تحليل)
تاريخ النشر: 13th, September 2023 GMT
في عامه السادس والسبعين ظهر رئيس الهيئة العليا لحزب التجمع للإصلاح محمد عبدالله اليدومي في خطاب بثته قناة سهيل التابعة للحزب بمناسبة الذكرى الـ33 لتأسيس الحزب، والذي يوافق الـ13 من أغسطس 1990م، وهو العام الذي ولدت فيه الحياة السياسية باليمن، عقب تحقيق الوحدة اليمنية في الـ22 من مايو 1990م، والتي أقرت العمل الحزبي كوسيلة للتداول السلمي للسلطة في اليمن.
اليدومي الذي يراس أعلى هيئة تنظيمية في الحزب، ويشغلها منذ العام 2008م ويقيم خارج اليمن، ألقى كلمة استمرت لما يقارب نصف الساعة، تضمنت العديد من المحاور، والرسائل التي أراد الحزب ارسالها في ذكرى تأسيسه، والتي تأتي في ظل حالة من الضعف تعتري الحياة السياسية باليمن، جراء الحرب الممتدة منذ سنوات.
وبدا الاهتمام واضحا من قبل الحزب في الاحتفال بهذه الذكرى، وحفلت مواقع الحزب الإعلامية بالتصريحات والأحاديث التي أدلت بها قيادات الحزب في مختلف فروعه داخل اليمن، فيما كثف أعضائه احتفائهم على وسائل التواصل الاجتماعي، في تسليط الضوء على الحزب وأدواره، ومحطاته السياسية.
رسائل في كلمة اليدومي
لكن كلمة اليدومي كانت هي الملمح الأبرز بالاحتفاء بذكرى التأسيس، وذلك بما احتوته من رسائل ودلالات، عبرت عن موقف الحزب تجاه الكثير من القضايا المحلية والخارجية، والأطراف المتصلة بالوضع في اليمن، سواء تلك التي يلتقي معها الإصلاح في التصورات والرؤى، أو تلك التي يعدها خصما مباشرا.
خطاب اليدومي تحدث عن مسيرة الحزب، والمحطات التي عاصرها، والتجربة السياسية التي خاضها، والتضحيات التي قدمها، وعزز من قيمة الحزب ومكانته، من خلال الحديث عن أهمية تفعيل العمل السياسي، في كل المحافظات المحررة، والإشارة هنا إلى المناطق البعيدة عن سيطرة جماعة الحوثي.
الخطاب كان أيضا مكاشفة للحكومة التي يشارك فيها الحزب، والتي انتقدها ضمنيا من خلال دعوته لها لرفع الكفاءة في أداء المؤسسات، والاستجابة لمطالب الشعب الخدمية، والحال نفسه ينطبق في حديثه عن مجلس القيادة الرئاسي، وتجديده الدعوة لدعم وحدة المجلس، وهي أيضا إشارة للوضع المنقسم الذي يعيشه مجلس القيادة.
وطغت على الكلمة الاهتمام بالقضايا التي تهم الشارع اليمني، وهذا موقف يحسب للحزب في انحيازه للناس، وتبنيه قضاياهم، رغم مشاركة الحزب نفسه في تشكيلة الحكومة التي يطالبها بتوفير الخدمات، والتي ينتفض عليها الشارع، وينتقد أدائها وتقصيرها.
الموقف من جماعة الحوثي بدا صارما في خطاب اليدومي، فهو لم يكتف بالتداعيات التي خلفها انقلابهم في سبتمبر 2014م حتى اليوم، بل جعلها العدو الأول والوحيد لليمن والمنطقة، ولم يتطرق لها بوصفها كجماعة فقط، ولكن باعتبارها لافتة جديدة للإمامة، وامتداد للنظام الإمامي الذي قضت عليه ثورة الـ26 من سبتمبر 1962م، وهذا التوصيف بقدر ما يحاكم جماعة الحوثي، هو أيضا تذكير بالمخاطر التي تتهدد النظام الجمهوري الراهن لليمن، ويرسم إطار أوسع للمزاج الشعبي في الموقف من الحوثيين.
الخطاب أدان الإرهاب، وقدم الحزب كضحية للاغتيالات، وطالب الأمم المتحدة بتقييم دورها في اليمن، وتقديم توصيف دقيق لما يجري في اليمن، وأكد أن أمان اليمن واستقراره يمثل أمانا للخليج، وأفرز سطورا عديدة لمختلف فئات المجتمع اليمني، بما في ذلك رجال الأعمال، والجيش والأمن والقبائل، وحدد مأرب وتعز بالاسم، التي وجه التحية لهما على وجه الخصوص.
خطاب ضمن التوجه السعودي
واللافت في مجمل الخطاب هو أنه جاء منسجما مع التوجه السعودي في اليمن والمنطقة، مع بعض الفوارق، ففي الوقت الذي شكر فيه اليدومي المملكة العربية السعودية على أدوارها في اليمن، ودعمها وإسنادها للشعب اليمني، تحدث عن إيران وتدخلاتها في اليمن، وهي ذاتها التي سعت السعودية للتصالح معها، والدخول في تهدئة في عدة ملفات، بينها ملف اليمن، ولعل هذه النقطة تكاد تكون الثابتة لدى مختلف القيادات اليمنية المناوئة للحوثيين، بما في ذلك مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، الذين لايزالون يوجهون اللوم لإيران في اليمن، رغم التقارب السعودي الإيراني.
خطاب اليدومي هذا العام خلا من الشكر لدولة الإمارات العربية المتحدة، واكتفى بتوجيه التحية للسعودية فقط، تارة لقيادتها، وتارة باعتبارها قائد التحالف العربي في اليمن، وربما ينسجم هذا الطرح مع حالة التوتر التي تسود العلاقة بين الرياض وأبوظبي، وهو ما يعزز أن الخطاب برمته يدور في فلك الأجندة السعودية، ولا يخرج عن إطارها.
الشراكة الجديدة
المفاجئة في خطاب اليدومي تمثلت بدعوته لتوسيع ما وصفها بقاعدة الشراكة، عبر تحالف سياسي عريض يشمل المجلس الانتقالي، والمكتب السياسي للمقاومة الوطنية، التي يرأسها عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق محمد عبدالله صالح، في سبيل توحيد الصف، وإنهاء الانقلاب الحوثي، وبناء الدولة الاتحادية، وترسيخ النظام الجمهوري، والحفاظ على سيادة الوطن، ووحدته، وسلامة أراضيه، وفقا لما جاء في الخطاب.
تعيد هذه الدعوة التأكيد على انسجام التوجه الإصلاحي مع الرغبة السعودية، فالرياض مؤخرا كرست جهدها لمحاولة توحيد كافة الفصائل اليمنية، في بوتقة واحدة، ولكن ليس من أجل إنهاء انقلاب الحوثي، كما جاء في خطاب اليدومي، ولكن لفرض خيار السلام، وإنهاء الحرب، وهي المهمة التي أنيطت بمجلس القيادة الرئاسي، ووردت ضمن مهامه في اتفاق نقل السلطة المعلن في السابع من أبريل 2022، عقب تنحية الرئيس عبدربه منصور هادي عن الحكم.
وللإشارة والتذكير هنا فعملية توحيد الفصائل اليمنية جرت فعلا من خلال تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، الذي ضم قيادات موزعة على أبرز التيارات الفاعلة حاليا داخل اليمن، بما في ذلك المجلس الانتقالي، والمقاومة الوطنية، وهي الأطراف التي حددها اليدومي في خطابه.
وهذه الدعوة تعكس العديد من الاستنتاجات، فإما أن مجلس القيادة الذي يضم كل تلك الأطراف لم يحقق الحضور والفاعلية المطلوبة منه في مواجهة الحوثيين، وفشل في إنجاح هذا الهدف، وبالتالي يجب البحث عن صيغة مختلفة للتحالف الذي طالب به اليدومي، أو أن المرحلة تقتضي تصحيح مسار هذا التحالف، ومعالجة الأخطاء التي برزت، والتي أشار إليها اليدومي أصلا في خطابه من خلال تذكيره بموقف الحزب الداعم لوحدة مجلس القيادة الرئاسي، وتمكينه من القيام بالمهام المناطة به وفقاً لإعلان تفويض السلطة.
إن أسباب عديدة في انقسام مجلس القيادة الرئاسي الذي دعا اليدومي لدعم وحدة قيادته يتمثل في عدة أسباب، أولا التباين الواسع بأجندة القيادات التي تشكل أعضاء المجلس منها، وهي انقسامات ولدتها التبعية للأطراف الخارجية، بين السعودية والإمارات، وثانيا الإرث السابق للصراع في اليمن، سواء ما قبل توحيد البلاد في العام 1990، كما هو الحال بالنسبة للمجلس الانتقالي، أو تداعيات الإطاحة بالرئيس السابق علي عبدالله صالح، في الثورة الشعبية التي شهدها اليمن في 2011م، ثم الانقلاب الحوثي 2014م، كما هو الحال مع مجلس المقاومة الوطنية الذي يقوده طارق محمد عبدالله صالح، نجل شقيق الرئيس السابق.
هذا التباين والإرث المستعر هو من يغذي الانقسام الراهن في تشكيلة مجلس القيادة الرئاسي، ويحول دون أي نجاح للمجلس، ولازال يهيمن على أدائه، ويعوق تقدمه، ويتحكم بقراراته، بل وعزز من فقدان الثقة بين أطرافه، وأفشل كل محاولات المضي في استكمال مهمة المجلس، كتوحيد التشكيلات العسكرية على سبيل المثال.
ورغم محاولات المجلس الظهور في حالة التماسك، إلا أن الأجندة تبدو مختلفة لدى كثير من القيادات التي يتشكل منها، ولم يحفظ بقائه، - ولو صوريا - سوى الضغوط السعودية التي يلتقي عندها جميع الأعضاء، ومسارعة الرياض دوما لاحتواء الخلافات، والمحافظة على المجلس، الذي يعد من صنيعتها.
ثم إن كثير من صور التضحيات التي قدمها الإصلاح وتحدث عنها اليدومي في خطابه، كانت بسبب ذات الأطراف المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي، بما في ذلك طارق صالح الذي تحالف مع جماعة الحوثي في صنعاء، واشترك معها في الانقلاب على الدولة، مستهدفا حزب الإصلاح بشكل مقصود، وتسبب بأضرار كبيرة للحزب، لايزال يعاني منها حتى اليوم، أو المجلس الانتقالي الذي شن حربا ضارية على حزب الإصلاح في عدن ومدن جنوب اليمن، وانخرط مع الإمارات في حملة استهداف ممنهجة للإصلاح، شملت اغتيالات، وإحراق مقرات، ومطاردة قيادات الحزب، ووصلت حد حظر الحزب، واعتباره جماعة إرهابية.
رياح التحالفات
لذلك فإن الدعوة لهذا التحالف، الذي ينادي به اليدومي - أيا كانت التصورات عنه - تحاكم المرحلة الراهنة للبلد، لكنها في نفس الوقت تعيد التذكير بالتحالفات التي عقدها حزب الإصلاح طوال مسيرته السياسية والحزبية، ومثلت شراعا آمنا له، ومخرجا مناسبا، خاصة في المحطات المفصلية.
كانت أولى تلك التحالفات، الدخول في تحالف مع حزب المؤتمر الشعبي العام في العام 1994م، لمواجهة حرب الانفصال التي أعلنها الحزب الاشتراكي اليمني، وحسمها الحزبين، واستمر تحالفهما في إطار تقاسم إدارة الدولة، حتى انفض ذلك التحالف في ثاني انتخابات برلمانية شهدها اليمن في الـ27 من أبريل 1997م، حينما حقق حزب المؤتمر أغلبية مريحة في مجلس النواب، وتراجعت مقاعد الإصلاح في البرلمان.
ورغم خروج حزب الإصلاح من السلطة، إلا أنه ظل قريبا من الرئيس السابق علي عبدالله صالح، واختاره مرشحا له قبل حزب المؤتمر في أول انتخابات رئاسية باليمن عام 1999م، وظل حينها الحزب في نقطة وسطى، بعيدا عن للمعارضة، قريبا من الحزب الحاكم.
غير أنه عاد للتحالف السياسي من جديد، وانضم رسميا للأحزاب المعارضة لنظام حكم صالح، من خلال الدخول في واجهة سياسية جديدة، ممثلة باللقاء المشترك، الذي أُعلن عن تأسيسه في السادس من فبراير 2003م، وضم عدة أحزاب سياسية، كان بعضها يرى في الإصلاح خصما، وخاض معه صراعا دمويا، كالحزب الاشتراكي اليمني، أو يعتبره نقيضا كالتنظيم الوحدوي الناصري.
حقق الإصلاح العديد من المكاسب في انضوائه داخل اللقاء المشترك، وقدم نموذجا للحزب ذو التوجه الإسلامي القادر على الانصهار في بوتقة السياسة، والتحول نحو البرجماتية الكلية، وخلق توازنا مهما أمام النظام الحاكم، واستطاع أن ينجو من عاصفة الحرب على التنظيمات السياسية الإسلامية التي تعرضت للأذى عقب أحداث 11 سبتمبر من العام 2001م حين أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب على الإرهاب في أنحاء العالم، ردا على استهداف تنظيم القاعدة برج مركز التجارة العالمي.
هذا التحالف الذي مثل تجربة سياسية تستحق التقدير، ظل محافظا على تماسكه، مستمدا من معارضة نظام صالح سببا للتوحد والصمود والبقاء، ولكنه انهار تدريجيا مع الإطاحة بصالح من السلطة، ودخول الأحزاب التي يتشكل منها شريكا لحزب المؤتمر في حكومة الوفاق الوطني التي تشكلت برئاسة محمد سالم باسندوة الـ27 من نوفمبر 2011م، ثم شهد تصدعا أكبر، مع انقلاب جماعة الحوثي، واسقاط العاصمة صنعاء بيدها، وتعمقت بين أحزب المشترك حالة فقدان الثقة، وصولا للافتراق التام في التصورات والرؤى.
تحالفات حديثة
كانت تلك المحطات من التحالفات التي انخرط فيها حزب الإصلاح قبل سقوط الدولة اليمنية، واندلاع الحرب التي لاتزال تلقي بظلالها على المشهد في اليمن، لكن في مرحلة ما بعد الحرب، دخل الحزب في تحالف جديد أطلق عليه " التحالف الوطني للقوى السياسية اليمنية"، والذي أعلن عنه في الرابع عشر من أبريل 2019م بمدينة سيئون التابعة لحضرموت، بالتزامن مع انعقاد أول جلسة للبرلمان اليمني بعد الحرب، وتشكل من 18 حزبا وتيارا سياسيا، وكان من أبرز أهدافه دعم شرعية الرئيس عبدربه منصور هادي، والتأكيد على الالتزام بالمرجعيات والثوابت الوطنية.
لايزال هذا التحالف قائما، غير أنه لم يمتلك الفاعلية الكافية لتعزيز دوره، وتقديم موقف موحد تجاه الكثير من القضايا، وكان التشظي والافتراق هو الحالة السائدة في أدائه، وذلك بسبب ظروف الحرب التي عطلت كل مناحي الحياة، وجعلت الكلمة الأولى للبندقية، والتأثير الخارجي الذي عطل النشاط الحزبي، وخلق حالة حادة من الاستقطاب لكثير من الأحزاب.
ومنذ ميلاد هذا التحالف طرأ في المشهد العام باليمن كيانات جديدة، فرضت نفسها وفقا للعديد من العوامل، لعل في مقدمتها ظروف الحرب نفسها، والتدخل الخارجي في صناعة مسار الأحداث، وهي هنا المجلس الانتقالي، والمقاومة الوطنية، والتي جرى دمجهما لاحقا في مجلس القيادة الرئاسي.
ثم إن التحالفات التي فرضتها ظروف الحرب، لم تشهد ثباتا في المواقف، وظلت أسيرة التحكم الخارجي، ففي السابق على سبيل المثال أبدى التحالف الوطني للقوى السياسية دعمه للرئيس هادي، وعندما تمت إزاحة هادي بتلك الطريقة من الحكم، لم يصدر عن التحالف أي موقف، بل بارك عملية نقل السلطة، ثم ظهر بعد ذلك داعما لمجلس القيادة الرئاسي، وهو ما أفقده إحداث تأثير حقيقي، وجعل مواقفه ردود فعل لا أكثر.
لذلك تبدو التحالفات الخيار المناسب لحزب الإصلاح في لحظات كهذه التي يعيشها اليمن، وهي قد تبدو معبرة عن إيمان الحزب بالشراكة السياسية لمختلف القوى الفاعلة في الساحة، ولكنها أيضا تعد خيارا مفضلا للحزب، بل وربما مُلحا، كسابقاتها من التجارب، لتحقيق العديد من المكاسب، والنجاة من العواصف، وهي أيضا تقفز على حقائق كثيرة، لعل أبرزها التضحيات التي قدمها أعضاء الحزب طوال عقد كامل من الحرب، وتستوجب المسائلة والعقاب لمرتكبيها، وليس تجاهلها، وتقديمها قربانا لتحالفات جديدة، معرضة للانهيار في أي لحظة.
غير أن التساؤل الذي يبقى هنا يتعلق بالأطراف الأخرى، كيف ستتقبل دعوة الإصلاح الجديدة لتشكيل تحالف عريض، وهل تخدم الظروف الراهنة ولادة تحالف جديد، خاصة مع تحكم الأطراف الخارجية بالمشهد الكلي في اليمن؟
المصدر
المصدر: الموقع بوست
كلمات دلالية: التجمع اليمني للإصلاح الأحزاب السياسية اليمنية السعودية اليمن الموقع بوست مجلس القیادة الرئاسی المجلس الانتقالی جماعة الحوثی عبدالله صالح هذا التحالف حزب المؤتمر حزب الإصلاح الإصلاح فی بما فی ذلک العدید من فی الیمن الحزب فی من خلال
إقرأ أيضاً:
من النول إلى الخشبة: قراءة في العرض الهندي رقصة النسيج
أتاح لي مهرجان بغداد الدولي للمسرح في دورته السادسة، ومهرجان الدّن الدولي في دورته الخامسة 2025م فرصة مشاهدة العرض الهندي (نيثي- رقصة النسيج)، الذي يُعدُّ حسب مخرجة العمل ومصممة رقصاته وممثلته Rima Kallaingal (ريما كلينغال) مشروعًا يتصل بقضية تمكين المرأة اجتماعيا واقتصاديا في المجتمع المحلي في ولاية كيرالا، حيث يقف وراء العمل حادثة الفيضانات التي أغرقت الولاية في عام 2018م، ما أدّى إلى تضرر الحرفيين والنسيج والأدوات اليدوية التي تدخل في صناعته.
منذ اللحظات الأولى لمشاهدتي العرض، لم أخفِ إعجابي به، وظللت منشغلة بالتفكير في فكرته وبنيته الجمالية، ورشاقة أجساد الراقصين، وتساءلت هل هناك مشروع ثقافيّ يقف وراء هذا الجهد؟ ما الرسالة التي يود العمل قولها؟ وما القضية التي يريد لفت أنظار المتفرجين في العالم كله إليها؟
حتما كان هناك فريق من الفنانين الذين تعاونوا في إنجاز هذا العرض، وعلى رأسهم المخرجة نفسها، فهي إلى جانب احتراف التمثيل، تعمل منتجة أفلام، ومسؤولة أكاديمية (مامانغام) لتعليم الرقص المعاصر، وهي نقطة تؤشر على قدرة امتلاك الجسد المسرحي عناصر استمراره، ودلالة على أهميّة أن يمتلك الفنان والمؤدي مشروعًا فنيًا جماليًا يعمل على تنميته واستدامته.
ما الذي شدّني إلى رقصة النسيج؟
استقى العرض عناصره من منظور الرقص المعاصر أو الكوريغرافيا (فن تصميم الحركة والرقص) أدى هذا إلى تغييب اللغة واستخدام الحوار بنسب ضئيلة واضحة. إن الدرامية في المسرح الراقص المعاصر تتشكّل تعبيريًا بالأداء الجسدي، والإيماء، والموسيقى، تضافرت العناصر جميعها مع أصوات النول الطبيعية والمطر (الماء) وإيقاع أقدام المؤدين، فنجح العرض في أن يجمع من حوله الجمهور دون أي عناء.
كما لا أخفي إعجابي الشخصي بالعروض المسرحية التي تستند إلى المجاميع الكبيرة، فالعرض يعدّ فرصة جيدة لتعميق الأفكار المسرحية حول هذا الاشتغال؛ حيث الطقوس والرموز العميقة التي تقترن بالمسرح في حضارة الشرق (الصين والهند)، فلا يقدم العرض طقسا هنديا تقليديا يقوم على الرقص والإنشاد والإيماء أو تناول تصورات دينية وفلسفية معينة كما هو الحال في الدراما الهندية الكلاسيكية، لكنّه يوسع دائرة الانشقاق عن تقاليد المسرح الغربي ويمنح فضاء الكوريغرافيا- كما يذكر المعجم المسرحي- "كفن تصميم الرقص في العرض الفني والعرض المسرحي مجالا إبداعيا هامًا مع تداخل الفنون [...] يتشكّل البعد الكوريغرافي للعرض المسرحي عبر العلامات الحركية التي تنتج عن تنوعات شكل الأداء وعن حركة الجسد على الخشبة ووضعه في الفضاء المسرحي، وعن التجانس أو التعارض بين الكلام والحركة"، وقد تجلّت هذه السمات بوضوح في رقصة النسيج؛ إذ مزج العرض بين الكوريغرافيا والفيلم الوثائقي والموسيقى الحية، مستعيضًا عن البناء الحكائي التقليدي بسلسلة من اللوحات الأدائية المستمدة من مراحل صناعة النسيج اليدوي.
قدم لنا العرض رقصا يستند إلى الرقص الحديث، فغاب كما يذكر ضياء الشرقاوي (المسرح الهندي المعاصر) الأداء التقليدي المعروف من إظهار تفاصيل تركز على "الملابس والمناظر إلى حركات الرقبة والحواجب، ومختلف أوضاع الجسم في الرقصات المختلفة".
السؤال الذي يطرح نفسه بحسب باتريس بافيس: كيف انتقل النقاش بعد مشاهدة رقصة النسيج من مساءلة الحكاية والتخييل والشخصيات والطابع المحاكاتي للعرض، إلى الكيفية التي خُلق، ورُكب، ورُتب فيها العرض؟
لا يبدو هذا التحول بعيدًا عن جماليات مسرح ما بعد الدراما؛ فالعرض لا يقدّم شخصيات فردية تخوض صراعًا دراميًا متدرجًا، ولا يعتمد حبكة تنمو وفق منطق السبب والنتيجة، بل يبني معناه من تتابع اللوحات الحركية والإيقاعات الجسدية والصور البصرية. لذلك ينصرف انتباه المتفرج من سؤال: ماذا سيحدث لاحقًا؟ إلى سؤال آخر أكثر اتصالًا ببنية العرض: كيف يُنتج الجسد المعنى؟ وكيف تتجاور الحركة والموسيقى والصورة الوثائقية لتشكيل التجربة المسرحية؟
إن إجابة السؤال السابق تكمن في موضعين، الأول ينبغي لفت الانتباه إلى أن التطور في العروض المسرحية المعاصرة نقلا عن (محمد سيف: قراءات في المشهد المسرحي المغربي) تحت ما يسمى بمسرح ما بعد الدراما، تستأنس إجمالاً بإدخال جماليات أخرى كالسينما، والرقص، والسيرك، والفنون التشكيلية، والتقنيات الجديدة [...] من خلال دمج التصورات السينمائية الخاصة، لتغذية أشكال جديدة بواسطة الوسائل المسرحية التقليدية مثل تأثير المونتاج وتأطير الحدث والتركيز على مقاطع معينة أو توسيع مجال الرؤية واعتماد اللقطات القريبة والمتوسطة والبعيدة البانورامية". والموضع الثاني يتمثّل في انطلاق فكرة العرض من حادثة واقعية جرت أحداثها في قرية "شيندامنغالام" في ولاية كيرالا، ولا مجال فيها للتخييل.
تنهض خلفية العرض على كارثة الفيضان الذي دمر البيوت وأغرق الحياة بالماء، وعمال النسيج اليدوي الذين فقدوا حرفتهم. أما في العمق هناك هيمنة الآلة والمصانع الجاهزة وتعطيل حياة الأسر المنتجة، ينقلنا هذا إلى مساحة أكبر لتوسيع دائرة الحدث المسرحي، فيما تناوله الباحث أرسلان درويش في ورقته المعنونة بـ(مسرحية رقصة النسيج- الهوية الهندية والجسد المعاصر في نول الهُجنة) ضمن إشارات ثقافيّة ناقدة يطرحها حول اشتغال الجسد في فضاءات مختلفة للتعبير عن التاريخ، والثقافة، والهوية، وكأداة للتفاوض مع السلطة، كذلك إشارته بسؤال الاستفهام الاستنكاري الذي طرحته الناقدة الهندية غاياتري سبيفاك: هل يستطيع التابع أن يتكلم؟
تبدأ رحلة القماش بمرحلة تشافيتو Chavittu) بمعنى الوطء، أو الدُوس، وهي أقدم مراحل إعداد النسيج اليدوي وأكثرها التصاقًا بالحسّ الجسدي، حيث يطأ الحرفيون حزم الخيوط المبللة بأقدامهم الحافيّة في حركة إيقاعية تساعد على توزيع المادة وتقوية الألياف وتليينها بالتساوي. يتبع التشافيتو مرحلة صباغة القماش واكتسابه ألوانًا جديدة فيما يعرف بالتحوّل، يليها مرحلة الغسل فالتجفيف والصبر في انتظار أن تجف الخيوط التي جرى توزيعها في الولاية عبر الساحات متلألئة تحت الشمس، فالمرحلة الخامسة الخاصة بمدّ الخيوط في الشوارع، بعدها يبدأ عمل عجلة الشّركا أو اللف، للوصول إلى المرحلة الأخيرة ممثلة في النسج حيث تحاكي الكوريغرافيا بنية النول في أداء منضبط دقيق.
الناظر إلى تقاليد الثقافة الهندية الكلاسيكية في رقصة النسيج، يشاهدها حاضرة بوضوح في إيقاعات المؤدين، والأزياء التقليدية التي تشير إلى سمات الشخصيات وأوضاعها الاجتماعية، ولا ننسى هنا، صوت الماء المتداخل مع آلة اللف، فجميعها خلقت سينوغرافيا رمزية وجمالية آسرة لفضاء الخشبة، إضافة إلى الدمج بين الرقص والسينما الوثائقية، عندما افتتح العرض بلقطات حقيقية للفيضانات التي دمرت الولاية، وأقدام الحرفيين وحركة الخشب مع إيقاعات الموسيقى الهندية التقليدية، لكن بأسلوب معاصر.
إن الفعل الدرامي الحاصل في رقصة النسيج، شكّل من التغذية المتداخلة للفنون (مسرح، وسينما وثائقية، وموسيقى، وكوريغرافيا) تعمل مجتمعة على التعبير الجسدي لتقديم رؤية بصرية فوق الخشبة للتعبير عن وحدة في الزمان والمكان، فاللوحات السبع نسجت حكاية المسرحية، في خط تتابعي لم يقصِ التراتبية لكنه طورها في أداءات رشيقة وأنيقة.
إذا كنا لا نستطيع الفصل بين اللوحات، فبإمكاننا على سبيل التمثيل الإشارة إلى اللوحة الرابعة، حينما تُترك الخيوط لتجف فيكون وضعها على الحبل أشكال عدة للنساء العاملات، خاصة وهي في بيتها أو في ساحات مدّ الخيوط فنشاهد وضعيات لعُقد المرأة أو ما يشبه طوق الورد الذي يرتديه الرجال والنساء حول الرقبة في الثقافة الهندية العريقة (الجارلاند) (Garland) أو "المالا" (Mala)، ويحمل دلالات عميقة اجتماعية وروحانية ذات أبعاد رمزية غائرة في المعتقد الهندوسي. أما اللوحة السابعة، حيث يلتقي السدى واللحمة؛ الخيوط الطولية والعرضية متشابكة لتصنع النمط والشكل الذي ينتهي إلى وَحدة القماش كله ثوب الساري (Saree / Sari) الهندي التقليدي، نشاهده يملأ فضاء خشبة المسرح. وبهذه النهاية يكتمل العرض، الذي ابتدأ بالممثلات يرتدين الثوب التقليدي ليبدأن في رقصة النسيج، يتخففن من الساري وينطلقن في العمل ثم يعدن إلى ارتدائه ليحققن جمالية استثنائية للخشبة، في عرض أوصل رسالته بالأداء الراقص في سهولة ويسر.
لعل ما يمنح "رقصة النسيج" فرادتها أنها لا تكتفي بتحويل حرفة يدوية إلى موضوع مسرحي، بل تجعل من الجسد نفسه نولًا حيًا تنسج عبره الذاكرة والهوية والعمل الجماعي. وهكذا يغادر المتفرج العرض وهو لا يتذكر حكاية الفيضان فحسب، بل يتأمل أيضًا قدرة الفن على إعادة ترميم ما تهدمه الكوارث، وتحويل الألم الإنساني إلى لغة بصرية تتجاوز الحدود والثقافات.