أصبح أبو محمد الجولاني الذي يتزعم "هيئة تحرير الشام"، شخصية محورية في المشهد السوري المعقد بعد تصدر اسمه خلال الأيام الأخيرة إثر الهجوم المباغت الذي نفذته فصائل المعارضة السورية ضد النظام.

أصبح الجولاني، الذي بدأ مسيرته في الجهاد في العراق، رمزا للانفصال عن الأجندات الجهادية العابرة للحدود، كما تحول إلى لاعب سياسي يسعى لفرض رؤيته الخاصة بسوريا.



وبدلا من أن يكون مجرد قائد لفرع تابع لتنظيم القاعدة، أصبح هو وقادة الهيئة يركزون على القضايا المحلية، ويناضلون من أجل حماية "سوريا المستقبلية" بعيدا عن التدخلات الخارجية.

عام 2003، كان أبو محمد الجولاني أحد المجندين الذين انضموا إلى الجهاد ضد الغزو الأمريكي للعراق، وركب حافلة متجهة إلى بغداد ليشارك في معركة تصد الغزو الأمريكي.

وبعد سنوات من التجارب العسكرية والسياسية، وخاصة في السجون الأمريكية، عاد الجولاني إلى سوريا في عام 2011 ليصبح أحد أبرز القادة العسكريين في الحرب السورية. اليوم، يشهد العالم تحولا دراماتيكيا في مسار هذا الرجل الذي يقود هيئة تحرير الشام، التي فرضت نفسها كقوة محورية في الشمال السوري.


وأبرز تقرير نشر في صحيفة "وول ستريت جورنال"، التحول الذي حدث في شخصية الجولاني إذ يمثل واحدا من أكثر التحولات إثارة في تاريخ الحروب في الشرق الأوسط.

وبعد أن كان تابعا لتنظيم القاعدة، أصبح قائدا يختلف تمامًا في أيديولوجيته عن الجماعات الجهادية الأخرى. ورغم أن الكثيرين لا يزالون يعتقدون أن الجولاني شخصية متطرفة، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا في استراتيجياته وأفكاره، خصوصًا عندما انفصل عن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في عام 2012 وقطع علاقاته مع تنظيم القاعدة في عام 2016. هذا الانفصال سمح له بتكوين هيئة تحرير الشام، وهي جماعة مختلفة تماما عن التنظيمات الأخرى التي تعتمد على الجهاد العالمي والتوسع عبر الحدود.

ويظهر أحد الجوانب الأكثر إثارة في صعود الجولاني هو الطريقة التي حول بها هيئة تحرير الشام إلى قوة منضبطة بشكل غير مسبوق، فهو لم يقتصر على محاربة النظام السوري فقط، بل قام بتوجيه الهيئة لتصبح حركة تدير مناطق بأيدٍ سورية، وليس مجرد ذراع جهادية عالمية.

ويحاول الجولاني أن يظهر كقائد يسعى لبناء دولة على أسس سياسية قوية، بعيدًا عن الإرهاب والتشدد الديني، بل يروج لأيديولوجية تركز على قضية سوريا بشكل خاص.

ابو محمد الجولاني حفظه الله د "تـحریر الـشام " عمومي قائد.
حفظه الله ???????? pic.twitter.com/ZS42eH9kCa — ګمنام (@AdilKoko552424) November 28, 2024


في حديثه عن هذا التغيير، يصف الجولاني هيئة تحرير الشام بأنها لا تمتلك أهدافًا خارجية أو عابرة للحدود كما كانت الحال مع التنظيمات الجهادية في السابق. كان هدفه الرئيسي هو التركيز على سورية فقط، والعمل على إرساء حكم محلي يختلف تمامًا عن الحكومات الجهادية التي تم تأسيسها في أماكن أخرى مثل أفغانستان أو العراق.

وتجلى هذا التوجه في مجموعة من القرارات، أبرزها تبني العلم السوري السابق، وهو العلم الذي كان سائدًا في فترة ما قبل حكم البعث. هذا التحول يُعد بمثابة رسالة إلى السوريين والعالم بأن الهيئة لم تعد تسعى لإقامة دولة إسلامية بالشكل الذي كان يروج له تنظيم الدولة الإسلامية.

على الرغم من ذلك، يظل الجولاني شخصية غامضة، فالتحول الذي مر به من القائد الجهادي إلى شخصية سياسية يخفي وراءه نوايا غامضة، لا أحد يمكنه التأكد مما إذا كانت تلك التحولات حقيقية أم أنها مجرد تكتيك سياسي للظهور بمظهر المعتدل أمام القوى الغربية، خاصة الولايات المتحدة، التي ما زالت تصنف هيئة تحرير الشام على أنها منظمة إرهابية.

وفي هذا السياق، يرى الكثير من الخبراء أن الجولاني قد يكون قد أظهر نوعا من التقية، وهو مصطلح يستخدم للإشارة إلى التكتيكات التي يتبعها بعض القادة في إخفاء نواياهم الحقيقية في فترات معينة من الزمن.

وتظل اللحية مع الزي العسكري لها مهابتها ورونقها الخاص
- القائد أبو محمد الجولاني
سدد الله كلمتهم وأيدهم بنصره pic.twitter.com/rAAkq8MyOf — مُحَمَّد (@mohamadgad85) November 28, 2024


ورغم التعديلات الظاهرة في سلوكه، مثل رفض تطبيق بعض القيود الدينية القاسية على السكان، إلا أن هيئة تحرير الشام لا تزال تُتهم بممارسات قمعية ضد المعارضين السياسيين والنشطاء. فالاتهامات بتعذيب المعتقلين والقبض على الصحفيين المنتقدين لا تزال تلاحق الهيئة، رغم أن الجولاني ينفي تلك الادعاءات.

ومن جهة أخرى، يعد وجود مقاتلين أجانب ضمن صفوف الهيئة – منهم الشيشانيين والأويغور – مسألة مثيرة للقلق على الساحة الدولية، نظرًا للروابط المحتملة التي قد تشكلها هذه الجماعات مع جماعات أخرى في مناطق مختلفة من العالم.

وفيما يتعلق بتصريحات الجولاني حول الأقليات، يمكن القول إنه حتى مع تأكيداته بحماية المسيحيين والشيعة في المناطق التي يسيطر عليها، يظل الكثيرون في تلك المناطق حذرين من نواياه الحقيقية. ففي حلب، التي شهدت السيطرة عليها من قبل هيئة تحرير الشام، كان هناك تقارير تشير إلى أن الجولاني أعطى تعليمات للمقاتلين بعدم التعرض للمواطنين المسيحيين، بل والسماح لهم بالاحتفال بعيد الميلاد.

[ والله إني لأرى نصر الله عز وجل مؤزراً ندخل به دمشق ]

القائد أبو محمد الجولاني حفظه الله . pic.twitter.com/Id42sYwjZm — ْأبو إسلام . (@alni1900ai) December 3, 2024


لكن على الرغم من هذه التصريحات، فإن الواقع على الأرض قد يختلف عن تلك الوعود، حيث لا يمكن ضمان عدم وجود انتهاكات من بعض الأفراد داخل الهيئة.

وبالنظر إلى تطور الأحداث في سوريا، فإن الجولاني يبدو كأحد الأسماء التي قد تشكل تحديًا حقيقيًا للأسد وحلفائه، خاصة مع الصراع الطويل المستمر في البلاد. سعيه لبناء دولة مستمرة في الصمود رغم الضغوط الدولية، بالإضافة إلى قدرته على إدارة المناطق التي يسيطر عليها بقبضة من حديد، قد يجعله أحد أبرز اللاعبين في المعادلة السورية في المستقبل.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية الجولاني تحرير الشام سوريا سوريا الجولاني تحرير الشام المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة أبو محمد الجولانی هیئة تحریر الشام

إقرأ أيضاً:

من مانشستر.. بيرنهام يبدأ إعادة رسم خريطة السلطة في بريطانيا

بدأ رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام من قلب مانشستر، وفي خطوة تحمل دلالات سياسية تتجاوز افتتاح مكتب حكومي جديد، تنفيذ مشروعه لإعادة توزيع السلطة والثروة داخل المملكة المتحدة، مع عقد أول اجتماع رسمي في المقر الجديد الذي أطلق عليه اسم "داونينغ ستريت الشمال".

ويترأس بيرنهام، الجمعة، الاجتماع الافتتاحي للمجلس الاقتصادي الوطني، بحضور وزراء بارزين ورؤساء بلديات إقليميين، في محاولة لنقل مركز صناعة القرار الاقتصادي بعيداً عن لندن، وتعزيز دور المدن والأقاليم في تحديد أولويات الاستثمار والتنمية.

ووصف رئيس الوزراء المشروع بأنه "أكبر عملية لإعادة موازنة السلطة شهدتها بلادنا"، في حين يرى مؤيدوه أن الخطوة قد تمثل بداية لتحول عميق في طريقة إدارة الدولة البريطانية، بعد عقود من تركّز السلطة السياسية والاقتصادية في العاصمة.

لكن المشروع يواجه، وفق صحيفة "الغارديان"، منذ بدايته انتقادات من المعارضة، التي تتهم بيرنهام بأنه لا يزال يتصرف بعقلية رئيس بلدية مانشستر، في وقت ينتظر فيه البريطانيون حلولاً لأزمات وطنية متراكمة، من غلاء المعيشة والإسكان إلى الطاقة والسجون.

"داونينغ ستريت الشمال".. السلطة تغادر لندن

يقع المقر الجديد في "هيرون هاوس" وسط مانشستر، في المبنى نفسه الذي يضم مقر وكالة الاتصالات الحكومية البريطانية في شمال غرب البلاد.

ومن المتوقع أن يعمل بيرنهام من المكتب مرة واحدة أسبوعياً، بما يبقيه قريباً من دائرته الانتخابية في ميكرفيلد ومن المنطقة التي نشأ فيها، فيما سيستخدم وزراء آخرون منحدرون من شمال غرب إنجلترا، من بينهم أنجيلا راينر ولوسي باول، المكتب بصورة منتظمة.

لكن أهمية المشروع لا تكمن في نقل بعض ساعات العمل الحكومية إلى مانشستر، بل في الطموح المعلن لجعل المدينة مركزاً لصناعة القرار الاقتصادي على مستوى المملكة المتحدة.

وفي مقاله المنشور في صحيفة "الغارديان"، قال بيرنهام إن الهدف يتمثل في "أخذ السلطة إلى الأسفل ووضعها في أيدي الأشخاص الذين يستطيعون استخدامها على أفضل وجه".

وأضاف أن المكتب الجديد سيكون مسؤولاً عن تسريع عملية نقل الصلاحيات إلى الأقاليم، ودفع إعادة التصنيع والنمو في مختلف أنحاء البلاد، وإزالة العقبات التي تواجه مشاريع التجديد، من بناء مساكن المجالس المحلية إلى تطوير وسائل النقل العام.

وبحسب رئيس الوزراء، فإن الحكومة المركزية يجب أن تعمل "مع الأماكن" لا أن تقف في طريقها، في إشارة إلى انتقاده للنموذج التقليدي الذي ظلت فيه القرارات الكبرى المتعلقة بالاستثمار والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية تُتخذ من العاصمة.

المجلس الاقتصادي الوطني يعود إلى الواجهة

ويأتي الاجتماع الأول في "داونينغ ستريت الشمال" بالتزامن مع إعادة تنشيط المجلس الاقتصادي الوطني، وهو إطار حكومي أطلقه رئيس الوزراء الأسبق غوردون براون عام 2008، في أعقاب الأزمة المالية العالمية.

وتكمن أهمية المجلس في جمع كبار الوزراء مع رؤساء البلديات الإقليمية، بما يسمح ـ نظرياً ـ بربط القرار الاقتصادي المركزي بالاحتياجات الفعلية للمناطق.

ويريد بيرنهام من هذه الآلية أن تكون جزءاً من تحول أكبر في علاقة الحكومة المركزية بالمدن والأقاليم، بحيث لا تقتصر اللامركزية على نقل الصلاحيات الإدارية، بل تمتد إلى القرارات المتعلقة بالنمو والاستثمار والبنية التحتية.

ويضع ذلك رئيس الوزراء أمام اختبار صعب: هل تستطيع حكومته نقل السلطة الفعلية، أم أن "داونينغ ستريت الشمال" سينتهي إلى مجرد عنوان رمزي لمشروع سياسي طموح؟

معارضة: بيرنهام "لا يزال عمدة مانشستر"

لم تنتظر المعارضة طويلاً لمهاجمة المشروع. واتهمت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادنوك رئيس الوزراء بأنه يحكم بريطانيا "كما لو أنه لا يزال عمدة مانشستر"، في انتقاد يعكس المخاوف من أن يتحول المشروع إلى منصة سياسية تركز على شمال إنجلترا أكثر من اللازم.

ويرى المحافظون أن بيرنهام مطالب بالتعامل مع قضايا تمس البلاد بأكملها، وليس فقط إعادة توزيع مراكز القرار بين لندن ومانشستر.

غير أن أنصار رئيس الوزراء يردون بأن جوهر المشروع هو تحديداً معالجة مشكلة وطنية مزمنة، تتمثل في الفوارق الكبيرة بين مناطق المملكة المتحدة، والتي يرون أنها غذّت مشاعر التهميش والاستياء وأضعفت الثقة بالمؤسسات السياسية.

ومن هذا المنظور، فإن نقل السلطة إلى الأقاليم لا يمثل انحيازاً إلى مانشستر، بل محاولة لإعادة بناء الدولة على أساس أكثر توازناً.

بيرنهام: أربعة عقود من المركزية أضعفت بريطانيا

يقدم بيرنهام مشروعه باعتباره رداً على ما يعتبره اختلالاً تاريخياً في بنية الدولة البريطانية. وفي مقاله، قال إن بريطانيا اتخذت خلال العقود الأربعة الماضية "سلسلة من المنعطفات الخاطئة"، تمثلت، بحسب وصفه، في تركيز السلطة السياسية، وخصخصة القوة الاقتصادية، وتراجع التصنيع في عدد كبير من المجتمعات.

ويرى أن العديد من المناطق التي تضررت من هذا المسار لم تتمكن من التعافي، لأنها لم تكن تملك الصلاحيات أو الأدوات اللازمة لتغيير واقعها.

ويعتقد رئيس الوزراء أن هذه الحالة من الإهمال كانت أحد العوامل التي غذت الاضطرابات السياسية المتزايدة في بريطانيا، وأسهمت في اتساع الفجوة بين المواطنين والمؤسسات.

كما ينتقد بورنهام تجربة «رفع المستوى» التي تبنتها حكومات سابقة، معتبراً أن نقل بعض مكاتب الدولة إلى مناطق خارج لندن لم يكن كافياً، طالما بقيت القرارات الأساسية في أيدي المؤسسات المركزية في العاصمة.

أزمة جديدة على جبهة الطاقة

وبينما يركز بيرنهام على إعادة توزيع السلطة، تواجه حكومته اختباراً مختلفاً في ملف الطاقة، مع تقارير عن استعدادها للتحرك سريعاً بشأن مشاريع جديدة للنفط والغاز في بحر الشمال.

وبحسب تقارير صحفية، تدرس الحكومة احتمال الموافقة على تطوير حقلي "جاكدَو" و"روزبانك" قبالة السواحل الاسكتلندية، في خطوة قد تهدف إلى زيادة الإنتاج المحلي والمساعدة في خفض تكاليف الطاقة.

وقد تكون الموافقة خلال شهر آب/أغسطس كافية لبدء الإنتاج في وقت مبكر من تشرين الأول/أكتوبر، وفق ما أوردته التقارير.

لكن القرار المحتمل يضع وزيرة الطاقة الجديدة مياتا فانبوله في مواجهة معقدة، خصوصاً بسبب مواقف سابقة ارتبطت بها وبمؤسسة "نيو إيكونوميكس فاونديشن" التي ترأستها، والتي دعت في تقرير سابق إلى وقف التوسع في عمليات التنقيب الجديدة في بحر الشمال.

وتضغط جماعات بيئية على الحكومة لرفض مشروعي "روزبانك" و"جاكدَو"، محذرة من أن التوسع في إنتاج الوقود الأحفوري يتعارض مع أهداف التحول المناخي.

في المقابل، يرى مؤيدو تطوير الحقول أن بريطانيا بحاجة إلى تأمين إمدادات الطاقة المحلية، وأن الإنتاج من بحر الشمال يمكن أن يؤدي دوراً في تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية.

وبذلك، يجد بيرنهام نفسه أمام معادلة سياسية دقيقة: كيف يخفض كلفة الطاقة ويحافظ على أمن الإمدادات، من دون أن يخسر دعم الناخبين المهتمين بالبيئة أو يتراجع عن تعهدات التحول إلى الطاقة النظيفة؟

راينر: الحكومة "على وقت مستعار"

وتعكس تصريحات وزيرة الإسكان أنجيلا راينر حجم الضغوط التي تواجهها الحكومة الجديدة. وقالت راينر إن الإدارة الجديدة "على وقت مستعار" إذا لم تتحرك بسرعة لإحداث تغيير ملموس، مشيرة إلى أن بورنهام يدرك حجم الإحباط الشعبي الناجم عن ارتفاع تكاليف المعيشة.

وتحاول الحكومة تقديم سلسلة من الإجراءات السريعة، بينها وضع سقف لأسعار تذاكر الحافلات، وخفض ضريبة القيمة المضافة على فواتير الكهرباء، وتقديم دعم لقطاعي الحانات والنوادي.

لكن هذه الإجراءات تواجه اختباراً حقيقياً أمام واقع اقتصادي لا يزال صعباً، فيما يراقب الناخبون ما إذا كانت القرارات الحكومية ستترجم إلى تحسن فعلي في دخول الأسر ومستويات المعيشة.

هدف بناء 1.5 مليون منزل يزداد صعوبة

وفي قطاع الإسكان، أقرت راينر بأن هدف الحكومة بناء 1.5 مليون منزل خلال الدورة البرلمانية الحالية أصبح أكثر صعوبة، لكنها شددت على أنها لا تتخلى عنه.

وتأتي تصريحاتها في ظل ارتفاع تكاليف البناء، وتحديات التمويل، والضغوط التي تواجه قطاع الإنشاءات.

كما استبعدت في الوقت الراهن فرض ضوابط مباشرة على الإيجارات، معتبرة أن الإصلاحات التي أقرتها حكومة حزب العمال في مجال حقوق المستأجرين بدأت بالفعل تؤثر في السوق.

ويشكل ملف الإسكان واحداً من أكبر الاختبارات أمام حكومة بورنهام، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات في مناطق واسعة من البلاد، ونقص المعروض السكني.

مراجعة خطة الإفراج المبكر عن السجناء

وفي ملف العدالة الجنائية، أمر بيرنهام بمراجعة عاجلة لخطة الإفراج المبكر عن آلاف السجناء في إنجلترا وويلز، بعد موجة من الانتقادات من جانب الضحايا وعائلاتهم.

وكانت الحكومة قد خططت للسماح بالإفراج المبكر عن عدد كبير من السجناء اعتباراً من أيلول/سبتمبر، في محاولة للتعامل مع أزمة اكتظاظ السجون.

لكن رئيس الوزراء أوقف تنفيذ الخطة مؤقتاً، مؤكداً أن سلامة الجمهور يجب أن تكون الأولوية.

وقالت وزيرة الإسكان المساعدة سالي جيمسون، وهي ضابطة سجون سابقة، إن المراجعة ستُجرى خلال "الأيام والأسابيع المقبلة".

ويعكس هذا الملف واحدة من المعضلات الأكثر حساسية أمام الحكومة الجديدة: كيفية معالجة أزمة السجون المكتظة من دون تعريض الأمن العام للخطر أو إثارة غضب ضحايا الجرائم.

"دفعة بيرنهام" ترفع معنويات المستهلكين

وفي مؤشر قد يمنح الحكومة بعض الوقت لالتقاط الأنفاس، أظهرت بيانات اقتصادية ارتفاعاً ملحوظاً في ثقة المستهلكين البريطانيين خلال تموز/يوليو.

وقالت مؤسسة "النمو من خلال المعرفة": إن التفاؤل العام تلقى دفعة من احتمالات وصول بورنهام إلى رئاسة الحكومة، إلى جانب عوامل أخرى مثل الأداء الجيد للمنتخب الإنجليزي والطقس المشمس.

وارتفع المؤشر العام لثقة المستهلكين ست نقاط إلى -17، وهو أعلى مستوى منذ كانون الثاني/يناير، وأكبر ارتفاع منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2023.

كما تحسنت توقعات المستهلكين بشأن الاقتصاد خلال العام المقبل بثماني نقاط، بينما ارتفعت نظرتهم إلى أداء الاقتصاد خلال العام السابق بعشر نقاط.

ووصف نيل بيلامي، مدير رؤى المستهلكين في مؤسسة "النمو من خلال المعرفة"، الشهر بأنه شهد "موجة من التفاؤل". لكن من المبكر اعتبار هذه الأرقام تحولاً اقتصادياً مستقراً، إذ إن ثقة المستهلكين قد تتأثر بعوامل سياسية وموسمية، فيما يبقى التحدي الحقيقي أمام الحكومة هو تحويل هذا التفاؤل إلى تحسن ملموس ومستدام في الاقتصاد.

"تحالف سلتي" يفتح ملف مستقبل الاتحاد البريطاني

وفي موازاة مشروع بيرنهام لإعادة توزيع السلطة داخل إنجلترا، تتزايد أهمية النقاش حول مستقبل الاتحاد البريطاني نفسه.

وقال رئيس وزراء ويلز، رون أب إيورث، إنه يملك "تحالفاً سلتياً" مع نظيره الاسكتلندي جون سويني، مؤكداً أن حزبه "بلايد كامري" يعمل بصورة وثيقة مع الحزب الوطني الاسكتلندي.

وتأتي تصريحاته في وقت تتولى فيه أحزاب مؤيدة للاستقلال أو ذات توجهات قومية السلطة في عدد من الأقاليم البريطانية، ما يضيف بعداً جديداً إلى مشروع بيرنهام.

ففي حين يرى رئيس الوزراء أن تعزيز اللامركزية يمكن أن يساعد في الحفاظ على وحدة المملكة المتحدة عبر تقليص الفوارق الاقتصادية والتنموية، قد يرى القوميون أن منح الأقاليم مزيداً من الصلاحيات يفتح الباب أمام مطالب أوسع بالحكم الذاتي أو الاستقلال.

وهنا تكمن المفارقة السياسية: قد يكون نقل السلطة من لندن وسيلة لإنقاذ الاتحاد البريطاني، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تعزيز القوى التي تطالب بمزيد من الاستقلال عن لندن.

وبعبارة أخرى فإن تحالف سلتي هو  "تحالف سياسي بين ويلز واسكتلندا يقوم على التقارب بين القوى القومية والمؤيدة لتوسيع صلاحيات الأقاليم".

المعركة الحقيقية تبدأ الآن

يضع بيرنهام رهانه السياسي الأكبر على مانشستر، لكنه يعلم أن نجاح "داونينغ ستريت الشمال" لن يُقاس بعدد الاجتماعات التي ستُعقد في المدينة، ولا بعدد الوزراء الذين سيستخدمون المكتب الجديد.

الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة المشروع على تغيير طريقة اتخاذ القرار، وتحويل اللامركزية من شعار سياسي إلى نتائج اقتصادية ملموسة.

هل ستتمكن المناطق من جذب استثمارات جديدة؟ هل ستتقلص الفجوة بين شمال إنجلترا ولندن وجنوب شرق البلاد؟ هل ستتحسن وسائل النقل والإسكان؟ وهل ستنجح الحكومة في إعادة التصنيع وخلق وظائف ذات أجور جيدة؟

تلك هي الأسئلة التي ستحدد مصير مشروع بيرنهام.

وفي الوقت نفسه، فإن رئيس الوزراء لا يملك ترف الانتظار طويلاً. فملفات الطاقة، وتكاليف المعيشة، والإسكان، والسجون، والثقة الاقتصادية، كلها تتطلب قرارات سريعة.

أما مشروع "داونينغ ستريت الشمال"، فيحمل رهانا أكبر: إعادة تعريف العلاقة بين لندن وبقية المملكة المتحدة.

ومن مانشستر، يريد بيرنهام أن يثبت أن بريطانيا يمكن أن تُحكم بطريقة مختلفة؛ أقل مركزية، وأكثر اعتماداً على الأقاليم، وأن نقل السلطة يمكن أن يصبح محركاً للنمو لا مجرد تغيير في عنوان المكتب.

لكن نجاح التجربة سيعتمد في النهاية على سؤال واحد: هل يستطيع بيرنهام أن ينقل السلطة فعلاً من لندن، أم أن "داونينغ ستريت الشمال" سيبقى مجرد رمز سياسي لطموح أكبر من قدرة الحكومة على تنفيذه؟


مقالات مشابهة

  • رئيس «مياه البحر الأحمر» يتفقد محطات التحلية بمرسى علم
  • عمومية الشمال تستعرض إنجازات الموسم الماضي
  • من مانشستر.. بيرنهام يبدأ إعادة رسم خريطة السلطة في بريطانيا
  • مجلس الأعمال السوري الأردني يرحب بتسهيلات دخول المستثمرين السوريين وأسرهم
  • انفجارات قرب مطار أربيل الدولي بالعراق
  • تحرير 20 محضر مخالفات ضد أصحاب مخابز بلدية وسياحية بالغربية
  • مطعم يُدرج النمل ضمن قائمته.. وصاحبه قد يواجه السجن عاماً
  • مش مصرية.. نقابة الأسنان عن طبيبة فيديو الرقص المثير داخل العيادة
  • فرج عامر: بن رمضان ينتقل إلى الشمال القطري.. والأهلي لن يمانع بشرط
  • وزير الصحة لـ بسمة وهبة : تحرير 507 محاضر لمراكز علاج الإدمان المخالفة