دروز فلسطين أسرى البندقية الإسرائيلية.. قراءة في كتاب
تاريخ النشر: 5th, December 2024 GMT
الكتاب: دروز في زمن الغفلة، من المحراث الفلسطيني إلى البندقية الإسرائيلية
المؤلف: قيس ماضي فرّو
الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية
تعتبر الطائفة الدرزية من الطوائف الدينية الأقلية في الشرق الأوسط. لديهم تاريخ طويل ووجود مميز في فلسطين التاريخية، ويرتبطون بالعقيدة الدرزية التي تفرعت عن الإسلام الإسماعيلي في القرن الحادي عشر.
يتركز الدروز في فلسطين التاريخية بشكل أساسي في المناطق الجبلية في شمال فلسطين، خاصة في الجليل. ومن أبرز القرى الدرزية في الداخل الفلسطيني اليوم: دالية الكرمل: تقع جنوب مدينة حيفا، عسفيا: مجاورة لدالية الكرمل، وتشكل القريتان منطقة متصلة تعرف بالكرمل، بيت جن: تقع في الجليل الأعلى، يركا: من أكبر التجمعات الدرزية في الجليل، جولس وحرفيش: قريتان إضافيتان بارزتان.
وللدروز وجود تاريخي في فلسطين منذ قرون. وقد تميزوا بحفاظهم على خصوصيتهم الثقافية والدينية. وعبر التاريخ، كانت العلاقة بين الدروز والمجتمعات الأخرى تتسم بالتعاون أحيانًا وبالتوتر في أوقات أخرى، بحسب السياق السياسي والاجتماعي.
بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948، أصبح معظم الدروز في فلسطين التاريخية مواطنين إسرائيليين. ومن السمات البارزة لعلاقتهم بالدولة: الخدمة العسكرية، المشاركة السياسية.
ويتحدث الدروز اللغة العربية كلغتهم الأم، كما أنهم جزء من النسيج الثقافي العربي. ولذلك تنقسم الهوية الدرزية بين انتماء عربي وإسلامي تاريخي وبين ارتباط قانوني وسياسي بالدولة الإسرائيلية.
ويواجه المجتمع الدرزي اليوم تحديات تتعلق بالمحافظة على تقاليدهم وثقافتهم وسط التغيرات السريعة في العالم الحديث. وهناك نقاش داخلي بين الدروز حول علاقتهم بالدولة الإسرائيلية، خاصة بعد قانون القومية الإسرائيلي الذي أقر عام 2018 وأثار انتقادات واسعة لكونه يعزز هوية الدولة اليهودية على حساب الأقليات.
الكاتبة والباحثة عبير فؤاد، تعيد قراءة واقع تاريخ الدروز في فلسطين من خلال عرض كتاب "دروز في زمن الغفلة، من المحراث الفلسطيني إلى البندقية الإسرائيلية"، للكاتب قيس ماضي فرّو، في محاولة لفهم العقلية الإسرائيلية في التعامل مع الأقليات أولا، ثم في فهم هوية الدروز وانتمائهم العربي.. وهي قراءة تضيف جملة من الخلاصات للقراءة التي كانت الدكتور ة إلهام جبر شمالي قد دونتها هنا في "عربي21" في نيسان / أبريل الماضي في قراءة أولى لها لذات الكتاب.
"العلاقات الدرزية الصهيونية" في عهد الانتداب البريطاني
يعيد الباحث الفلسطيني قيس ماضي فرّو قراءة "العلاقات الدرزية الصهيونية" في عهد الانتداب البريطاني، وما بعده إلى حد كبير، بكثير من التوسع والتحليل، معتمدا "بحذر شديد" على الأرشيفات الإسرائيلية، والشهادات الشفهية، التي يرى أنها تساعد في "تحليل الوثائق، وسد الثغرات" في هذه الأرشيفات.
ورغم أن العديد من المؤرخين الإسرائيليين قد سبقوه إلى تناول هذه العلاقة بالدراسة والبحث، يرى فرّو أنهم في الواقع "بنوا سرديات تاريخية تعكس رؤية الناشطين الصهيونيين في تلك الفترة، وتبني هذه العلاقات طبقا لحاضرها المتصوّرعندهم". إذ يرون بالإجمال أن ثمة مشتركات تاريخية بين اليهود والدروز حتمت إقامة "حلف" بينهما.
لكن فرّو، الذي ينتمي إلى هذه الطائفة، يرى أنها لم تكن يوما كتلة واحدة متماهية مع الحركة الصهيونية، بل وعرفت مواقف سياسية متباينة لأبنائها تجاه المؤسسة الصهيونية، فضلا عن أنه لا يمكن إغفال دور العديد من العوامل الذاتية والموضوعية (اقتصادية ـ اجتماعية ـ سياسية) التي ساهمت في رسم علاقة الطائفة بالدولة الإسرائيلية.
خطوتان كان لهما التأثير الأكبر، بحسب فرّو، في فصل وعزل الدروز عن سائر الطوائف العربية، وفي مسار تطورهم السياسي والاقتصادي والثقافي في الدولة الصهيونية حتى أيامنا هذه: فرض التجنيد الإجباري في العام 1956، وسن قانون تنظيم الطائفة الدرزية في الكنيست في سنة 1957.بحسب فرّو فإن الخطابين الإعلامي والأكاديمي الصهيونيين تجاه الدروز قد بدأهما يتسحاق بن تسفي، ثاني رئيس للدولة الصهيونية (1952-1963)، وهو أول ناشط صهيوني أقام علاقات مع بعض وجهاء دروز فلسطين خلال فترة الانتداب. وقد كتب مجموعة من الدراسات والمقالات التي روج فيها لسرديات أصبحت جزءا أساسيا من هذين الخطابين. منها الحديث عن التشابه بين الدروز واليهود كأقليات عانت من الاضطهاد الديني من جانب الأكثرية، "بلغ أحيانا حد السلب والنهب والمذابح" وكل ذلك "سّهل عليهم(الدروز) فهم نفسية الأقلية اليهودية المضطهدة".
ومعظم الكتاب الإسرائيليين، فيما بعد، الذين كتبوا عن "الدروز محبي إسرائيل" اعتمدوا على نصوص بن تسفي هذه، مغيبين نصوصا أخرى له يصف فيها الدروز بـ "المتوحشين.. الذين هاجموا الأحياء اليهودية في صفد في سنة 1567، وسنة 1604". وهكذا روّج الباحثون الصهيونيون لعلاقات تاريخية حسنة واستثنائية تربط اليهود بالدروز، و"مصير مشترك" متخيّل، ليفسروا بذلك ما سموه "العلاقات الجديدة" التي بدأت خلال فترة الانتداب البريطاني، علما أن الدروز في فلسطين، حتى العام 1950، لم يكن عددهم يتجاوز 14 ألف شخص، و"كانوا في معظمهم فلاحين منغلقين في قراهم الجبلية، بعيدين عن الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني" وكل ما استطاع ناشطو الحركة الصهيونية تحقيقه في ذلك الوقت هو "تجنيد عدد قليل جدا من المتعاونين الدروز مثلهم في ذلك مثل متعاونين من طوائف فلسطينية أخرى". لكن فرّو يلفت أيضا إلى أن دروز فلسطين خلافا لدروز لبنان وسوريا، ظلوا ملتصقين بهويتهم الطائفية حتى بعد العام 1948.
وذلك بسبب أن القرى الدرزية في فلسطين لم تشهد تغيرات اقتصادية واجتماعية تساعد على ظهور شريحة متعلمة، تتجاوز الأفق الضيق للطائفة إلى آفاق وطنية وقومية أوسع. وبينما أدت النخب الدرزية دورا مؤثرا في السياسة العامة للبنان وسوريا، بقيت نخب دروز فلسطين بعيدة عن السياسة العامة سيما بعد تقسيم الاستعمار البريطاني والفرنسي بلاد الشام إلى كيانات سياسية جديدة.
يقول فرّو إن كل ذلك سهّل على الحركة الصهيونية تحييد الدروز في الصراع قبل العام 1948، وتحقيق استفادة كبيرة من اتباع سياسة فرق تسد بين الدروز أنفسهم، وبين الدروز وبقية أبناء الشعب الفلسطيني، التي انتهجتها بعد قيام الدولة الصهيونية.
بحسب الأرشيفات
يلفت فرّو إلى أن عدم وجود أرشيفات فلسطينية غيّب الكثير من المعلومات عن أحداث ثورة 1936، بما فيها معلومات عن مشاركة الدروز فيها. لكن الأرشيفات الإسرائيلية تحمل بعض المعلومات عن محاولة ناشطي الحركة الصهيونية إبعاد الدروز عن المشاركة فيها، مستخدمين سلاح الشائعات للتفريق بينهم وبين المسلمين. كما أن تقارير لشرطة الانتداب البريطاني قد أشارت إلى انضمام فصيل من الدروز إلى الثوار. وقد انزعج الناشطون الصهيونيون كذلك من انضمام متطوعين دروز من سوريا ولبنان إلى الثورة، بحسب هذه الأرشيفات.
ويذكر فرّو أن محاولات هؤلاء النشطاء لاستغلال كل فرصة لفصل الدروز عن محيطهم الفلسطيني لم تتوقف، فلم يفوتوا أي حادثة أو خلاف بين الدروز والمسلمين، أو بين القرى الدرزية وبعض من فصائل الثوار، إلا وحاولوا من خلالها إثارة مشاعر الخوف عند الدروز، حتى وصل بهم الأمر لوضع خطة لترحيل الدروز إلى سوريا، وحاولوا إقناعهم ببيع أراضيهم والانتقال إلى جبل الدروز "لإنقاذهم من الخطر المحدق بهم"، مع سعي حثيث لإقناع سلطان باشا الأطرش بهذا الحل، عن طريق شخص يدعى يوسف العيسمي، كان أحد مجاهدي الثورة السورية الكبرى المرافقين للأطرش في منفاه في شرق الأردن، غير أن الخطة باءت بالفشل ودفنت في العام 1945.
من جهة أخرى يرى فرّو أن السياسة الصهيونية الانتقائية في تهجير الفلسطينيين وإبقاء بعضهم، كانت سببا، بدون شك، في بقاء القرى الدرزية في الكرمل والجليل، وربما لأن عدد سكانها لم يكن يتجاوز الـ 13 ألف، فهو لم يكن ليشكل ثقلا ديمغرافيا على الدولة الجديدة. وهذه السياسة لم تكن كذلك منفصلة عن سياسة فرق تسد. ويذكر أنه بعد تهجير أهالي طيرة الكرمل، كمقدمة لتهجير بقية قرى الكرمل، دب الخوف بين سكان دالية الكرمل وعسفيا (قريتان درزيتان) فسارع وفد من القريتين للاجتماع بناشطين صهاينة حيث اتفقوا على "عدم دخول الهاغانا إلى القريتين مقابل تعهد الجانب الدرزي منع دخول أي قوة معادية إليهما".
وبعد أن أحكمت سيطرتها على مناطق الـ 48 فرضت الحكومة الإسرائيلية على السكان العرب حكما عسكريا ظل قائما حتى العام 1966. حيث تمتع الحكام العسكريون بصلاحيات واسعة، شملت فرض الإقامة الجبرية على الناشطين السياسيين، وتقييد حركة التنقل، ومصادرة الأملاك، وغير ذلك من الإجراءات التعسفية. ومن ذلك منع الفلاحين من الوصول إلى حقولهم في مواسم الحصاد، وبما أن الغالبية العظمى من الدروز كانوا يعتاشون من الزراعة، فقد استخدمت الحكومة الإسرائيلية معهم سياسة "العصا والجزرة"، فسهلت لبعضهم ذلك، في الوقت الذي كان يسعى فيه النشطاء الصهاينة بالتعاون مع بعض الشخصيات الدرزية لتشجيع أبنائهم على التطوع في الجيش الإسرائيلي في وحدة أطلق عليها "وحدة الأقليات" التي ازداد عدد المتطوعين فيها تدريجيا. وتبعا لذلك كان يتم تسهيل ظروف حياة العائلات التي لديها أبناء متطوعين في هذه الوحدة، بينما تغلق الأبواب في وجه العائلات الأخرى.
تنظيم الطائفة
خطوتان كان لهما التأثير الأكبر، بحسب فرّو، في فصل وعزل الدروز عن سائر الطوائف العربية، وفي مسار تطورهم السياسي والاقتصادي والثقافي في الدولة الصهيونية حتى أيامنا هذه: فرض التجنيد الإجباري في العام 1956، وسن قانون تنظيم الطائفة الدرزية في الكنيست في سنة 1957. فقد ركزت الحكومات الإسرائيلية منذ العام 1949 على ضرورة منع الأقليات العربية من الائتلاف في مجموعة واحدة تكون "عربية في هويتها القومية وإسلامية في ديانتها"، ولذلك فإن "تنظيم الطائفة" كان يقصد به فصلها قضائيا وتعليميا عن المسلمين وبقية الفلسطينيين، وربطهم إداريا وسياسيا بالدولة الصهيونية.
أما فرض التجنيد الإجباري فقد قوبل برفض كبير، رغم وجود بعض المؤيدين له بين أبناء الطائفة، ورغم سياسة العقوبات الشديدة ضد رافضيه، وحتى مطلع 1957 لم يصل عدد الماثلين في مكاتب التجنيد لأكثر من 84 من أصل 507 مطلوبين للتجنيد. وفي العام نفسه رفع عدد من مشايخ شفا عمرو والقرى المجاورة عريضة إلى رئيس الحكومة قدموا فيها أسباب معارضتهم التجنيد، موضحين أنهم "عرب والعربي لا يحارب أخاه العربي في أي حال ومكان" وأنهم مستعدون للخدمة في مجالات مدنية أخرى، وأنه يجب معاملة الدروز في إسرائيل نفس معاملة سائر العرب فيها.
يشير فرّو إلى أن حركات رفض التجنيد لم تتوقف واتخذت أشكالا متعددة، لكن سياسات إسرائيل الاقتصادية القاسية بحق الدروز وبقية العرب، لا سيما الاستيلاء على أراضيهم، مكنت الحكومات الصهيونية المتعاقبة من استمرار تطبيقه. لقد اعتبرتهم "دروزا فحسب عندما كان الأمر متعلقا بخدمتهم العسكرية، واعتبرتهم عربا كسائر العرب عندما كان الأمر متعلقا بمصادرة أراضيهم ومعالجة قضاياهم الاقتصادية". ويلفت إلى أن "خسارة مساحات واسعة من الأراضي كان أحد العوامل الرئيسية لدفع القوى العاملة في القرى الدرزية إلى البحث عن عمل خارجها في سوق العمل الإسرائيلية. فمنذ قيام الدولة الصهيونية حتى أيامنا هذه، خسر سكان قرى يسكنها دروز الجليل والكرمل 68% من مساحة أراضيهم التاريخية".
السنوات التي تلت حرب 1967 شهدت قفزة كبيرة في أعداد العاملين الدروز في أذرع الأمن الإسرائيلية المتعددة، بسبب الطلب المتزايد عليهم لضبط الأمن في المناطق المحتلة.يقول فرّو: إن خدمة الدروز في الجيش الإسرائيلي لم تشفع لهم ولم تحمهم من سياسة مصادرة الأراضي. وتكفي الإشارة إلى حالة قرية "بيت جن" لتوضيح المفارقة بين تعامل السلطات الإسرائيلية مع الدروز كعرب في المجال الاقتصادي، وكدروز حلفاء في المجال الأمني ـ العسكري، إذ سمحت هذه السلطات لجنود بيت جن وقرى درزية أخرى بالدخول إلى أراضي القرية المصادرة للتدرب فيها على خوض الحرب، بينما منعت فلاحيها من دخولها. يقول فرّو إن هؤلاء الجنود استطاعوا دخول أراضي القرية "عندما استبدلوا محاريث آبائهم وأجدادهم ببنادق إسرائيلية".
ويضيف فرّو أن السنوات التي تلت حرب 1967 شهدت قفزة كبيرة في أعداد العاملين الدروز في أذرع الأمن الإسرائيلية المتعددة، بسبب الطلب المتزايد عليهم لضبط الأمن في المناطق المحتلة. وحدث ذلك في الوقت الذي كانت فيه عملية تسوية الأراضي المصادرة وهجرة الزراعة جارية، وهو ما أدى، بحسب فرّو، إلى نتيجتين متناقضتين: زيادة انخراط قوى عاملة درزية في أجهزة الأمن، وبروز حركات احتجاج في أوساط المتعلمين الدروز، دعت إلى إلغاء التجنيد وإلى المساواة الاقتصادية.
يذكر فرّو أن بعض أعضاء اللجنة النقابية الثقافية، التي أقيمت في العام 1955، سعت لتجنيد المعلمين ضد سياسة الزعماء التقليديين للطائفة، المتماهية مع قرارات الحكومة الإسرائيلية، وضد تدخل السلطات في الشؤون الدينية للدروز. لكن نشاط هذه اللجنة توقف بعد أشهر، نتيجة انقسام أعضائها إلى فريق قرر الابتعاد عن النشاط السياسي، وآخر اعترض على سياسة فصل الدروز عن العرب، وثالث ركز نشاطه على "دمج الدروز" في المجتمع الإسرائيلي.
وظلت هذه المواقف المتباينة محركا لبروز تجمعات ومنظمات مختلفة على مدى العقود التالية، تتلاعب ببعضها وعود الحكومات المتعاقبة بتحقيق المساواة الكاملة لها في المجتمع الإسرائيلي. يقول فرّو إن "البندقية الإسرائيلية نجحت نسبيا في ترويض وتهجين القيادات الدرزية وشرائح من الطائفة، إلا أنها لم تستطع منع استمرار تمرد شرائح أخرى ضد حمل البندقية الإسرائيلية وضد تهجين الهوية"، ودليله في ذلك هو حركات التمرد المستمرة حتى يومنا هذا، التي ترفض التجنيد وطمس الهوية.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب تقارير كتب الكتاب دروز الفلسطيني عرض فلسطين كتاب دروز عرض كتب كتب كتب كتب كتب كتب أفكار أفكار أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة البندقیة الإسرائیلیة الانتداب البریطانی الحرکة الصهیونیة الدولة الصهیونیة الدرزیة فی فی العام ذلک من إلى أن
إقرأ أيضاً:
تطوير النظام الإحصائي في الإمارات.. كيف تعزز البيانات الجديدة دقة قراءة الاقتصاد؟
تتجه الإمارات إلى تعزيز جودة بياناتها الاقتصادية باعتمادها البرنامج الوطني لتطوير النظام الإحصائي، الهادف إلى تحديث منظومة البيانات الاقتصادية ورفع دقتها ومواءمتها مع المعايير الدولية، بما يدعم صناعة القرار، ويعزز قابلية مقارنة المؤشرات الاقتصادية مع فضلى الممارسات العالمية.
ويتضمن البرنامج الذي أقره الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، اليوم الخميس، اعتماد عام 2024 سنة أساس موحدة للحسابات القومية، إلى جانب توحيد المنهجيات الإحصائية، وتوسيع مصادر البيانات، وربط السجلات الإدارية والضريبية بالحسابات القومية، بما يسمح بقياس أكثر شمولاً للأنشطة الاقتصادية الجديدة والمتسارعة النمو.
وتعني "سنة الأساس": السنة المرجعية التي تُستخدم أسعارها وأوزان قطاعاتها عند حساب الناتج المحلي الحقيقي ومقارنة أداء الاقتصاد عبر الزمن. واعتماد 2024 مرجعاً جديداً يعني أن وزن كل قطاع سيُعاد تحديده وفق حجمه ودوره في الاقتصاد خلال تلك السنة، بدلاً من الاستمرار في الاعتماد على هيكل اقتصادي يعود إلى سنوات سابقة، بحسب سعيد محمد، خبير اقتصاد.
هذا التحديث برأيه يكشف بصورة أدق الأنشطة القائمة، ويمنح القطاعات التي توسعت خلال السنوات الأخيرة وزناً أقرب إلى مساهمتها الحقيقية، موضحاً أن الاقتصاد الإماراتي شهد خلال العقد الماضي تغيرات هيكلية واسعة، مع توسع قطاعات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والخدمات المالية والتجارة الإلكترونية والسياحة والنقل والخدمات المهنية والاستثمار.
ومع استمرار استخدام سنة أساس قديمة، تبقى أوزان بعض القطاعات بحسب سعيد محمد، أقل من حجمها الفعلي، فيما يحتفظ عدد من الأنشطة التقليدية بأوزان لم تعد تعكس موقعها الحالي في الاقتصاد. ويعالج تحديث سنة الأساس هذه الفجوة، من خلال إعادة توزيع الأوزان القطاعية، استناداً إلى بيانات أحدث وأكثر شمولاً.
ويرى أن أهمية القرار داخلياً تكمن في تحسين قدرة الجهات الرسمية على قياس مساهمة القطاعات غير النفطية، وتحديد مصادر النمو، ورصد التحولات في الإنتاج والاستثمار والاستهلاك.
ويتيح ذلك للحكومة بناء السياسات الاقتصادية والموازنات والخطط الاستثمارية على قاعدة أكثر دقة، بدلاً من الاعتماد على مؤشرات قد لا تعكس بصورة كاملة سرعة التحولات التي شهدها الاقتصاد، وفق قراءة سعيد محمد.
البيانات الضريبية تدخل في صلب القياسيتزامن تحديث سنة الأساس مع توسيع مصادر المعلومات المستخدمة في إعداد الحسابات القومية، ومن أبرزها بيانات ضريبة القيمة المضافة وضريبة الشركات والسجلات الإدارية الحكومية. وتوفر هذه المصادر معلومات أكثر تفصيلاً عن المبيعات والإيرادات والأنشطة المسجلة وعدد المنشآت وحركة التوظيف، ما يرفع مستوى التغطية مقارنة بالاعتماد على المسوح الدورية وحدها، وفقاً لخبير الاقتصاد سعيد محمد.
وأوضح أن "السجلات الإدارية هي البيانات التي تنتج بصورة مستمرة عن عمل المؤسسات الحكومية، مثل التراخيص والإقرارات الضريبية وبيانات التوظيف والمعاملات الرسمية". وإدماجها في النظام الإحصائي يقلل الفجوات، ويوسع نطاق رصد المنشآت، ويرفع دقة تقدير القيمة المضافة في كل قطاع.
وتشير هذه الخطوة برأيه إلى "انتقال النظام الإحصائي من الاعتماد الأكبر على العينات والتقديرات إلى استخدام قواعد بيانات واسعة ومستمرة، بما يسمح برصد أكثر سرعة ودقة للتغيرات الاقتصادية".
لماذا تعاد حسابات السنوات السابقة؟ولا يقتصر البرنامج على تطبيق سنة الأساس الجديدة على بيانات 2024 وما بعدها، بل يشمل إعادة بناء السلسلة الزمنية للناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2010 و 2026، ويوضح سعيد محمد، أن السلسلة الزمنية هي مجموعة مترابطة من البيانات الاقتصادية الممتدة عبر سنوات متتالية. وإعادة بنائها تعني احتساب السنوات السابقة وفق المنهجية والأوزان والتصنيفات الجديدة، حتى تبقى المقارنة بين عام وآخر متسقة.
محمد بن راشد يعتمد البرنامج الوطني لتطوير النظام الإحصائي في الإماراتhttps://t.co/8tOXXSXIMg pic.twitter.com/NtZAys4Vht
— 24.ae | الإمارات (@24emirates24) July 23, 2026وينتج عن المراجعة تعديل قيمة الناتج المحلي أو مساهمة بعض القطاعات أو معدلات النمو التاريخية. ولا يعني ذلك أن النشاط الاقتصادي في تلك السنوات تغير بأثر رجعي، بل إن المعلومات المتاحة أصبحت أشمل وطريقة القياس أكثر دقة، وفق خبير الاقتصاد.
ممارسة معتمدة في الاقتصادات الكبرىتحديث سنوات الأساس ومراجعة الحسابات القومية ممارسة دورية تتبعها الأنظمة الإحصائية المتقدمة، بهدف مواكبة التغير في بنية الاقتصادات وإدخال مصادر بيانات ومنهجيات جديدة.
وفي الاتحاد الأوروبي، نفذت الدول الأعضاء ودول رابطة التجارة الحرة الأوروبية مراجعة معيارية منسقة للحسابات القومية عام 2024. ويوضح مكتب الإحصاء الأوروبي "يوروستات" أن هذه المراجعات الكبرى تُنفذ بصورة منسقة مرة واحدة على الأقل كل خمس سنوات، لضمان اتساق البيانات وقابليتها للمقارنة بين الدول.
وشملت المراجعة الأوروبية تحديث بيانات الناتج المحلي والتوظيف والحسابات القطاعية، وإدخال مصادر معلومات أكثر اكتمالاً، ما أدى إلى تعديل بعض التقديرات التاريخية من دون أن يعني ذلك وقوع نمو اقتصادي جديد وقت نشر النتائج.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، ينفذ مكتب التحليل الاقتصادي مراجعات سنوية للحسابات القومية، إلى جانب تحديثات شاملة تمتد إلى فترات زمنية أطول وتدمج أحدث البيانات النهائية والتصنيفات والمنهجيات.
وتُعاد خلال هذه المراجعات صياغة السلاسل التاريخية لضمان اتساقها، بما يسمح بمقارنة الاتجاهات الاقتصادية عبر عقود من دون حدوث فواصل ناجمة عن تغير طرق القياس.
وفي 2026، أطلقت الهند سلسلة جديدة للناتج المحلي الإجمالي، وغيرت سنة الأساس من السنة المالية 2011-2012 إلى 2022-2023، مع إدخال بيانات ضريبة السلع والخدمات وبيانات الشركات والمالية العامة وسوق العمل.
أثر مباشر في ثقة المستثمرينعلى المستوى الدولي يوضح سعيد محمد، أن تحديث الحسابات القومية "يمنح المستثمرين والمؤسسات المالية وبيوت الأبحاث صورة أوضح عن الحجم الحقيقي للاقتصاد الإماراتي ومصادر نموه وتوزع النشاط بين القطاعات". فالمستثمر برأيه لا يقيّم معدل النمو فقط، بل ينظر أيضاً إلى جودة البيانات التي بُني عليها الرقم، ومدى شمول مصادرها، واتساقها مع المعايير الدولية، وقدرتها على إظهار التحولات داخل الاقتصاد.
كما يعزز اعتماد منهجيات متوافقة مع نظام الحسابات القومية الصادر عن الأمم المتحدة قابلية مقارنة بيانات الإمارات مع بيانات الاقتصادات الأخرى، ويقلل الفوارق الناتجة عن اختلاف طرق التصنيف والقياس.
وأوضح أن قابلية المقارنة الدولية تعني استخدام مفاهيم وتعريفات وتصنيفات متقاربة بين الدول، حتى تكون المقارنة بين أحجام الاقتصادات ومعدلات نموها ومساهمة القطاعات فيها أكثر دقة.
البيانات جزء من قوة الاقتصادويخلص سعيد محمد إلى أن "تطوير الأنظمة الإحصائية يُعد عالمياً استثماراً طويل الأجل في دعم جودة المؤشرات الاقتصادية".. "ويضمن مواكبة أدوات القياس للتحولات التي تشهدها الاقتصادات، ويعزز دقة البيانات التي تستند إليها السياسات الاقتصادية وقرارات الاستثمار".