الدعوة لتحقيب تاريخ السودان دلالاتها ومغازيها
تاريخ النشر: 3rd, January 2025 GMT
بروفيسور: عادل علي وداعه - جامعة سنار
صدر من دار آريثيريا للنشر والتوزيع بالشراكة مع مركز بحوث ودراسات دول حوض البحر الأحمر بالسودان في ديسمبر 2024م كتاب بعنوان: حول مفهوم تاريخ السودان وتحقيبه تلخيص وتحرير الدكتور عوض شبّا، وجاء في مقدمة الكتاب انه تلخيص موجز لحوار علمي جاد ونقاش مستفيض جرى بين نفر كريم من أساتذة التاريخ بعدد من الجامعات السودانية على رأسهم رائد فكرة التحقيب لتاريخ السودان الدكتور أحمد الياس حسين والذي له اسهاماته المقدرة في هذا المجال، واحتوى الكتيب على مقدمة ومجموعة رؤى في تاريخ السودان ومفهومه ومقترح تحقيبه وموضوعات جديدة ينبغي على المؤرخين البحث فيها ودراستها واضافتها إلى مقرر تاريخ السودان في مناهج التعليم العام والعالي.
والمقصود بالتحقيب التاريخي اعادة تقسيم التاريخ إلى فترات وحقب ويعرف بالإنجليزية Periodization of History وهو من الأفكار النيرة التي حاول المؤرخون من خلالها إعادة المرونة إلى علم التاريخ، وقد اهتم عدد من الفلاسفة بفكرة تقسيم التاريخ إلى حقب أو فترات زمنية ومن بين هؤلاء الفلاسفة الفيلسوف
الألماني كانط 1724-1804 والذي اقترح أن يحقب التاريخ من وجهة نظر عالمية وأصدر كتاب عنوانه(مقالات في التاريخ والسياسة ) عبارة عن مقالات ومصنفات في قضايا التاريخ والسياسة، ومواطنه هيغل 1770-1831 والذي تبنى فكرة كانط في تقسيمه للتاريخ العالمي، وجاء من بعدهم المؤرخ البريطاني ارنولد توينبي 1889-1975 ودعم فكرة عالمية التقسيم التاريخي ومن أهم اعماله في هذا الصدد موسوعة دراسة للتاريخ Astudy of History .إذن التحقيب يعني بصورة عامة تقسيم مسار التاريخ لحقب محددة بسمات وخصائص مشتركة في وحدات زمنية وفقا لمعايير ثابتة منها التحقيب بالأحداث التاريخية المهمة أو التحقيب بالظواهر الحضارية والاجتماعية والثقافية، وانتبه المؤرخون إلى مشكلة تحقيب التاريخ فوجدوا أن أسهل وأوضح ترتيب للمعلومات التاريخية هو الترتيب الزمني للأحداث تفاديا للتقسيمات التي تعتمد على فكر تاريخي أو مدرسة تاريخية معينة والتقسيم الموضوعي الذي يرتكز على دراسة الأحداث حسب اختصاصها مثل التاريخ السياسي، والتاريخ الثقافي، والتاريخ الاجتماعي والتاريخ الاقتصادي، ومع أهمية هذه المدرسة وضرورتها الا أنها لا
تستند على قاعدة صلبة ومتينة فالأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية أوضاع متشابهة لا يمكن دراستها والبحث فيها منعزلة عن بعضها البعض بل لا يجوز ذلك ويجب أخذها كوحدة متكاملة لأن كل عصر أو حقبة أو فترة تاريخية في التاريخ الإنساني تمثل وحدة مستقلة لها ملامحها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تشكل الجوانب الكلية ومنها جميعا يمكننا صياغة وكتابة تاريخ أي أمة من الأمم أو شعب من الشعوب.
وتاريخ السودان مراد به كل الأحداث التي وقعت فوق أرضه بغض النظر عن الإنسان الذي كان سببا في صنعها فالأرض هي مسرح الحدث التاريخي وبالتالي يأخذ الحدث التاريخي اسم المكان الذي وقع فيه وهو تقسيم يعتمد على الجغرافيا ورغم وجاهته وموضعيته إلا أن به خلل فالجغرافيا نفسها ليست ثابتة ويعتريها الكثير من عوامل التغيير(انفصال جنوب السودان عن السودان مثلا)، ويمكن أن يحقب التاريخ وفقا للشخصيات العظيمة الملهمة ودورها في صناعة الأحداث التاريخية وريادتها وقيادتها لصنع الحدث وهو اتجاه يجد حظه عند بعض المؤرخين عندما ينظر إلى التاريخ على أساس انه من صنع الفرد وليس مجموع الناس (دور الفرد في التاريخ).
وهناك ايضا التقسيم الماركسي للتاريخ كمدرسة تاريخية جديدة منطلقا من المفهوم المادي للتاريخ معتمدا على العوامل الاقتصادية والتكنولوجية بوصفها العنصر الحاسم في التطور البشري وتقسيم التاريخ إلى فترات حسب نمط إنتاج كل فترة وهو ما يعرف باللوحة الخماسية(المشاعية البدائية،العبودية،الاقطاع،الراسمالية، الشيوعية ) والإنتاج وعلى أثره تبادل منتجاته يشكل أساس اي نظام اجتماعي وتاريخه وتوزيع المنتجات وانقسام المجتمع الى طبقات أو فئات،وكيف يتم تبادل تلك المنتجات؟وهكذا فالاسباب النهائية لكل التحولات الاجتماعية ينظر إليها في تغييرات اسلوب الإنتاج، فالمفهوم المادي للتاريخ يعني ضرورة الدراسة المستقلة للواقع دون التقيد بتصور مسبق واستخلاص النتائج من الواقع وهو ليس بديل لدراسة واقع وتاريخ البلد المعين لمعرفة خصوصيات تشكيلاته الاجتماعية وتاريخه والتي تتشابك مع تقاليد وسمات وظروف ذلك البلد.
وتعتبر محاولة اعادة تحقيب التاريخ أمر ضروري وتزداد اهميته وضرورته بالنسبة لتاريخ السودان الأمر
الذي يجعل أهمية تحقيب تاريخ السودان وإعادة قراءته وصياغته بطريقة متسقة مع التواريخ الإنسانية الأخرى، وقد وفقت المجموعة التي انيط بها أمر التحقيب في مقترحها واعتمدت على معيارين للتحقيب كما ذكرت في كتيبها اولها الأحداث التاريخية المهمة وثانيها المظاهر الحضارية والاجتماعية والثقافية المميزة لكل حقبة. واشارت المجموعة في مقترحها إلى أن المدرسة التاريخية السودانية لم تتفق على وضع تقسيم أو تحقيب لتاريخ السودان لذا رأت المجموعة الدفع بمقترحها لتحقيب تاريخ السودان معتمدة على التقسيم التقليدي المتعارف عليه التاريخ القديم والتاريخ الوسيط والتاريخ الحديث مستبعدة التاريخ المعاصر لخلافات جوهرية حوله.
وبالنسبة لتاريخ السودان القديم هناك شبه إجماع بين المؤرخين على أنه يشتمل على الثقافات المبكرة والتي نشأت على طول مجرى النيل ومناطق قريبة منه في شرق وغرب البلاد وتنتهي بانهيار مملكة مروي في عام 350م، مع الإشارة لمراجعة بعض المصطلحات التاريخية غير العلمية مثل حضارة المجموعة (أ ) وحضارة المجموعة(ج) والفترة المظلمة والتي تعرف بالمجموعة(س) وأهمية نسبة هذه الحضارات والثقافات
إلى صانعيها آخذين في الاعتبار التطور الذي حدث لعلم الآثار بفضل الثورة التقنية الحديثة، وأيضا النظر فـي اشكالية المسميات القديمة لبلاد السودان وضرورة تفسيرها علميا كذلك القصور الذي لآزم المدرسة التاريخية السودانية في تركيزها علي التنقيب والبحث في المناطق النيلية وإهمال المناطق البعيدة والطرفية والذي أدى إلى ظهور قضية التهميش (الهامش والمركز) .
أما التاريخ الوسيط فقد اتفق المؤرخون على أن هذه الفترة تبدأ في القرن السادس الميلادي وتنتهي بالغزو التركي للسودان في عام 1821م ،غير أن للمجموعة رأي جديد جدير بالمناقشة إذ تعتبر التحول الذي حدث في السودان بعد دخول وانتشار الاسلام اكبر من التحول الذي أحدثه الأتراك لذلك عدوا أن القرن الخامس عشر الميلادي هو البداية لتاريخ السودان الحديث، ومعلوم أن الانتقال من حقبة أو فترة تاريخية تحكمه عوامل وتغييرات اجتماعية وسياسية واقتصادية عميقة ، ويرى البروفسور محمد سعيد القدال( أن التحول والانتقال من بنية اقتصادية-اجتماعية إلى أخرى لا يتم فجاءة أو في عام وإنما تتداخل تلك البنيات تداخلا يجعل التمييز بينها احيانا صعبا وشهد السودان في الربع الأول من القرن التاسع عشر الميلادي احداثا كبرى ومؤثرات داخلية وخارجية كيفت مسار تطوره فانتقل من مجموعة نظم سياسية ذات علاقات محدودة بالعالم الخارجي إلى كينونة سياسية موحدة وبالتالي انتقل السودان إلى العصر الحديث ) .ومما يعزز هذا الرأي أن الممالك الإسلامية في السودان ساد فيها نظام اقطاعي له خصائصه المتميزة وهو عين النظام الاجتماعي الذي ساد في العصور الوسطى وبالتالي نرى أن الممالك الإسلامية في السودان تندرج ضمن التاريخ الوسيط اتساقا مع تاريخ العصور الوسطى. وثمة ملاحظة يجب النظر إليها بجدية وهي هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة ومدلول مسمى الحبشة جغرافيا وتداخلها مع السودان المصطلح الجغرافي ورؤية البروفسور عبدالله الطيب في ذلك.
والتاريخ الحديث يبدأ بالغزو التركي للسودان في عام 1821م ويستمر إلى نيل البلاد لاستقلالها من الاحتلال البريطاني في عام 1956م محتويا على فترات الحكم التركي والثورة والدولة المهدية والاحتلال البريطاني. ويحتاج تاريخ السودان الحديث إلى اضافات اقتضاها الواقع فيجب ادارج السودان المستقل حتى عام 1969 ضمن مناهج ومقررات تاريخ السودان الحديث(النظم السياسية الديمقراطية والحكومات العسكرية والانتقالية والتغيرات المجتمعية المصاحبة ضمن المناهج الدراسية ) .وما يحمد لهذه المجموعة إضافة لجهدها المقدر فك الاشتباك اللفظي المتعمد لفترات الاحتلال الأجنبي للسودان الاحتلال التركي 1821-1885م،والاحتلال البريطاني 1898-1956م ،مع الإشارة إلى أن السودان في فترة الحكم التركي اداريا كان تابعا إلى مصر رغم المحاولات التي جرت لتبعيته للدولة العثمانية مباشرة وجعله ولاية عثمانية وابرز تلك المحاولات المحاولة التي قام بها الحكمدار أحمد باشا أبوودان 1838-1843م ونهايته المأساوية، إضافة إلى المحاولات الأخرى المسكوت عنها.
adilali62@gmail.com
المصدر
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: تقسیم التاریخ تاریخ السودان السودان فی فی عام
إقرأ أيضاً:
وكيل مجلس الشيوخ: 23 يوليو ثورة صنعت تاريخًا جديدًا.. والرئيس السيسي يقود مصر إلى مستقبل أكثر قوة
تقدم اللواء أ.ح/ أحمد العوضي، وكيل أول مجلس الشيوخ، النائب الأول لرئيس حزب حماة الوطن، بخالص التهاني وأصدق الأمنيات إلى السيد/ الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وإلى الشعب المصري العظيم، بمناسبة حلول الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو المجيدة، مؤكدًا أن هذه الثورة الوطنية الخالدة ستظل واحدة من أعظم المحطات الفارقة في تاريخ الدولة المصرية، بما جسدته من إرادة وطنية صلبة أرست دعائم الاستقلال والسيادة والكرامة الوطنية، ومهدت الطريق لبناء دولة قوية حديثة تستند إلى إرادة شعبها وتاريخها العريق.
كما بعث وكيل أول مجلس الشيوخ التهنئة إلى الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، والفريق أشرف سالم زاهر، وزير الدفاع والإنتاج الحربي والقائد العام للقوات المسلحة، والفريق أحمد خليفة، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، واللواء محمود توفيق، وزير الداخلية، والمستشار عصام فريد، رئيس مجلس الشيوخ، والمستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، وكبار رجال الدولة، داعيًا المولى عز وجل أن يحفظ مصر وقيادتها وشعبها، وأن يوفق الجميع لاستكمال مسيرة البناء والتنمية وتحقيق المزيد من الإنجازات في مختلف القطاعات.
مرحلة فارقة من عمر الوطنوأكد النائب الأول لرئيس حزب حماة الوطن، أن الاحتفال بذكرى ثورة 23 يوليو هذا العام يأتي في مرحلة فارقة من عمر الوطن، نجحت خلالها الدولة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في تجاوز تحديات غير مسبوقة، وترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، والانطلاق نحو تنفيذ رؤية تنموية شاملة أعادت رسم ملامح الدولة الحديثة، ورسخت مكانة مصر كدولة محورية تمتلك قرارها الوطني وتحظى باحترام وتقدير إقليمي ودولي.
وأشار إلى أن ما تحقق على أرض الواقع من إنجازات عملاقة ومشروعات قومية غير مسبوقة في مختلف ربوع الجمهورية، يعكس حجم الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية التي تقود مسيرة التنمية، ويؤكد أن الجمهورية الجديدة أصبحت نموذجًا حقيقيًا للدولة القادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وتحقيق معدلات إنجاز استثنائية في زمن قياسي، بما يعزز جودة الحياة للمواطن المصري، ويؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا للأجيال القادمة.
وأضاف العوضي ، أن ثورة الثالث والعشرين من يوليو ستبقى رمزًا خالدًا لنضال الشعب المصري من أجل الحرية والاستقلال والعدالة الوطنية، كما ستظل شاهدًا على الدور الوطني التاريخي للقوات المسلحة المصرية، التي كانت وما زالت الحصن المنيع للدولة، والسند الأمين للشعب، وحامية مقدرات الوطن وصاحبة الدور الأصيل في الحفاظ على أمنه واستقراره عبر مختلف المراحل التاريخية.
واختتم اللواء أحمد العوضي بيانه بتوجيه التحية والتقدير إلى رجال القوات المسلحة البواسل، الذين يقدمون أروع صور التضحية والفداء دفاعًا عن الوطن، مترحمًا على أرواح الشهداء الأبرار، ومؤكدًا أن مصر ستواصل، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، مسيرة البناء والتنمية والجمهورية الجديدة بثقة وثبات، داعيًا الله عز وجل أن يديم على الوطن نعمة الأمن والاستقرار، وأن يحفظ مصر دائمًا عزيزة قوية، تنعم بالرخاء والتقدم والسلام.