جمال لا يشيخ.. لماذا أصبح تمثال المفكر من أشهر المنحوتات العالمية؟
تاريخ النشر: 13th, August 2023 GMT
"كان رأسي مثل بيضة جاهزة للفقس"، هذا ما قاله الفنان الفرنسي أوغوست رودان (1840-1917)، حين سُئل عن تمثاله الشهير "المفكر"، الذي كان يُطلق عليه اسم "الشاعر" في البداية، الذي يعدّ أحد أشهر التماثيل في تاريخ الفن. تلك الشهرة لا تعود لكون التمثال رمزًا بارزًا للفكر والتأمل فقط؛ بل لقصة تلك البيضة التي فقست، على حدّ تعبير رودان.
فقد نحت رودان هذا التمثال من البرونز الخالص بعد قراءة "الكوميديا الإلهية" للشاعر الإيطالي دانتي أليغييري، وتشرّب جميع معانيها وتفاصيلها. ولم يكن التمثال منحوتًا ليكون عملًا فنيًا يُعرض مفردًا رمزًا فلسفيًا خالصًا، بل كان جزءًا من عمل أكبر هو "أبواب الجحيم"، وهو زوج من الأبواب البرونزية الضخمة التي تروي قصص وأهوال الجحيم، كما أدرجها أليغييري في "الكوميديا الإلهية". وقد كان هذا العمل مخصّصًا لمتحف الفنون الزخرفية في باريس.
وعلى الرغم من أن الأبواب لم تُثبّت أبدًا خلال حياة رودان، فإن فكرة تحويل الجحيم -كما قدّمه دانتي- إلى عمل فني ألهمتْ رودان إلهامًا مستمرًا لبقية حياته. وحسب ما قاله، فإن تمثال "المفكر"، مستوحى من العذاب الذي ينتظر المفكرين والشعراء، كما أورده دانتي في البوابة الأولى للجحيم، التي تُعرف باسم "الليمبو".
استغرقت عملية النحت عامًا كاملًا، من 1880 إلى 1881، بارتفاع يبلغ 70 سنتيمترًا، ويصوّر التمثال رجلًا مفتول العضلات ويتمتع بقوة بدنية ظاهرة، وهو يجلس على كتلة من الحجر، ورأسه وذراعه اليسرى يعتدلان على ركبتيه. وعلى الرغم من أن التمثال يمتاز بتصميمه اليسير والأنيق، فإنه يُحفّز الناظر بقوة على التفكير في معاني الحياة والوجود، ليعبّر بذلك عن روح العزلة والتأمل داخل الإنسان.
منازل الشعراء والمفكرينحسب ما أورد دانتي في "الكوميديا الإلهية"، يسكن الشعراء والفلاسفة من الوثنيين في الدائرة الأولى من الجحيم، ويعاقبون بالخلود في منزلة أدنى من الجنة؛ لأن فضائلهم لم تكن في سبيل الإيمان المسيحي أو مقترنة به، يعيشون إلى الأبد في قلعة تقع على مناظر طبيعية خضراء، لكنها بعيدة كل البُعد عن النعيم السماوي.
وجديرٌ بالذكر أن دانتي يضع العديد من الشخصيات الثقافية البارزة من العصور الكلاسيكية القديمة في تلك المنزلة، ومنهم "هوميروس" و"سقراط".
ويعتقد بعض النقاد أن التمثال كان يُمثّل دانتي أليغييري نفسه، بوصفه شاعرًا ومتأملًا في أحوال وأهوال الجحيم، إلا أن آخرين يعزون هذا التمثال لشخصية الشاعر أو المفكر بشكل عام؛ لأن دانتي في "الكوميديا الإلهية" كان يُجوّل في الجحيم بكامل ثيابه، وليس عاريًا مثل التمثال.
ولربما أراد رودان عبر تمثال "المفكر" أن يُرسّخ الوضع الداخلي والنفسي للتأمل الفلسفي والتأليف الشعري، من خلال تصوير الطبيعة المتأنّية للوجود البشري، والحضور المكثّف لشعور التفكير والتأمل، فأصبحت الشخصية، التي كانت في الأصل جزءًا من العمل الفني الأكبر لرودان "أبواب الجحيم"، تحفة فريدة بمفردها، وترمز للتفكير الفلسفي والبحث والإلهام الشعري.
تنقل المنحوتة بتفاصيلها الدقيقة، وإبراز التوتر في عضلات الشخص الجالس، إحساسًا عميقًا بالتأمل الذاتي. وبغض الطرف عن التفسيرات الجمالية المختلفة، فإن قوة هذا التمثال تكمن في أنه يجعل كل شخص يغرق، ولو للحظات في التفكر والتأمل.
وعن تلك الحالة قال رودان نفسه إن ما يجعل منحوتة "المفكر" كأنها بالفعل رجل يفكر، "هو أنه لا يفكر بدماغه وجبينه المحبوك وفتحات أنفه المنتفخة وشفتيه المضغوطة فقط، ولكن بكل عضلة من ذراعيه وظهره وساقيه، بقبضته المشدودة وحتى أصابع قدميه".
اليوم، صار مفكر رودان منتشرًا في العديد من القوالب والأحجام، بأكثر من خمسين منحوتة حول العالم، جميعها منسوخة من التمثال الأصلي. لقد أصبح المفكر صورة أكثر عالمية تكشف من الناحية الجسدية الجهد العقلي، وحتى القلق أثناء وفي خضم عملية الإبداع.
المصدر
المصدر: الجزيرة
إقرأ أيضاً:
من كنوز المتحف الكبير.. سينوسرت الثالث ملك صنع مجد الدولة الوسطى
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
بين أروقة المتحف المصري الكبير، يقف التمثال الضخم للملك سينوسرت الثالث شامخًا كأنه يتحدى الزمن، لا بوصفه مجرد قطعة أثرية نادرة، بل باعتباره شهادة حجرية على واحدة من أعظم الشخصيات التي حكمت مصر القديمة، فبينما اعتادت التماثيل الملكية في الحضارة المصرية أن تُظهر الملوك في صورة مثالية خالية من العيوب، جاء هذا التمثال ليقدم صورة مختلفة تمامًا؛ صورة إنسان يحمل على وجهه ثقل المسؤولية وأعباء الحكم، لتتحول ملامحه إلى قصة تروي مجد الدولة الوسطى وقوة أحد أبرز فراعنتها.
ملامح غير مألوفة في الفن الملكيمن النظرة الأولى، يلفت التمثال الانتباه بواقعيته المدهشة. فالعينان الغائرتان، والخدان النحيلان، والتجاعيد الواضحة أسفل العينين، والخطوط المحفورة على الجبهة، جميعها تفاصيل لم تكن مألوفة في تصوير الملوك المصريين الذين غالبًا ما ظهروا في هيئة الشباب الأبدي والقوة المطلقة.
ويعتقد علماء المصريات أن هذه الملامح لم تكن انعكاسًا لعمر الملك فحسب، بل رسالة سياسية وفكرية أراد الفنان المصري القديم إيصالها؛ فسنوسرت الثالث لم يُرِد أن يظهر كحاكم مثالي بعيد عن الواقع، بل كقائد يحمل هموم دولته ويكرّس حياته لحماية شعبه وتأمين حدود بلاده.
القائد الذي أعاد رسم حدود مصرلم يكن سينوسرت الثالث مجرد ملك يجلس على العرش، بل كان قائدًا عسكريًا بارعًا ومصلحًا إداريًا من الطراز الأول. وخلال حكمه في الأسرة الثانية عشرة، قاد حملات عسكرية عميقة داخل النوبة، ونجح في توسيع النفوذ المصري جنوبًا، كما أنشأ سلسلة من الحصون على ضفاف النيل، من أشهرها حصونا سمنة وأورونارتي.
ولم تقتصر أهمية هذه المنشآت على الجانب العسكري فقط، بل تحولت إلى مراكز للتجارة والإدارة، ما يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى جعلت من مصر قوة إقليمية مؤثرة خلال عصر الدولة الوسطى.
ثورة في الإدارة وترسيخ لهيبة الدولةإلى جانب إنجازاته العسكرية، لعب سنوسرت الثالث دورًا محوريًا في إعادة تنظيم الدولة المصرية، فقد عمل على تقليص نفوذ حكام الأقاليم الذين ازدادت قوتهم خلال الفترات السابقة، واستعاض عن كثير منهم بمسؤولين تابعين مباشرة للسلطة المركزية.
هذا التحول أسهم في تعزيز وحدة الدولة وترسيخ سلطة الفرعون، وأرسى قواعد إدارية استمرت آثارها في عهد خلفائه. ولذلك ينظر المؤرخون إليه باعتباره أحد أبرز الملوك الذين نجحوا في بناء دولة مركزية قوية قادرة على إدارة مواردها وحدودها بكفاءة عالية.
تمثال يروي عبء المُلك وخلود الذكرىيُجسد التمثال الضخم جميع رموز السلطة الملكية المعروفة؛ فالملك يرتدي النقبة الملكية، وتظهر على صدره القلادة العريضة، فيما تعكس كتفاه العريضتان القوة العسكرية التي عُرف بها، لكن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في قدرته على الجمع بين الرمزية التقليدية والواقعية الإنسانية في آن واحد.
ولعل هذا ما جعل سينوسرت الثالث يحظى بمكانة استثنائية حتى بعد وفاته، إذ جرى تأليهه في بعض مناطق مصر القديمة، وخاصة في أبيدوس، واستمر تقديسه لقرون طويلة، كما اتخذ ملوك لاحقون من سيرته نموذجًا يُحتذى به في الحكم والقيادة.
واليوم، يقف تمثاله بالمتحف المصري الكبير ليس فقط بوصفه تحفة فنية من روائع النحت المصري القديم، بل باعتباره وثيقة تاريخية نادرة تكشف لحظة فارقة في تطور الفن المصري؛ لحظة التقت فيها عظمة الملك بواقعية الإنسان، لتُخلد على الحجر قصة قائد حمل أعباء الإمبراطورية فوق كتفيه، فبقيت ملامحه شاهدة على القوة والحكمة وخلود الحضارة المصرية.
الملك سينوسرت الثالث