لجريدة عمان:
2026-07-24@10:29:39 GMT

فهم آليات صنع القرار الديناميكي

تاريخ النشر: 30th, November 2024 GMT

تشكِّل عملية صنع القرار على مستوى الدول/ المؤسسات -على حد سواء- العنصر الأكثر حسمًا في جودة جودة مخرجات/ منتجات تلك الدول أو المؤسسات، ولذلك كانت مسألة (آليات صنع القرار) أحد أهم الحقول البحثية للعديد من العلوم؛ ليس فقط العلوم المتصلة بالإدارة، وإنما علم النفس، والعلوم السلوكية، وعلم الأعصاب، وعلم البيانات، وسواها من الحقول المعرفية.

وفي المقابل أصبحت هذه العلوم تشكّل اليوم ذراعًا معرفية يسند الآليات التي من خلالها تصمم دورة اتخاذ القرار، وتزويده بالأدلة، وتصميمه، وتقديمه لعموم جمهوره المستهدف أو حقله الموجه إليه. ولا يمكن اليوم أن تغفل أي وحدة لتحسين عمليات اتخاذ القرار سواء كانت على مستوى مؤسسة عامة، أو خاصة، أو على مستوى دولة أهمية إدماج مقاربات فهم السلوك المؤسسي والفردي في عملية تجويد صنع القرار، ذلك أن التحيزات المعرفية للأفراد، والتحيزات المعرفية للمؤسسات تشكل موجهًا ذا أهمية قصوى في توجيه مسارات صنع القرار، وحين نتحدث عن التحيزات المعرفية للأفراد فهي: الأخطاء التلقائية في أنماط التفكير التي توجه الفهم والقرار وسلوك الأفراد بشكل عام، وحين تتماثل تلك التحيزات في سياق اجتماعي مصغر سواء كان مجتمع مؤسسة أو بيئة عمل فإنها تتحول إلى تحيزات معرفية مؤسساتية، وهي مرحلة معقدة جدًا في التعامل معها، حيث يتطلب إدراكها وتصورها وتفكيكها وتصويبها جهدًا مضاعفًا مما لو كان التعامل مع تحيزات معرفية متصلة بالأفراد.

ولأن عمليات صنع القرار وتجويدها وتحسينها يتطلب جهدًا معرفيًّا موسعًا عملت بعض المؤسسات الأكاديمية على إنشاء مراكز بحثية، ومختبرات للبحث التجريبي حول ديناميكيات صنع القرار، ولعل أهمها جامعة كارنيغي ميلون التي أسست مختبرًا تتلخص مهمته في محاولة فهم كيفية اتخاذ القرارات والتعامل والتكيف مع المهام الديناميكية، وكيف يمكن تمثيل مثل هذه العمليات المعرفية حسابيًّا؟ وتشكّل المعرفة العلمية أساسًا مهمًّا حين تدمج بطريقة مؤسسية في دورة اتخاذ القرار، ذلك أن التراث النظري حول عمليات اتخاذ القرار يكشف لنا العديد من العوامل المؤثرة -غير الملموسة- وغير المباشرة التي يمكن أن تتأثر بها هذه العملية، فهناك أبحاث على سبيل المثال تتحدث عن وجود علاقات مباشرة بين أحجام الحكومات (من ناحية حجم مجلس الوزراء) وبين مستوى الجودة في صنع القرار، وهناك أبحاث كتلك التي قدمها بافووار وأوروسوفا حول القرار التجني تفيد عبر تتبعها التاريخي بأن أساليب اتخاذ القرار التجنبي سواء بالنسبة للأفراد أو المؤسسات غالبًا ما كانت ترتبط بالتحصل على نتائج سلبية، وهناك الدراسات في العلوم التقاطعية مع علم الدماغ والتي قدمت في السنوات الأخيرة مجموعة من الحقائق المهمة لحقل صنع القرار ومنها أن « الكثير من عملية صنع القرار لدينا تحدث على مستوى اللاوعي، حيث يعمل الوعي كـ «مبرر» أكثر من كونه صانع قرار». وأن إرهاق اتخاذ القرار هي معضلة الإدارة الراهنة والتي تفرز تداعيات غير محسوبة على مستوى المؤسسات حيث يواجه القادة إرهاق اتخاذ القرار بعد الجهد العقلي والتحليلي الذي يبذلونه في سلسلة من الخيارات المعقدة، مما قد يؤدي وبشكل تراكمي إلى عملية اتخاذ قرارات أسوأ لاحقًا قد تضر بمصالح المؤسسة والمنتجات والخدمات.

ندعو في هذه المقالة إلى وجود مراكز بحثية ومعرفية متخصصة - يمكن أن تكون في المؤسسات الأكاديمية على سبيل المثال - تسهم في أربعة مهام أساسية:

- توفير أبحاث متقاطعة الاختصاصات حول عمليات اتخاذ القرار بناء على المعطيات الاجتماعية.

- توفير تحليلات متخصصة حول العلاقة بين ثقافة المؤسسة وآليات صنع واتخاذ القرار فيها.

- تقديم معارف تطبيقية حول تحسين عمليات صنع واتخاذ القرار على مستوى المؤسسات وعلى المستوى الوطني.

- مواكبة أهم الاستخلاصات العلمية في علوم السلوك والنفس والدماغ وإجراء أبحاث تطبيقية مماثلة بشكل تراكمي في السياق المحلي لفهم العوامل النفسية والاجتماعية والمؤسسية الأكثر تأثيرًا في عمليات صنع واتخاذ القرار.

إن وجود مثل هذه الوحدات والمراكز يجعل عملية التفاعل بين صنع القرار والمعرفة مسألة ديناميكية، بحيث ينتج قرارًا عقلانيًا، متفاعلًا مع واقعه، قريبًا إلى مستقبليه، ومحددًا لتحقيق الأهداف الموجهة والمرسومة.

في حقل الاقتصاد والسياسات الاقتصادية هناك حراك موسع اليوم على المستوى المعرفي لإدماج علوم الأعصاب والدماغ في فهم السلوك الاقتصادي للأفراد والمؤسسات، وفي آليات تصميم السياسات والقرارات الاقتصادية، وفي تقديم تلك السياسات والقرارات إلى المجتمع، فكما يقول أحد أهم المشتغلين في هذا الحقل جورج لوينشتاين فإن: «علم الاقتصاد العصبي يستخدم المعرفة المتعلقة بآليات الدماغ لإثراء التحليل الاقتصادي، فهو يفتح «الصندوق الأسود» للدماغ» « حسب تعبيره » تركز الدراسات التي صدرت مؤخرًا في هذا الحقل على المحكات العصبية لتقدير القيمة، وعلى دور الأعصاب في أخطاء التنبؤ والمخاطرة، وعلى الأسس التفسيرية من ناحية علم الأعصاب للطريقة التي من خلالها تتخذ القرارات الفردية والجماعية، وعلى الطريقة التي تتحكم بها الهرمونات العصبية في تقدير شيء ما أو إنقاص قيمته. هذا حقل مركب ومتقدم ولكن تراكم الأبحاث فيه، ووجود كراسي بحثية في دول متعددة تهتم بدراسة الطرق التي يؤثر بها في منظومات اتخاذ القرار أصبح يشكل إثراء نوعيًا للمؤسسات والدول التي تهتم بتحسين جودة صنع القرار، وهو ما ندعو إليه من خلال الاستفادة من كل هذه الفتوحات المعرفية، والمجالات التقاطعية بين الاختصاصات والعلوم التي تولد المعارف المهمة، وتجسر في الوقت ذاته ذلك الحاجز المختلق بين مؤسسات العلم والسياسة أو بين العلم ومنظومة اتخاذ القرار.

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: اتخاذ القرار صنع القرار على مستوى

إقرأ أيضاً:

وزير البيئة: تحديث أنظمة الإدارة يعزز كفاءة المؤسسات الوطنية

صراحة نيوز – أكد وزير البيئة الدكتور أيمن سليمان، أن مواكبة التحديثات في أنظمة الإدارة البيئية وتطبيق المعايير الدولية يعززان كفاءة المؤسسات الوطنية وقدرتها على تحقيق التنمية المستدامة، مشيراً إلى أن وزارة البيئة مستمرة في دعم بناء القدرات الوطنية وتعزيز الشراكة مع القطاعين العام والخاص لترسيخ ثقافة الامتثال البيئي والتحسين المستمر، بما ينسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي وأولويات المملكة في مجالات الاستدامة والعمل المناخي.

جاء ذلك خلال رعايته، اليوم الخميس، أعمال الورشة الوطنية حول تحديثات المواصفة الدولية ISO 14001:2026 ومتطلبات الانتقال للإصدار الجديد، والتي نظمتها مؤسسة إثمار للتنمية والتدريب، بالتعاون مع شركة المطابقة المعيارية العالمية (Global Standards)، وبمشاركة ممثلين عن القطاعين العام والخاص وخبراء ومتخصصين في مجال الإدارة البيئية.

وأضاف سليمان، أن الاستثمار في تطوير الكفاءات الوطنية ونقل المعرفة يشكل ركيزة أساسية للارتقاء بالأداء البيئي للمؤسسات، وتمكينها من مواكبة المتغيرات العالمية، وتعزيز تنافسيتها والتزامها بالمعايير البيئية الدولية.

كما أشاد الوزير بجهود مؤسسة إثمار للتنمية والتدريب وشركة المطابقة المعيارية العالمية (Global Standards) في تنظيم الورشة، مثمناً التفاعل الكبير من المشاركين وحرصهم على تطوير معارفهم ومواكبة أحدث المستجدات في مجال الإدارة البيئية.

وهدفت الورشة إلى التعريف بأبرز التحديثات المرتقبة على المواصفة الدولية ISO 14001:2026، باعتبارها المرجع العالمي لأنظمة الإدارة البيئية، وتمكينها من الاستعداد المبكر للانتقال إلى الإصدار الجديد، بما يضمن استمرارية الامتثال، وتحسين الأداء البيئي، وتعزيز تنافسية المؤسسات الأردنية محلياً وإقليمياً ودولياً.

وتناولت الورشة عدداً من المحاور الفنية المتخصصة، شملت التطورات العالمية في أنظمة الإدارة البيئية، وأبرز التغييرات التي يتضمنها الإصدار الجديد من المواصفة، ومتطلبات وآليات الانتقال من الإصدار الحالي، ودمج اعتبارات التغير المناخي وإدارة المخاطر البيئية ضمن أنظمة الإدارة، إلى جانب استعراض أفضل الممارسات العالمية والتحديات التي قد تواجه المؤسسات خلال مرحلة الانتقال.

وشارك في أعمال الورشة 35 موظفاً من وزارة البيئة يمثلون المديريات والوحدات الفنية والإدارية، إلى جانب ممثلين عن 20 شركة صناعية أردنية حاصلة على شهادة ISO 14001، ما يعكس أهمية الورشة كمنصة وطنية لتبادل الخبرات وتعزيز التعاون بين الجهات الحكومية والقطاع الصناعي في تطوير أنظمة الإدارة البيئية.

وفي الختام سلّم وزير البيئة الدكتور أيمن سليمان الشهادات المعتمدة من LSQA USA للمشاركين، تقديراً لمشاركتهم الفاعلة واستكمالهم متطلبات الورشة، مؤكداً أهمية استمرار تنظيم مثل هذه البرامج النوعية التي تسهم في رفع كفاءة الكوادر الوطنية، وتعزيز الأداء البيئي للمؤسسات الأردنية، وترسيخ مبادئ الاستدامة والامتثال للمعايير الدولية وتعمل وزارة البيئة بالتعاون مع مؤسسة إثمار للتنمية والتدريب على إطلاق سلسلة من البرامج التدريبية المتخصصة بالشراكة مع شركة المطابقة المعيارية العالمية (Global Standards)، وتحت مظلة وزارة البيئة، والتي ستشمل مواصفتي ISO 14001 وISO 14064. وتهدف هذه البرامج إلى تمكين المهندسين والشركات من تطبيق أفضل الممارسات العالمية في الإدارة البيئية، إلى جانب بناء القدرات في مجال ISO 14064، وهي المواصفة الدولية الخاصة بقياس انبعاثات غازات الدفيئة، وإعداد تقاريرها، والتحقق منها، بما يعزز الشفافية، ويدعم جهود المؤسسات في خفض بصمتها الكربونية، والامتثال للمتطلبات الدولية، وتعزيز تنافسيتها في الأسواق المحلية والعالمية.

مقالات مشابهة

  • سقوط “محتال التحويلات الوهمية”.. يفك لغز عشرات عمليات النصب التي استهدفت تجارًا بمختلف المدن
  • “قاسم”: القبلية توثر على آليات التوظيف واختيار القيادات بمؤسسات الدولة
  • مجلس الدولة: ندعو الليبيين إلى ترشيد استهلاك الكهرباء
  • تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”
  • تقدر بنحو 11 مليار دولار.. إيران تبحث مع الزيدي آليات سحب أموالها
  • توجيهات رئاسية تشدد على وحدة القرار العسكري ورفع الجاهزية في حضرموت في ظل التهديدات الحوثية للملاحة البحرية
  • ترمب: أدرس شن هجوم أكبر ضد إيران وأنا على وشك اتخاذ القرار
  • موسكو تدخل عصر الإدارة الذكية للنقل بأكبر مركز عمليات في أوروبا
  • تركيا تبحث مع سوريا آليات العودة الطوعية والآمنة للاجئين
  • وزير البيئة: تحديث أنظمة الإدارة يعزز كفاءة المؤسسات الوطنية