أتباع الحركة الإسلامية السودانية دوما خارج التاريخ و يتأهبون الآن لكي يغادرون حتى هامش التاريخ في سيرهم المعاكس لمجد العقلانية و إبداع العقل البشري و المؤكد أنهم سيستمرون في تدمير كل الجسور التي تربطهم بعالمنا المعاصر حيث أصبحت البشرية و لأول مرة في التاريخ بعد الثورة الصناعية تعيش تاريخ مشترك للإنسانية كافة و بالتالي يصبح الإنكفاء و الإلتواء كحيلتين يمارسهما أتباع الحركة الإسلامية السودانية لا تفتحان إلا على نهايتهم التراجيدية و ما أكثر مثقفيهم التراجيديين و هم يقدمون مشروع سياسي لا يمكن تحقيقه على الإطلاق في زمننا زمن عقل الأنوار و أفكار الحداثة.


و المؤكد ما كانت بداياته خاطئة كمن يزرع الريح فلا يحصد غير العاصفة و هذا ما حصل لأتباع الحركة الإسلامية السودانية فهم تراجيديين بلا منازع و يريدون أن يجروا السودان بأكمله الى الهاوية. إنفتاح شهية الكيزان للعودة للسلطة من جديد مؤشر يدل على أن مستوى وعيهم متدني لدرجة بعيدة و خاصة و هم قد صدّقوا بأن الحركة الإسلامية قد حفرت عميقا لكي تتشبث بالحكم في السودان و من طبقات حفرياتها الكامنة ما قامت به اللجنة الأمنية بقيادة البرهان و كباشي مع حركات دارفور بقيادة مناوي و جبريل و معهم مالك عقار و أردول و بهذه السهولة يمكنهم الرجوع للسلطة و بعدها يمكنهم التخلص من جبريل و مناوي و عقار و غيرهم من المغفلين كما تخلصوا من قبل من توابعهم في إنقلاب الكيزان 1989.
المضحك أصبح أتباع الحركة الإسلامية أمثال حسن مكي و غيره من الكيزان يستطيع أن يزيح لثامه و يتحدث كما كان يتحدث قبل سقوط حكمهم و بنفس إبحارهم في وثوقياتهم و يقينياتهم داخل سياجاتهم الدوغمائية و هم مطمئنيين للاهوت القرون الوسطى و كأنه لم يتعظ مما حصل للسنوار و حماس و حسن نصر الله و حزب الله و كيف رأي بعينه كيف ذهب حزب مع الريح و كيف فتحت حماس أبواب الجحيم على نفسها و مواطني قطاع غزة و هذا هو حال الإسلاميين في أي مكان و أي زمان.
فهم خطر على أنفسهم و خطر على المجتمع خطر على أنفسهم لأنهم لم يدركوا بعد بأن زماننا قد أصبحت أحداثه متسارعة لدرجة بعيدة و ها هو منجل الحصاد الأبدي و مكنسة الفنى الأبدي تبداء في كنسهم من على مسرح الأحداث في مصر و بسببهم قد لعب سيسي مصر دور نابليون و قطع طريق الثورة و في تونس قطع الغنوشي بعشريته الفاشلة طريق ثورة تونس و بأوهامهم أضاعوا على السودانيين ثلاثة عقود من حكم التسلط بلا حدود و النتيجة تظهر في تدني مستوى وعي نخب الكيزان قبل أن يفيض تدني مستوى الوعي على بقية النخب المتواطئة مع الكيزان و خطابهم الديني المنغلق.
ها هي الخاتمة في ذهاب حزب الله مع الريح في غضون أسبوعيين لا أكثر بعد أن خطف لبنان و اللبنايين لمدة أربعة عقود و ها هي حماس بعد ثلاثة عقود و قد عرقلت طريق فتح للسلام و حل الدولتين خلال سنة تفقد كل رصيدها و يفقد معها الفلسطيين أي أمل و ها هي غزة بعد سيطرة حماس و هي صنيعة إسرائيلية هدفت إسرائيل لتقويتها لكي تضعف بها فتح خلال ثلاثة عقود ها هي حماس خلال عام تفقد كل أرصدتها و تصبح خارج التاريخ.
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الوحيد الذي إنتبه لخطورة الخطاب الديني المنغلق و قال بأنهم معهم و بهم و يقصد رجال الدين لا يمكن أن تحدث عبر فكرهم تنمية و لا يمكن أن تكون هناك أفكار حداثة و قد تجاوزهم و قدم مشروع 2030 و ارتاحت السعودية من إزعاجهم و بداءت أول خطواتها في تصالحها مع نفسها و مع العالم.
عليه نقول للنخب السودانية أن الشعب السوداني أنجز ثورة ديسمبر و كان متقدم على نخبه الفاشلة و قد أضاعوا الثورة بتدني مستوى وعيهم حيث غاب السياسي بالمعنى المعاصر و هو المتسلح بالفلسفة السياسية و الفلسفة الإقتصادية لكي يعبر بالشعب مع أقلية خلاقة تظهر في لحظات إنقلاب الزمن مدركة لمعنى الشخصية التاريخية و هي تنبع من صميم تاريخ الذهنيات لكي تفارق عقل جمعي خانع و مجسد لتاريخ الخوف تجسد بسبب الأفكار المتكلسة التي طرحها الإسلاميين في سيرهم المعاكس لأفكار الحداثة.
و للأسف كان جبن النخب السودانية و عدم شجاعتهم في مجابهة التحدي و التغلب عليه و بدلا من مجابهة التحدي نجدهم قد ساروا في طريق تواطؤهم مع الخطاب الديني و لذلك تجد طرح النخب السودانية المتواطئة مع خطاب الكيزان و من عناوينه المؤالفة بين العلمانية و الدين و المساومة التاريخية بين اليسار السوداني الرث و اليمين السوداني الغارق في وحل الفكر الديني و مهادنة الطائفية و الشيوعية السودانية المتكلسة و كذلك نجد تواطؤ اليسار السوداني الرث في حوار حول الدولة المدنية و في آخر مطافه يقدم علمانية محابية للأديان في طرح محمد ابراهيم نقد.
تواطؤ النخب السودانية و إلتواءهم مع خطاب الإسلاميين جعل الساحة السودانية لا تستطيع أن تقدم شخصيات تاريخية تظهر في لحظة إنقلابات الزمان كلحظة ثورة ديسمبر قد ولدت الثورة في غياب شخصية تاريخية مثل مارتن لوثر كشخصية تاريخية قد تحدى تاريخ الخوف و قدم فكرة الإصلاح الديني في لحظة إنقلاب زمان أو روزفلت أيام الكساد الإقتصادي العظيم و قد أحاط نفسه بالمشرعيين عندما أدرك بأنه في لحظة إنقلاب زمان فيه تنتهي فلسفة التاريخ التقليدية و على يدية تولد فلسفة تاريخ حديثة و بالتالي أن الليبرالية التقليدية في طريقها للأفول لكي تحل مكانها ليبرالية حديثة.
لهذا أي بسبب غياب الشخصية التاريخية التي تسوق أمواج ثورة ديسمبر يعتقد أمثال حسن مكي و عبد الوهاب الأفندي و غيرهم من من تخلّقوا في رحم الحركة الكيزانية السودانية بأنهم على موعد دائم مع التاريخ و موعد مع الحضارات و هيات و نقول لهم الموعد مع التاريخ و الموعد مع الحضارات عمره لا يخرج من اليقينيات و الوثوقيات بل يخرج من غياهب الشك و مشاريع النقد التي تفعّل القطيعة مع التراث الديني المؤدلج و تفتح على نزعة إنسانية لاتفسرها غير معادلة الحرية و العدالة في الفكر الديمقراطي الليبرالي بعيدا عن أوهام مشاريع الإسلاميين و دكتاتورية البروليتاريا عند أتباع الشيوعية السودانية المتكلسة و كلاهما أي الشيوعي و الكوز لم و لن ينتصرا للفرد و العقل و الحرية و كلاهما ثمرة لا تنبت غير نظم شمولية بغيضة و لا يقل قبحهما عن النازية و الفاشية و لكن بسبب غياب الشخصية التاريخية في السودان فقد أزهرت أزهار الشر في السودان و ظهرت في تكلس الشيوعية السودانية و تواطؤ النخب السودانية مع خطاب ديني مؤدلج.
فيلسوف مصر عبد الرحمن بدوي في مذكراته يتحدث عن خنوع النخب المصرية في زمن جمال عبد الناصر خلال عقدين و الى رحيل عبد الناصر يقول عبد الرحمن بدوي أن النخب المصرية قد صارت على مستوى من تدني الوعي يثير الرثاء و فقدت النخب المصرية الصفات التي تمكّنك و تجعلك أن توصفهم بأنهم قدر المسؤولية و أغلبهم تابعيين للمخابرات و الأمن المصري يتلصصوا و يتجسسوا على بعضهم البعض و لا يمكن أن تثق فيهم من أعلى مستواياتهم الى أدنى مستوياتهم.
لذلك قال عبد الرحمن بدوي أن عبد الناصر قد خلق في النخب المصرية الإلتواء و عدم مجابهة أي تحدي و معه الشيوعيين في مصر بسبب ضجيجهم قد دمروا كل قنوات الثقافة و كل مجال يمكن أن يساهم في تنمية الوعي و المضحك أن عبد الرحمن بدوي يتحدث عن عقدين لجمال عبد الناصر فما بالك بالنخب السودانية و هي تحت نير الكيزان لثلاثة عقود و كيف تتخيل تدني مستوى وعيهم لدرجة تحجبهم عن كتابات اماني الطويل و هي تكتب بروح المخابرات المصرية و أمثالها جعل عبد الرحمن بدوي يقطع العشم في أي إصلاح سيحدث في مصر في ظل نخب أغلبها تتلصص و تتجسس على بعضها البعض من أعلى الهرم في الدولة الى حضيضه.
و المحزن نخب مصرية بهذا المستوى المتدني الذي تحدث عنه فيلسوف مصر عبد الرحمن بدوي يستطيعون عرقلة التحول الديمقراطي في السودان و أقصد ليس لذكاءهم الفائق بل بسبب تدني وعي النخب السودانية الذي يسجل درجة أقل في مستوى الوعي من وعي النخب المصرية المتدني و قد تحدث عنه فيلسوف مصر عبد الرحمن بدوي و لمن أراد المزيد فليقراء مذكراته.
ما وددت قوله في هذا المقال هو أن بإمكان هي مجموعة إسلامية سواء كانوا كيزان أو حماس أو حزب الله في لبنان يمكنهم إختطاف بلد بأكمله و قد حدس في غزة من قبل حماس و في لبنان من قبل حزب الله و في السودان من قبل الكيزان و النتيجة واحدة. و بالتالي كي لا يذهب السودان مع الريح عليكم أن تدركوا أن ثورة ديسمبر مفصل زمان فإنها تفصل بين قديم لا يمكن بعثه و في نظر الكوز ماضي ذهبي و جديد يفتح على الحرية و العدالة و لا يتحقق بغير الفكر الليبرالي و عودة العقلانية و الأخلاق كإبداع عقل بشري بعيدا عن دولة الإرادة الإلهية و ألاعيب تجار الدين من كل شاكلة و لون.
و الجديد من الفكر في العادة يجد صعوبة لكي يقبل كما حدث ذات يوم للسيد المسيح فقد وصف طريقه و بشارته بأنها فكرة هشة و ضعيفة و لكنها بمثابة قصبة مرضوضة لن تنكسر و فتيلة مدخنّة لن تنطفئ و هي كانت تمثل بدايات العلمانية الساذجة و بعدها قد أصبحت متحكمة في أوروبا لألف عام و بعدها جاءت الشخصيات التاريخية و قدمت الإصلاح الديني و تجاوزت لاهوت القرون الوسطى المشابه للعقل الكيزاني السائد الآن.
و بالتالي ثورة ديسمبر في السودان تجاوز لفكر الكيزان الذي لا يشبهه غير لاهوت القرون الوسطى و قد حان الوقت لتجاوز الفكر الديني و ألاعيب أتباع الفكر الديني من كل شاكلة و لون و بالتالي ستظل ثورة ديسمبر فتيلة مدخّنة لن تنطفي و ستفصل عقل اللاهوت و عقل القرون الوسطى في السودان عن عقل مستقبل الثقافة في السودان أي مستقبل الثقافة الآتي من تراث الإنسانية و خاصة أن تاريخ الإنسانية لأول مرة في التاريخ قد أصبح تاريخ واحد لكافة البشرية منذ قيام الثورة الصناعية و هذا التاريخ المشترك للإنسانية يتطلب جهد جديد من النخب السودانية لإدراكه و من ثم يمكننا التعامل معه و عدم إدراكه وسط النخب السودانية ما يشجع أمثال البرهان على القيام بإنقلاب بائس يريد أن يرجع به عقارب الزمن الى الوراء أي الى زمن الكيزان البائس و هيهات.

taheromer86@yahoo.com  

المصدر

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: النخب السودانیة القرون الوسطى ثورة دیسمبر تدنی مستوى فی السودان عبد الناصر حزب الله یمکن أن لا یمکن من قبل

إقرأ أيضاً:

بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

بنك الذهب أم بنك الحرب؟

 قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

عمر سيد أحمد

مقدمة

تداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.

هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.

أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي

1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني

المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.

القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.

2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر

البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.

هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.

بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.

3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين

المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.

4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل

السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.

في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.

5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة

حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:

من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.

هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.

ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًا

أي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.

الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.

ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعية

المقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.

1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني

لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:

إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.

أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.

2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي

يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.

3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة

الجهة الدور الضمانة
مجلس إدارة مستقل إدارة العمليات اليومية تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر
البرلمان (لجنة مالية دائمة) رقابة تشريعية ومساءلة سنوية جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة
ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد تدقيق مالي وتقني تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا
هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة)
ممثلو المعدنين وحكومات الولايات مقاعد تصويتية في الشركات الولائية حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية

نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.

4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان

لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:

تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.

5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية

تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًا

قد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.

الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.

خاتمة

مشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.

هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.

* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

Email:[email protected]

يوليو 2026

الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح

مقالات مشابهة

  • حكام الإمارات يهنئون الرئيس المصري بذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة
  • رئيس الدولة ونائباه يهنئون الرئيس المصري بذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة
  • الخارجية السودانية: واشنطن تجاهلت التعاون الثنائي بشأن مزاعم الأسلحة الكيميائية وفرضت عقوبات دون أدلة
  • توجيه وزاري مفاجئ بشأن خطبة الجمعة في السودان
  • الأوقاف تحتفي بذكرى تسجيل أول أسطوانات للمصحف المرتل في التاريخ
  • الرئيس السيسي: ثورة 23 يوليو المجيدة نقطة تحول فارقة في تاريخ الوطن
  • إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • الأرصاد السودانية تكشف مفاجآت الطقس خلال 72 ساعة.. أمطار وسيول محتملة في هذه المناطق
  • السودان تدين الهجمات على البحرين والكويت والأردن والعراق