جريدة الرؤية العمانية:
2026-07-24@22:18:08 GMT

النجيد.. نبض العطاء وأمل المستقبل

تاريخ النشر: 1st, January 2025 GMT

النجيد.. نبض العطاء وأمل المستقبل

فايزة سويلم الكلبانية
faizaalkalbani1@gmail.com


إهداء
"إلى أبناء بلدتنا العزيزة (النجيد) في ولاية عبري، من آبائنا وأمهاتنا وشبابنا الذين يُواصلون سعيهم المُستمر بكل إصرار وعزيمة، ليتركوا بصمة مُشرقة تظل شاهدة على عطاءاتهم في رفعة هذا الوطن العزيز، عُمان. إلى أولئك الذين يطمحون للعيش الكريم ويعملون بلا كلل من أجل مُستقبل أفضل، مُحاطين بمحبة وإخاء وعطاء لا يعرف حدودًا".


*******
خرجتْ أمي في إحدى صباحات الشتاء الباردة بخطوات ثابتة، تحمل في قلبها شغفًا لا ينطفئ، ومصحفها الصغير في يدها، تطوي المسافات مشيًا على الأقدام نحو مدرسة القرآن الكريم. ومع مرور الوقت، تغيَّر مكان منزلنا وأصبح أبعد عن المدرسة، فاستعانت أمي بإحدى الجارات لتقلها معها، محتسبة الأجر بتعاونها المشكور، لم تكن المدرسة كما هي اليوم، بل كانت منزلًا قديمًا تركه أصحابه، واستُغل ليكون مكانًا لتدريس الأمهات تحت برنامج محو الأمية، حيث اجتمعت النساء لأول مرة في أجواء بسيطة، يحملن حلمًا واحدًا: تعلم القرآن الكريم وحفظه، كانت تلك البدايات متواضعة، تمامًا كالأمهات اللاتي حضرن بخطوات مترددة، غير أنَّ الشغف بالعلم سرعان ما غلب كل تردد.
ومع مرور الوقت، بدأ الحلم يكبر، وانتقلت حلقات التعليم إلى مجلس متواضع بُني بالقرب من مسجد البلدة. هذا المجلس، الذي أصبح لاحقًا رمزًا للتجمعات في المناسبات المختلفة، من أعياد وعزاء وأفراح، تحول إلى مكان دائم لتعليم النساء القرآن الكريم.
لم يكن هذا التحول ليحدث لولا جهود أبناء البلدة وفريق من الشباب المتطوعين الذين حملوا على عاتقهم زمام المبادرة لترميم المجلس وتجهيزه، بتبرعات سخية من أبناء البلدة، هؤلاء الشباب، الذين تحلوا بروح العطاء، عملوا بلا كللٍ لجعل المكان ملائمًا لتحقيق أهداف التعليم، فبات المجلس بفضل تكاتف الجهود المخلصة أكثر استقبالًا للنساء وأمهات البلدة اللواتي توافدن عليه بشغف أكبر.
أصبحت مدرسة القرآن الكريم اليوم مكانًا تحرص عليه النساء حُبًا وقناعة، ورغبةً حقيقية في التعلم، حيث تتنوع البرامج التي تُقدّم، ما بين التفاعل مع المناسبات الوطنية واندماج الأمهات الدارسات في فعالياتها، مما يعزز من ارتباطهن المستمر بالمكان. في قلب هذا الجهد، تبرز الأستاذة وضحاء المعمرية، المتطوعة والمصرح لها بالوعظ والإرشاد من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، التي تقوم بدور كبير في توجيه الأمهات وتعليمهن. إلى جانبها، تقف الأستاذة رياء بنت سالم الكلبانية، رفيقتي في الدراسة بالمدرسة، التي توفقت بأن تصبح مُرشدة دينية معتمدة من الوزارة، ولهن بصمات وجهود عظيمة في محبة الأمهات بالمدرسة وتشجيعهن على الإقبال المُستمر، مما جعله مركزًا جاذبًا للنساء الطامحات في تعلم القرآن الكريم.
من هنا أُقدِّم الدعوة المُتجدِّدة إلى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية لتقديم الدعم المستمر للمُعلِّمات المُتطوِّعات، وتوظيفهن استنادًا إلى خبراتهن ورغبتهن في الاستمرار في مسيرتهن التعليمية. هذا الدعم سيكون خطوة مهمة لتكثيف استقطاب النساء المتعلمات، مما يُسهم في تعزيز جهود تعليم القرآن الكريم ويعكس إيمانًا بقدراتهن على إحداث تأثير إيجابي في المجتمع.
اليوم، لم تعد أمي تمشي وحدها إلى تلك المجالس؛ بل ترافقها جاراتها وصديقاتها من نساء البلد، يذهبن في جماعات، يحملن في قلوبهن شغفًا واحدًا: الارتقاء بمعرفتهن الدينية، وحفظ كتاب الله الكريم. بات المجلس يشهد حضورًا لافتًا يصل إلى أربعين مُتعلمة، كل واحدة منهن ترى في هذا المكان ملاذًا آمنًا يجمع بين التعليم والدعم الاجتماعي.
إنَّ هذه التجربة ليست مجرد قصة بلدة صغيرة؛ بل هي انعكاس لحراك أكبر يعم هذا الوطن العزيز المعطاء؛ حيث تسعى مراكز تعليم القرآن الكريم إلى تعزيز الهوية الإسلامية وغرس حب العلم في نفوس الأمهات والنساء. وما يحدث في سلطنة عمان يجد له صدى في بقاع أخرى من العالم الإسلامي، من أطفال إفريقيا الذين يتحدون قسوة الظروف لحفظ القرآن، إلى حُفاظ غزة الذين يتشبثون بكتاب الله وسط المُعاناة.
القرآن الكريم ليس مجرد كلمات تُحفظ، بل هو حياة تُعاش. وهذه المجالس، التي بدأت في منزلٍ متواضع وانتهت بمجلس رممته الأيادي الشابة، هي نموذج حي للصمود والإصرار على تحقيق الأهداف. هؤلاء النساء، ومعلماتهن، وشباب البلدة المتطوعون، يجسدون معاني العطاء والإيمان في قريتي "النجيد"، وبكل قرى عُماننا الغالية.
أصبحتُ في سعادة أكبر عندما اكتشفت أن أختي الكبرى في قرية مجاورة لنا بعبري قد انضمت مع نساء قريتها لتعيش نفس التجربة، متأثرات بالأجواء المشجعة على حفظ القرآن، تنظم هؤلاء النساء أوقاتهن بين مُتطلبات المنزل والعائلة ورغبتهن القوية في حفظ القرآن، مما يعكس إرادتهن الصلبة وإصرارهن على التعلم رغم مسؤولياتهن اليومية.
إنِّها رحلة مستمرة، تبدأ بخطوات صغيرة، ولكنها تصنع أثرًا عظيمًا. حين تذهب أمي اليوم إلى المجلس، تمشي بخطواتٍ واثقة، تعرف أنَّ هذا المكان ليس مجرد مجلس؛ بل هو منارة تحمل نور القرآن للأمهات، وترسخ القيم في النفوس؛ ليبقى القرآن نبراسًا يهدي أمتنا إلى طريق النور والخير.
 

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

كلمات دلالية: القرآن الکریم

إقرأ أيضاً:

الهرمونات والذاكرة.. ماذا يحدث لدماغ المرأة في الأربعين؟

رغم ما تتمتع به أدمغة النساء من مزايا تجعل دماغ المرأة يبدو، من حيث طريقة استخدامه للطاقة، أصغر بيولوجيا بنحو أربع سنوات مقارنة بدماغ رجل في العمر نفسه، فإن الهرمونات تلعب دورا أساسيا في كثير من التغيرات التي تطرأ على دماغ المرأة بداية من مرحلة منتصف العمر، تلك التي تبدأ مع الأربعين، ويمتد إلى مراحل لاحقة.

وقد تؤثر هذه التغيرات في العديد من القدرات، مثل الذاكرة، والانتباه، والتركيز، وتنظيم المزاج، إضافة إلى الحماية العصبية. لكن، هل تعاني جميع النساء من هذه التغيرات الذهنية مع بلوغ الأربعين؟ وهل توجد طرق للحفاظ على اللياقة العقلية والجسدية والحد من آثارها؟

ما الذي يحدث في عقل المرأة بعمر الـ 40

مع بلوغ سن الأربعين، يبدأ الدماغ، لدى النساء والرجال على حد سواء، مرحلة جديدة لا تعني بالضرورة الشيخوخة أو التدهور، بل تمثل تحولا وظيفيا في شبكاته العصبية كجزء طبيعي من نموه وتطوره. ففي هذه المرحلة، ينتقل الدماغ تدريجيا من نمط "التعلم والاستيعاب السريع" إلى نمط يعتمد أكثر على "التكامل، والحكمة، والربط بين الخبرات". إلا أن أدمغة النساء تشهد، إلى جانب هذه التغيرات الطبيعية، تغيرات إضافية ترتبط بالتحولات الهرمونية.

بعض مناطق الدماغ تتراجع، بينما تنشط مناطق أخرى للتعويض (بيكسلز)

يشير باحثون إلى أن أدمغة النساء تبدأ، منذ نحو الأربعين، في إعادة تنظيم نشاطها الوظيفي، إذ تطرأ تغيرات على نشاط بعض الشبكات العصبية، وهو ما قد يفسر عددا من الأعراض الشائعة المرتبطة أيضا بانخفاض مستويات هرمون الإستروجين في الجسم، مثل:

 بطء استرجاع الكلمات وضعف التركيز و"ضباب الدماغ"

لكن هذا ليس كل شيء؛ ففي دراسة بريطانية صادرة عن جامعة بريستول، نشرت عام 2020، تابع باحثون 2411 سيدة، من أجل قياس الوظائف المعرفية والهرمونية بصورة متكررة. ولاحظ الباحثون وجود انخفاض تدريجي مع التقدم في العمر في بعض القدرات العقلية، مثل سرعة التفكير، وسرعة معالجة المعلومات، وبعض اختبارات الانتباه، وبعض الوظائف التنفيذية، والطلاقة اللفظية.

إعلان

ورغم أن الدراسة أشارت إلى أن هذا التراجع كان بطيئا ومحدودا نسبيا، وليس تدهورا حادا، فإنه ظل ملحوظا وواضحا لدى كثير من السيدات. لذلك، حاول الباحثون من خلال الدراسة الإجابة عن سؤال محير: هل ترجع شكوى المرأة في الأربعينيات والخمسينيات من ضعف الذاكرة والتركيز إلى التقدم في العمر نفسه، أم إلى الانتقال إلى سن اليأس، أم إلى انخفاض هرمون الإستروجين والهرمونات الجنسية؟ وهو سؤال لم تحسم الدراسة إجابته بصورة نهائية، إذ أشارت النتائج إلى أن كل عامل من هذه العوامل لعب دورًا في هذه التغيرات.

الدماغ يتغير مع العمر، لكنه يواصل التكيف والتعويض (بيكسلز)قدرات تتراجع وأخرى تتعزز

ربما يكون الخبر الجيد أنه، رغم التغيرات التي يمر بها الدماغ مع بلوغ الأربعين، فإن دماغ المرأة يتمتع بميزة تُعرف بـ"الشباب الأيضي". وتولد هذه الميزة مع المرأة، وتظهر منذ مرحلة الشباب المبكر في العشرينيات، وتستمر بصورة مستقرة عبر العقود المختلفة، مما يجعل دماغها، من حيث طريقة استخدامه للطاقة، أصغر بيولوجيا بنحو أربع سنوات مقارنة بدماغ الرجل. وقد يسهم ذلك في الحفاظ على الحيوية الذهنية والقدرات المعرفية لفترة أطول مع التقدم في العمر.

ويشير باحثون إلى أن هذه التغيرات لا تحدث بالدرجة نفسها لدى جميع النساء، كما أنها لا تعني الإصابة بالخرف أو فقدان الذاكرة. وفي المقابل، قد تظهر آليات تعويضية داخل الدماغ؛ إذ رصدت دراسة صينية نُشرت عام 2021 اختلافا في النشاط التلقائي بمنطقتين رئيسيتين في الدماغ. فبينما انخفض النشاط في التلفيف الجبهي العلوي الأيمن، المسؤول عن الذاكرة العاملة، والتركيز، والتخطيط، والوظائف التنفيذية، ازداد النشاط في التلفيف اللساني الأيمن، وهو منطقة تشارك في معالجة المعلومات والذاكرة البصرية.

ويعني ذلك أنه في مقابل تراجع بعض القدرات، مثل الاحتفاظ السريع بالمعلومات أو إدارة أكثر من مهمة في الوقت نفسه، نتيجة تأثر الانتباه والتركيز، قد يلجأ الدماغ إلى آلية تعويضية، فتنشط مناطق المعالجة البصرية للمساعدة في تعويض هذا النقص والحفاظ على قدر من الاستقرار المعرفي.

التعلم المستمر يحافظ على مرونة الدماغ (دوبي)حيل خاصة للعناية بشباب الدماغ

يمكن الحفاظ على صحة الدماغ، والعناية بتقدم صحي في العمر عبر الحفاظ على مجموعة من الوصايا التي تجمع بين ضبط الهرمونات، والاهتمام بالتمثيل الغذائي، وتحفيز نمو المزيد من الخلايا العصبية، أهمها:

الاهتمام بالتغذية: إذ يتكون الدماغ في معظمه من الدهون، لذلك تسهم الدهون الصحية الموجودة في السلمون، والسردين، والمكسرات، وزيت الزيتون البكر، وبذور الشيا، في حماية أغشية الخلايا العصبية والحد من ضبابية الدماغ، إلى جانب أهمية الأطعمة المضادة للالتهابات.

ممارسة الرياضة بانتظام: مع الجمع بين التمارين الهوائية (الكارديو) لتحسين تدفق الدم والأكسجين إلى الدماغ، وتمارين المقاومة للحفاظ على الكتلة العضلية وتنظيم مستويات السكر في الدم.

الحفاظ على الحركة اليومية: مثل المشي السريع، إذ تشير أبحاث حديثة إلى أن المشي ما بين 5 آلاف و7.5 آلاف خطوة يوميا قد يبطئ التدهور المعرفي لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بمرض ألزهايمر.

إعلان

الحصول على نوم عميق وكافٍ: لمدة تتراوح بين 7 و8 ساعات في غرفة مظلمة، إذ يعمل النوم العميق كدورة تنظيف ليلية، ينشط خلالها "الجهاز الغليمفاوي" لإزالة السموم والبروتينات الضارة من الدماغ، والمساعدة على تثبيت الذكريات.

ممارسة تقنيات الاسترخاء: مثل التنفس العميق والتأمل، للحفاظ على صحة منطقة الحُصين، المسؤولة عن الذاكرة والتعلم، والتي قد تتأثر بالتوتر والقلق المزمنين.

"ضباب الدماغ" عرض شائع لكنه غالبًا مؤقت (دوبي)

متابعة الصحة الهرمونية: عبر إجراء فحوصات دورية لمستويات الفيتامينات، ووظائف الغدة الدرقية، ومستويات السكر في الدم، ومناقشة الحاجة إلى العلاج الهرموني التعويضي مع الطبيب عند الضرورة.

تجنب العزلة: والحرص على بناء شبكة من العلاقات الاجتماعية الدافئة، لما لها من دور في تنشيط مناطق التفكير والتعاطف في الدماغ.

مواصلة التعلم: فالدماغ يزداد قوة مع التحدي، وبعد الأربعين، عندما يعيد تنظيم شبكاته العصبية، يصبح التعلم وسيلة لتعزيز مرونته، سواء بتعلم العزف على آلة موسيقية، أو القراءة في مجالات معقدة، أو ممارسة ألعاب التفكير.

مقالات مشابهة

  • بن شرادة: أكثر من يفهم المشهد الليبي الحالي هم الذين يعلنون عن تشكيل حكومة كل يوم جمعة
  • الهرمونات والذاكرة.. ماذا يحدث لدماغ المرأة في الأربعين؟
  • متى يبدأ مفعول سورة البقرة؟.. 7 أسرار عجيبة لا يعرفها كثيرون
  • مقارئ الجمهور بمساجد بنى سويف تشهد إقبالًا واسعًا لتعزيز إتقان تلاوة القرآن الكريم
  • برامج علمية وفنية في أسبوع رواد المستقبل بدبا
  • يمن العطاء الجهادي سيظل منارة الشموخ والتحدي والانتصار
  • من هم الرجال الذين يجوز للمرأة عدم ارتداء الحجاب أمامهم؟.. أمين الفتوى يجيب
  • «الفارس الشهم 3» تُكرِّم 600 طفل من حفظة القرآن الكريم في غزة
  • البابا تواضروس: أطفال مصر بذور المستقبل.. وغرس الانتماء يبدأ من الصغر
  • الأوقاف تحتفي بذكرى تسجيل أول أسطوانات للمصحف المرتل في التاريخ