هل إيران جاهزة لمواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل؟
تاريخ النشر: 6th, October 2024 GMT
منذ فبراير 1979 وحتى أبريل 2024، حوالي 45 عاماً من العداء المعلن بين إيران وإسرائيل. خلال هذه الفترة، لم يكن البلدان قد دخلا في أية مواجهة مباشرة ومعلنة، منذ تولي روح الله الخميني، الحكم بعد انتصار الثورة الإسلامية.
كانت الصواريخ والمسيرات التي أطلقتها إيران على إسرائيل، في الرابع من أبريل من هذا العام، "رداً" على استهداف قنصليتها في دمشق، أول مواجهة عسكرية مباشرة من نوعها بين البلدين.
لكن المواجهة عادت لتشهد جولة ثانية من القصف الصاروخي الباليستي الإيراني، الذي وصفته صحيفة "وول ستريت جورنال" بأنه "الأكبر من نوعه" في تاريخ الحروب، "رداً" على مقتل رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، إسماعيل هنية، واغتيال أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، مع ضابط إيراني رفيع هو نائب قائد العمليات في الحرس الثوري الإيراني، من قبل إسرائيل.
والعالم اليوم في انتظار رد إسرائيل على هذا الرد، الذي يتوقع أن يكون على أهداف إيرانية مباشرة، من بينها منشآت نفطية.
وطوال عقود، كانت المناكفات بين البلدين تجري عبر وكلاء إيران في المنطقة، خصوصاً حزب الله وحماس و"الجهاد الإسلامي"، ثم مؤخراً الميليشيات العراقية والحوثيين. وأحياناً كانت إسرائيل تنفذ مهمات استخبارية داخل الأراضي الإيرانية، قلّما كانت تعلن مسؤوليتها عنها.
أما اليوم، فتقترب أكثر فأكثر احتمالات حرب مباشرة بين إيران وإسرائيل، مع تحضّر الأخيرة لرد وصفته بـ"القوي" على الهجوم الصاروخي الإيراني الأخير.
ماذا نعرف عن المنظومة العسكرية الإيرانية؟تعتبر المؤسسة العسكرية بالنسبة إلى النظام الإيراني "أداة مهمة لحفظ النظام وديمومته"، كما يقول ضاري سرحان الحمداني في كتابه "سياسة إيران تجاه دول الجوار"، وتؤدي هذه المؤسسة "دوراً بارزاً ومؤثراً في الحياة السياسية الإيرانية على المستوى الداخلي والخارجي، نظراً لما تملكه من إمكانيات كبيرة تدعم هذا الدور".
لكن الحمداني يشير إلى أن "للحرس الثوري الغلبة والتفوق على باقي القوات الأخرى، مثل الجيش النظامي والباسيج"، حيث يطرح احتمال المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران أسئلة عن قدرة إيران على مواجهة إسرائيل عسكرياً بالأساليب التقليدية للحروب بين الجيوش النظامية.
إذ ليس لدى إيران تجارب كبيرة في هذا المضمار، سوى تجربة يتيمة في الحرب مع العراق التي استمرت 8 سنوات (1980-1988)، واستنزفت الجيشين الإيراني والعراقي على السواء.
وبعد تلك الحرب، قررت إيران تعزيز حضورها العسكري الخارجي عبر تأسيس "فيلق القدس" (التابع للحرس الثوري)، وعبر تسليح وتمويل ميليشيات تابعة لها في كل من العراق وسوريا واليمن ولبنان وقطاع غزة، بالإضافة إلى نشاطات لفيلق القدس في تمويل وتدريب جماعات شيعية في الجارة أفغانستان.
ومن المهم الإشارة إلى أن الحرب الإيرانية مع العراق، خلال حكم رئيسه الراحل صدام حسين، خاضتها إيران بشكل أساسي بأسلحة أميركية كانت بحوزة الجيش الإيراني، حصل عليها في زمن الشاه.
فحسب كتاب "أميركا وإيران/ تاريخ منذ عام 1720 حتى اليوم" لجون غازفينيان، "قفزت مشتريات إيران السنوية من الأسلحة من الولايات المتحدة من 113 مليون دولار إلى ما يقرب من 400 مليون دولار في عام 1971، ثم إلى 2.2 مليار دولار في عام 1973، ثم إلى 4.4 مليار دولار في عام 1974".
وفي الفترة من عام 1972 إلى عام 1977، "أنفقت إيران ما مجموعه 16 مليار دولار (حوالي 70 مليار دولار بأسعار اليوم) لشراء الأسلحة من الولايات المتحدة"، وتلك الأسلحة بمعظمها استولت عليها الثورة الإسلامية في إيران بعد توليها الحكم، حيث استخدمتها في حربها مع صدام حسين.
وأبعد من ذلك، يقول ريز إرليخ في كتابه "أجندة إيران اليوم"، إن الحكومة الدينية التي استولت على الحكم في إيران بعد الشاه، كانت في حاجة ماسّة إلى إعادة تنشيط ترسانتها.
وكانت إسرائيل تملك معظم الأسلحة الأميركية ذاتها، كالصواريخ وقطع التبديل للطائرات الحربية. ويُنقل عن تقرير في أرشيف الأمن القومي الأميركي بشأن فضيحة إيران-كونترا، أن "إيران كانت تحتاج بشدة ما كان بإمكان إسرائيل تزويده.. وطالما أن إسرائيل كانت تملك تلك الأسلحة في مستودعاتها، فإنها في غاية السعادة لتزويد إيران بها".
لكنه يشير إلى أن ما راهنت عليه إسرائيل تغير مع الوقت، وباتت إيران أكثر عداءً لإسرائيل من العراق.
تفوق جوّي إسرائيلي مقابل قدرات باليستية إيرانيةاليوم تتقدم إيران في الأرقام والترتيب العالمي للجيوش الأكثر تسليحاً وقوة على إسرائيل. فحسب موقع "globalfirepower"، تحتل إيران الترتيب الرابع عشر لعام 2024، فيما تأتي إسرائيل في المركز الـ17.
ووفق ورقة بحثية نشرها "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية" في مايو من هذا العام، لا يمتلك أي من الجيشين، الإيراني والإسرائيلي، قدرات عسكرية كافية لخوض صراع مستمر ومباشر مع الآخر.
وباستثناء القدرة النووية الإسرائيلية غير المعلنة، فإن الطرفين، حسب المعهد، يفتقران إلى القدرة على سحق الآخر عسكرياً.
المعهد ذكر أيضا أن إسرائيل تتمتع بتفوق جوي، وأسطول من الطائرات المقاتلة المتطورة، مثل "إف 15" و"إف 16" و"إف 35". ومع ذلك، يرى أن "استهداف عمق إيران يشكل تحدياً لوجيستياً يتطلب دعماً كبيراً".
وبالمقارنة مع إسرائيل، تفتقر إيران للإسطول الجوي الحديث، ولا تمتلك سوى طائرات قديمة تعاني من نقص في قطع الغيار.
فالتفوق الإيراني يبرز في الصواريخ الباليستية والصواريخ المجنّحة والمسيّرات، التي تُعتبر، حسب المعهد، "ركيزة أساسية لاستراتيجية الردع الإيرانية، مما يمكنها من ضرب عمق الخصم".
وقد استثمرت إيران بكثافة في تطوير ترسانتها الصاروخية، وأصبح لديها صواريخ بمدى يصل إلى 2000 كيلومتر.
وينقل المعهد تقديرات تعود إلى عام 2022، لقائد القيادة المركزية الأميركية كينيث ماكنزي، مفادها بأن إيران "تمتلك ما يصل إلى 3000 صاروخ باليستي"، فيما لا تزال النسبة المئوية للصواريخ القادرة على الوصول إلى إسرائيل غير معروفة.
وتمتلك إيران، وفق محمد رمضان أبو شعيشع في كتابه "إيران.. تركيا.. إسرائيل وصراع القوى في الشرق الأوسط"، قدرات عسكرية لا يستهان بها كقوة إقليمية في المنطقة، حيث تتكون القوات المسلحة الإيرانية من بنيتين رئيسيتين، هما الجيش النظامي والحرس الثوري.
وبلغ العدد الإجمالي للقوات المسلحة الإيرانية، وفقاً لتقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (2017)، نحو 545 ألف جندي، وقواتها الاحتياطية حوالي 350 ألف فرد، كما جاء في الكتاب.
وحسب أبو شعيشع، فإن حجم الواردات العسكرية الإيرانية ترتكز بشكل أساسي على الجانب الروسي. كما أن لدى إيران 7 مجموعات صناعية تنتج الأسلحة والمعدّات والذخيرة، وتعمل على تطوير الأسلحة وصيانة المعدات للجيش الإيراني وللحرس الثوري على حدّ سواء.
ومع ذلك، فإن الجيش الإيراني النظامي لم يختبر في حروب مباشرة إلا مرة واحدة في حربه الطويلة مع العراق.
وإسرائيل في المقابل، لها تجارب عديدة في مجال الحروب، فجيشها خاض حروباً في أعوام 1967 و1973 وصولاً إلى اجتياح لبنان عام 1982 ثم الحرب مع "حزب الله" في يوليو 2006، وتجارب عسكرية عديدة في قطاع غزة.
والآن يخوض الجيش الإسرائيلي بالتزامن، حربين في قطاع غزة وجنوبي لبنان، وهو يتمتع بخبرات كبيرة وبتمويل ضخم وبتسليح نوعي.
ماذا تخبرنا تجربة الحرب العراقية الإيرانية؟كانت الحرب الطويلة والمكلفة مع العراق في بداية نشوء الجمهورية الإسلامية الإيرانية، العامل الرئيس في تعديل مقاربة إيران لمسألة الأمن القومي منذ ذلك الحين، وفق الباحث شاهران تشوبين في كتابه "طموحات إيران النووية".
الإيرانيون عند إعادة النظر في تلك الحرب، "ازدادوا يقيناً من عداء العالم الخارجي تجاه الثورة الاسلامية"، كما يشرح تشوبين.
ويتابع: "الحرب مع العراق كانت بمثابة إنذار وعبرة في آن معاً. الإيرانيون الذين تفاجأوا من هجوم العراق، قرروا بألا يؤخذوا على حين غرة ثانية أبداً".
أما العبرة الأكثر أهمية، التي استخلصها الإيرانيون من تلك الحرب، حسب تشوبين، فهي أن "الاعتماد على القوات العسكرية التقليدية من أجل الردع، أقل فاعلية من الاعتماد على الأسلحة النووية".
ومن هنا يرى تشوبين أن إيران أعادت النظر في عقيدتها العسكرية التقليدية، وركّزت من جهة على أذرعها الخارجية، ومن جهة ثانية على تطوير مشروعها النووي.
ويبدو أن إسرائيل فهمت جيداً هذه العقيدة، فهي تقوم اليوم من جهة، بضرب الأذرع الخارجية لإيران، خصوصاً حزب الله وحماس، ومن جهة أخرى تبدو عين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، دائماً على برنامج إيران النووي.
"صراع نووي"؟تشير مؤشرات وتقارير إلى أن إسرائيل تمتلك السلاح النووي، لكنها لا تعترف بذلك بشكل علني أو رسمي. وحسب تشوبين، فإن هناك خصوصية لامتلاك إسرائيل سلاحاً نووياً "نظراً لوجود تهديد وجودي عليها، إضافة إلى إرث الهولوكوست".
ومع ذلك، يرى تشوبين أن قيمة الأسلحة النووية الإسرائيلية "محدودة في التعامل مع التهديد العسكري التقليدي للدول العربية أو الانتفاضات الفلسطينية الداخلية".
في المقابل، يصرّ المسؤولون الإيرانيون على أن "ليس لديهم طموحات لامتلاك أسلحة نووية"، من دون أن يغفلوا، كما يقول تشوبين، عن التنويه إلى امتلاك إسرائيل "الخطير" للأسلحة النووية، مما يعني من وجهة نظرهم أن "الاستقرار لا يمكن تحقيقه في المنطقة".
ويتابع تشوبين بالقول إن الإيرانيين "يكثرون من ذكر أسلحة إسرائيل النووية، لأنهم بذلك يحولون الانتباه عن الاتهامات المتعلقة ببرنامج إيران نفسه".
ورغم أن إيران الرسمية لا تعلن عن نيتها العمل على امتلاك سلاح نووي، فإن هذا الأمر يشكّل في المقابل هاجساً للإسرائيليين، خصوصاً لنتانياهو.
وفي كتاب بين كاسبيت عن "سنين نتانياهو"، يتحدث الكاتب الإسرائيلي عن "هوس" رئيس الوزراء بإيران، فهو خلال سنوات تزعّمه المعارضة في إسرائيل، "كان يضع في مكتبه لوحاً أبيض كبيراً كتبت عليه ثلاث كلمات في معظم الوقت، وكانت هذه الكلمات: إيران، إيران، إيران".
وكان زوّار المكتب، حسب كاسبيت، "يستمعون إلى عدد لا يحصى من المحاضرات حول هذا الموضوع، مصحوبة برسومات نتانياهو وعروضه التوضيحية المعتادة على اللوح الأبيض".
ويتساءل تشوبين في كتابه: "هل تسعى إيران لإمتلاك أسلحة نووية أو خيار نووي؟".. ويجيب: "في الحقيقة كلتا الغايتين يمكن أن تكونا منسجمتين مع أهداف وقيم ودروس النظام في إيران. إذ ليس ممكناً التمييز بينهما في بلد يؤكد على امتلاك دورة وقود كاملة وبرنامج صاروخي، ويسعى للحصول على اعتراف به في النادي النووي".
نحن إذاً إزاء إشكالية تتعلق بالردع المتبادل والهوس المتبادل بين البلدين فيما يتعلق بالأسلحة النووية، إذ يرى نتانياهو أن على إسرائيل أن تقطع الطريق على إيران وتمنع امتلاكها سلاحاً نووياً.
ويعتقد كثير من المراقبين أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، يسعى إلى إيجاد "فرصة لضرب المشروع النووي الإيراني وإنهائه"، معربين عن خشيتهم من أن يجرّ التصعيد الحالي بين البلدين، إلى مواجهة مباشرة لا يُستثنى منها الملف النووي.
المصدر
المصدر: الحرة
كلمات دلالية: الجیش الإسرائیلی ملیار دولار بین البلدین أن إسرائیل مع العراق حزب الله فی إیران فی کتابه من جهة إلى أن
إقرأ أيضاً:
هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو
لا يخرج الحاكم العسكري لبوركينا فاسو الجنرال إبراهيم تراوري من جدل إلا عاد إليه، فمنذ أن قاد هذا الشاب ذو الندبة الغائرة في الخد الأيسر انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس الانتقالي الكولونيل بول هنري سانداوغوداميبا -الذي كان هو الآخر قد وصل إلى السلطة عبر انقلاب على سلفهما- ظل هذا الجنرال شخصية مثيرة للانقسام ومحط أنظار الداخل والخارج.
ينحدر إبراهيم تراوري من عائلة مسلمة تنتمي إلى قبائل ديولا العريقة في غرب أفريقيا. التحق بالسلك العسكري عام 2010، وحقق صعودا سريعا داخل المؤسسة العسكرية، قبل أن يقود في 30 سبتمبر/أيلول 2022 انقلابا أطاح بشركيه في الحكم، ليتولى قيادة بوركينا فاسو بعد 12 عاما فقط من دخوله الجيش، في واحدة من أسرع الرحلات صعودا من صفوف المؤسسة العسكرية إلى قمة الحكم في القارة.
بيد أن تراوري لم يدخل القصر الرئاسي في واغادوغو حاملا مفاتيح سلطة مستقرة، بل ورث بلدا حبيسا غارقا في أزمات متشابكة. ومنذ ذلك الحين، انخرط الجنرال الشاب في حروب ومواجهات متشابكة، لم تتوقف عند جبهة واحدة، بل ظلت تتسع بإضافة ملفات جديدة إلى قائمة الصراعات المفتوحة، بعضها مرتبط بالهوية والتاريخ والأعراق، قبل أن تفرض القضايا الأخيرة نفسها كأكثر محطاته إثارة للجدل.
الحرب الرابعة.. العرب وطلاب الشريعةوفيما تتعدد الأزمات وتنقطع الطرق أمام الضابط الشاب، يبدو أن العرب ودارسي الشريعة الإسلامية هما هدف الحرب المقبلة للرجل الذي يخوض معارك على أكثر من جبهة دون أن يحرز حتى الآن الاختراق والنصر اللذين بشر بهما في ملفات بلاده الأكثر إلحاحا.
ففي أحدث تصريحاته التي أثارت موجة واسعة من الجدل، فتح تراوري ملفات بالغة الحساسية والتعقيد، تصدرها تاريخ العبودية في الذاكرة الأفريقية، إلى جانب واقع التعليم الديني في بوركينا فاسو، ما أعاد طرح تساؤلات حول توجهاته وأولويات المرحلة المقبلة.
إعلانوفيما وصفه كثيرون بمغالطة تاريخية كبرى، قال تراوري في 19 يوليو/تموز الجاري، إن الأفارقة تعرضوا لأكثر من ألف عام من الاستعباد على يد العرب، مؤكدا أن "آخر سوق للعبيد لم يُغلق إلا عام 1962″، في تصريحات أعادت إلى الواجهة نقاشا تاريخيا وسياسيا محتدما بشأن تاريخ القارة مع العسف الأوربي.
ولم تقتصر تصريحات تراوري على إعادة قراءة الماضي، بل امتدت إلى إعادة رسم سياسة بلاده تجاه التعليم الديني؛ إذ أعلن عزمه وقف ابتعاث الطلبة البوركينابيين لدراسة العلوم الشرعية في الخارج، والشروع في إعادة نحو 800 طالب يواصلون حاليا دراساتهم الإسلامية في عدد من الدول العربية.
ولوّح بإجراءات غير مسبوقة بحق من يرفضون العودة، محذرا من أن الإصرار على استكمال الدراسة في الخارج قد يعرّضهم لفقدان الجنسية البوركينابية.
وبرر هذه الخطوة -غير المألوفة في البلاد- بقوله إن دارسي الشريعة العائدين من الخارج يحملون معهم، بحسب وصفه، رؤى متشددة وأفكارا مؤدلجة تسعى إلى فرض أجنداتها داخل المجتمع، في حين يفتقرون إلى المهارات المهنية التي يحتاجها سوق العمل، في بلد يرزح تحت وطأة أزمات اقتصادية وأمنية متفاقمة.
لم تمر تصريحات الجنرال تراوري مرور الكرام على مسامع المستعربين الأفارقة، خصوصا ما يتعلق منها باعتبارهم -ضمنا- مشاريع إرهاب، وأن دراستهم في الجامعات العربية لا تفيد بوركينا فاسو.
وقد مثّلت تصريحات تراوري الأخيرة افتتاحا لجبهة رابعة في سلسلة المعارك التي يخوضها منذ وصوله إلى السلطة. وبينما التزمت العواصم العربية الصمت إزاء مزاعمه بشأن تاريخ العرب في أفريقيا، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بموجة واسعة من الانتقادات، إذ عدّها كثيرون مغالطةً تاريخية، تُحمّل العرب وزر حقبة العبودية، فيما تُغفل مسؤولية القوى الغربية عن قرون من تجارة الرقيق والاستعمار في أفريقيا.
ولم يكن الجدل أقل حدة في الأوساط الأكاديمية والفكرية الأفريقية، ولا سيما بين المستعربين وخريجي الجامعات العربية، الذين رأوا في حديثه عن دارسي العلوم الشرعية والثقافة العربية والإسلامية تشكيكا ضمنيا في مساراتهم العلمية، وتصويرا لهم بوصفهم حواضن محتملة للتطرف، واختزالا لسنوات تحصيلهم في الخارج في أفكار متشددة، مع إنكار ما يمكن أن تقدمه من إسهامات علمية ومعرفية لبلادهم.
وكانت المفارقة أن "الثائر البوركينابي" اختار لغة مستعمره السابق وعدوه الحالي ليتحدث بها عن تاريخ استعباد وهمي، متناسيا تاريخا قريبا من تجارة الرقيق الأفريقي وشحنه عبر السفن الأوروبية إلى منافي الجريمة والألم.
وفيما تتفاقم آثار تصريحات تراوري، سواء فيما يتعلق بضعف مصداقيتها التاريخية، فإنها أيضا متفاقمة في اتجاه الإجراءات التصعيدية التي اتخذها ضد المؤسسات والرموز الإسلامية في بلاده، وشملت حتى الآن:
سن قانون الحريات الدينية، الذي يحد من النشاط الدعوي والتعليمي ويمنع بناء المساجد في المؤسسات العمومية، كما يحظر التعليم الديني في المؤسسات التعليمية العمومية، ويعمل بمختلف مواده على تقوية وتعزيز الطابع العلماني للدولة والنظام. إغلاق أكبر مساجد العاصمة، وسط حالة من القلق والتوجس بشأن مستوى التقييد الأمني والقانوني التي تواجهها المساجد في عموم البلاد في ظل الأوضاع الجديدة. اعتقال كبار علماء البلد وعدد من الشخصيات والشباب الإسلامي وإرسالهم -وفق ما تردد في مواقع التواصل الاجتماعي- إلى معسكرات الجيش حيث لاقوا هنالك كثيرا من الجلد والإهانة والضرب. تهديد الطلاب المستعربين المغتربين في الدول العربية بسحب الجنسية إذا ما عادوا إلى البلاد لأنهم يمثلون خطرا عليها ولا يحملون معارف نافعة للبلاد. وبينما كان تراوري يشدد قبضته في الداخل، كانت رسائل مختلفة تُبعث إلى إسرائيل؛ فقد استقبل رسميا في واغادوغو السفير الإسرائيلي الجديد، سيمون سروسي، لتسلّم أوراق اعتماده، بعد أشهر من الغموض أحاطت بطلب اعتماده. إعلانفقد كشفت مجلة "أفريكا إنتلجنس" (Africa Intelligence) أن طلب الاعتماد ظل معلقا منذ صيف 2025 قبل أن يحظى بالموافقة بعيدا عن الأضواء.
ويبدو أن هذا الاستقبال العلني وضع حدا لمرحلة الحذر التي أحاط بها تراوري أي تقارب مع إسرائيل، حرصا على عدم المساس بصورته بوصفه قائدا مناهضا للغرب.
غير أن المشهد الجديد يعكس براغماتية متزايدة في إدارة العلاقات الخارجية، في وقت تسعى فيه إسرائيل لتكثيف حضورها الاستخباراتي والأمني في منطقة الساحل، مستفيدة من اهتمام دول التحالف بتقنياتها وخبراتها في مجالات الأمن ومكافحة التمرد.
وفيما يتوقع أغلب المراقبين أن تضيق هذه الحرب الخناق على نظام تراوري فمن المتوقع أيضا ألا تكون حربه الأخيرة كما لم تكن الأولى.
الحرب الثالثة.. ثورة على أنقاض الديمقراطيةليس العرب وتاريخهم في القارة، والرموز الإسلامية وما ارتبط بها من هيبة ومكانة في نفوس مسلمي بوركينا فاسو الجبهة الوحيدة التي يقاتل عليها تراوري، فللديمقراطية أيضا نصيبها من نيران الحرب التي تنطلق باتجاهات متعددة في ذلك البلد الأفريقي الحبيس.
وقد أعلن تراوري بشكل صريح رفضه التام للديمقراطية، حينما خاطب شعبه في فاتح أبريل/نيسان 2025 "لسنا في ديمقراطية، بل في ثورة تقدمية شعبية وعلى الجميع فهم ذلك".
ولكي يفهم الجميع ذلك بدأت مسارات التنفيذ الفعلي لتضييق متواصل على الحريات العامة في البلاد، فبعد وصوله إلى السلطة في سبتمبر/أيلول 2022، أطلق مرحلة انتقالية ممتدة لـ5 سنوات، قبل أن يصدر في يناير/كانون الثاني 2026 مرسوما بحل الأحزاب السياسية، بدعوى أن تكاثر الأحزاب أفضى إلى انحرافات، عززت الانقسام بين المواطنين وهشّشت النسيج الاجتماعي.
وفي الشهور اللاحقة شنت الحكومة حملة شعواء على الجمعيات والمنظمات الأهلية، أسفرت عن حل وتعليق 929 منها، بشبه وتهم منها عدم تجديد الهيئات أو التجسس أو شبهات تمويل الإرهاب وفقا للمبررات الحكومية.
ولم تكن المنظمات الطلابية بمنأى عن هذه الحرب العوان، حيث تم حل الاتحاد العام لطلاب بوركينا فاسو بعد انتقاده للتضييق على الحريات في البلاد.
الحرب الثانية.. إبراهيم تراوري في مواجهة فرنسا
تمثل فرنسا إحدى الكلمات المفتاحية في خطابات "ثوار" منطقة الساحل، حيث تتوجه إليها سهام النقد والتهديد، خصوصا أن تاريخها الأفريقي كان استعماريا، نهب الثروات وأهان الشعوب.
ولم يخف تراوري منذ أيامه الأولى عداوته لباريس، غير أن مسار التوتر وصل نهايته في يونيو/حزيران 2026 حين أعلن قطع علاقات بلاده بفرنسا متهما باريس بأنها تضمر طموحات استعمارية جديدة تتجلى بوضوح في دعمها النشط للشبكات التخريبية والإرهابيين "الذين يغرقون بلادنا ومنطقة الساحل في الحداد".
ولأن فرنسا بثقافتها وتاريخها أصبحت جزءا أساسيا من الهوية الأفريقية، فقد كان المجلس العسكري في بوركينا فاسو حريصا على تحقيق مناط العلاقة المقطوعة، معتبرا في بيانه أن قرار القطع "يتعلق حصرا بالإطار المؤسسي للعلاقات بين الدولتين على المستوى الدبلوماسي، ولا يشكك بأي حال من الأحوال في الروابط التاريخية والإنسانية والثقافية والاجتماعية التي تجمع بين الشعبين".
وفيما تزداد مشاعر الكراهية لفرنسا في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل خصوصا، وتتحول إلى ورقة يانصيب في أيدي الحكام الشباب في المنطقة، فإن ذلك العداء لم يجلب بعد للساحل الاستقرار، ولم يستطع الحليف الروسي ملء فراغ فرنسا في عالمها الأفريقي الذي صنعت أزماته، وصنعت كثيرا من قادته على أعينها.
الإرهاب الحرب الأولى.. خسائر متصاعدة وتصفيات عرقيةنالت بوركينا فاسو ربع الوفيات الناتجة عن الهجمات التي شنتها الجماعات الإسلامية المسلحة على مستوى العالم في العام الماضي، كما نالت أيضا 9 من 20 من الهجمات الأكثر دموية في العالم خلال عام 2024، وما زال كثير من سكان البلاد يعيشون بين نيران الجماعات المسلحة، ونيران المجلس العسكري.
إعلانوتذهب هيومن رايتس ووتش إلى أن الضحايا بنيران المجلس العسكري يفوقون ضحايا الإرهاب بأكثر من الضعف، أما المهجرون والنازحون داخل البلاد وخارجها فقد أنافوا على المليوني شخص.
وفيما تعلن الحكومة الثورية في واغادوغو من حين لآخر تمكّنها من القضاء على مئات من المسلحين، فإن اللهب ما زال يقتات بقوة من الأرض والناس في بوركينا فاسو (أرض الرجال الصادقين).
ويتداخل في "ملف الإرهاب" في منطقة الساحل العرق بالسياسة، حيث يتهم كثير من خصوم المجلس العسكري قيادته بممارسة التصفية العرقية ضد قومية الفولان، التي ينتمي إليها عدد كبير من مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الذراع الأكثر عنفا ودموية تجاه الجيوش والحكومات في منطقة الساحل.
وحتى الآن لا يدعي الرئيس البوركينابي تحقيق انتصار على الإرهاب في بلاده، ورغم افتخاره أكثر من مرة بأنه استطاع تحرير محاور طرقية كانت بيد الجماعات المسلحة، فإن الهجمات ما زالت متواصلة، وما زال الجيش يفقد كل أسبوع تقريبا عددا من جنوده وهيبته، ولا تزال الحرب عوانا بين أطرافها في بوركينا فاسو.
وبين تلك الحروب الأربع يسير الثائر البوركينابي بسرعة خطابية فائقة، وبكثير من التضييق على الحريات وقليل من الانتصار في معارك متعددة الأوجه كثيرة الضحايا واللهب.
إرث سانكارا.. الحرب الأخيرة على صورة الثائر
في فترته الأولى، قدّم تراوري نفسه وقدمه أنصاره باعتباره امتدادا لإرث توماس سانكارا، الزعيم البوركينابي الذي لُقّب بـ"تشي غيفارا أفريقيا" بسبب خطابه المناهض للاستعمار ودعوته إلى الاستقلال الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ومواقفه الرافضة للهيمنة الفرنسية والداعمة لحركات التحرر، بما فيها القضية الفلسطينية.
غير أن إرث سانكارا بدأ يتآكل بين يدي تراوري الذي أدار الظهر للقضية الفلسطينية، وتوجه إلى الحضن الإسرائيلي، كما أنه انغمس في راديكالية علمانية متطرفة، طالما انتقدها المتنورون الأفارقة على المستعمر الغربي وخصوصا فرنسا التي يقولون إنها جعلت من محاربة الإسلام ورموزه جزءا أصيلا من سياستها الثقافية في أفريقيا طيلة عقود من الزمن.
وفيما تزداد الأمور تعقيدا أمام خطوات تراوري فإنها أيضا تكشف عن غياب مشروع نهضوي أو فكري متماسك، عكس كما كان يميز سانكارا، بل تبدو السلطوية وخطاب القوة، والسير المتعجرف بين حقول ألغام السياسة والأمن أبرز ما يميز الثائر الشاب، والعدو الأكثر صراحة للاستعراب الأفريقي حتى الآن.