خطبتا الجمعة بالحرمين: الخضوع لسلطان العادات بعيدًا عن أنوار الوحيَين يضيّع أجور الأعمال.. وحب الله يستلزم طاعته وطاعة رسوله
تاريخ النشر: 3rd, January 2025 GMT
ألقى الشيخ الدكتور أسامة بن عبدالله خياط خطبة الجمعة اليوم في المسجد الحرام، وافتتحها بتوصية المسلمين بتقوى الله وعبادته، والتقرب إليه بطاعته بما يرضيه وتجنب مساخطه ومناهيه.
وقال فضيلته: حين تستحكم الآفات، وتستشري العِلَل، وتكثر الأدواء، تضطرب عند ذلك الألباب، وتلتاث العقول، وتحار الأفهام، فتنأى بالمرء عن سلوك الجادة، وتحيد به عن الصراط، وتحدث في نظام الحياة فسادًا عريضًا، حيث يشيع الخلل، ويفشو العوج، وتختل الموازين، وتنعكس الأمور، فيقدَّم المؤخر، ويؤخر المقدَّم، وتصغَّر العظائم، وتعظَّم الصغائر، وتحفظ الفروع، وتضيَّع الأصول.
وأضاف الشيخ أسامة: إن في دنيا الواقع من صور حفظ الفروع وتضييع الأصول ما لا يكاد يُحصى من الصور، فترى في الناس مَن يجتهد في ألوان القربات ليله ونهاره، ليزدلف بها إلى مولاه، ويحظى عنده بالدرجات العُلا والنعيم المقيم، لكنه يقرن ذلك بما يفسد عليه جده ونصبه، ويحبط عمله واجتهاده، حين يشرك بالله غيره، بدعاء أو باستعانة أو باستغاثة أو بذبح أو بنذر أو بصرف أي نوع من أنواع العبادة التي هي حق خالص لله، لا يجوز صرف شيء منها لغيره سبحانه. وحين يأتي كاهنًا أو عرَّافًا فيسأله ويصدِّقه، وحين يعلِّق تميمة أو ودعة يستدفع -بزعمه- الضرَّ عن نفسه أو أهله وولده، مع أن الله تعالى قد بيَّن لعباده في كتابه بواضح البيان، أن عاقبة ما كان من هذا الإشراك شركًا أكبر هو حبوط العمل وفساده، وعدم انتفاع عامله به في الآخرة، وتحريم الجنة عليه وجعل مأواه النار، فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وأشار إمام وخطيب المسجد الحرام إلى أنه مِنَ الناس مَن يُعنى بإقامة حروف القرآن وتجويدها، وتحسين الصوت بالتلاوة، ويضيع حدوده، ويهمل العمل بما أنزل الله فيه، ويغمض الأجفان عن تدبر معانيه، والتأثر بعظاته، والاعتبار بقصصه وأمثاله.. ومِنَ الناس مَن يحترز من رشاش النجاسات أن يصيب ثيابه شيء منها، لكنه لا يتوقَّى من غيبة أو نميمة أو قول زور.. ومَن يكثر من الصدقات، لكنه لا يتورَّع عن مال حرام. ومِنَ الناس مَن يصلي بالليل ويصوم النهار، لكنه يؤذي جيرانه ويتعدّى على حقوقهم، ويستطيل في أعراضهم، حتى تكون جيرته عليهم همًّا ثقيلاً، وشرًّا مستطيرًا، وبلاءً عظيمًا.. ومِنَ الناس مَن يَبَرُّ معارفه وعشراءه بإقامة أوثق العلائق معهم، لكنه يعق والديه وإخوانه، ويقطع رحِمه، ويتبرأ من قرابته وأهل بيته.. ومِنَ الناس مَن يجود على الفقير البعيد، لكنه يدع أهل بيته عالة يتكففون الناس، أو يضيق عليهم في النفقة الواجبة، فلا يعطيهم ما يكفيهم بالمعروف.. ومِنَ الناس مَن يصون لباسه ومركبه وفراشه عن الأدناس والأقذار، لكنه لا يحفظ سمعه وبصره عن التلوث بأرجاس الحرام.. ومِنَ الناس مَن يطيع في صغار الأمور دون كبارها، وفيما تخف عليه مؤونته دون ما عليه فيه مشقة.
وأكد الدكتور أسامة أنه لا ريب أن مبعث هذا الانحراف، ومصدر هذا العِوَج، في تضييع الأصول وحفظ الفروع، إنما هو الخضوع لسلطان العادات، والإذعان لهيمنة الأعراف، بعيدًا عن أنوار الوحيَين، قصيًّا عن ضوابط التنزيلَين، وكذا اتباع الهوى بغير هدى من الله، وفصول جهل بدين الله، وقلة الناصح وندرة المعين..
ألا وإن المخرج من كل أولئك لا يكون إلا بدواء العلم والعمل. أما العلم فلأنه يقف صاحبه به على القواعد والأصول والأسس التي تُبتنى عليها الفروع، وتقوم عليها الجزئيات، وينشئ له فكرًا منظَّمًا منضبطًا يضع الأشياء في مواضعها، ويعرف للأعمال مراتبها ومنازلها. وأما العمل فلأنه يقع صحيحًا موافقًا لما شرعه الله، ماضيًا على نهج رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، سعيدًا بالقَبول، مُبلِّغًا كل مأمول.
وبيّن فضيلته أن مخالفة الهوى، والاجتهاد في ضبط الأعراف والعادات بضوابط الشرع، مما يرجى أن يستصلح به هذا الانحراف، ويُقام به هذا العِوَج، ويثوب به المسلم إلى طريق دينه القويم.
وذكر الشيخ أسامة أن عِظَم الخسارة التي يُمنى بها مَن يحفظ فروعًا ويضيِّع أصولاً، ولاسيَّما إذا كانت هذه الأصول توحيدًا وإيمانًا، خليق بأن يحمل أولي الألباب على كمال العناية بهذا الأمر، وشدة الحذر من التردِّي في وهْدَته، وتمام الحرص على التجافي عن كل سبيل يفضي إليه، وكل حامل يحمل عليه.. وأي خسارة وأعظم من أن يحبط عمل العامل، أو يُنتقص من أجره، أو يُضاعف في وزره.
وحذر من تضييع الأصول، وقال: واعرفوا لكل شيء قدره، وانزلوه منزلته، تستقم أموركم، وتَطِب حياتكم، وتحظَوا برضوان ربكم.
* وفي المسجد النبوي الشريف، ألقى الشيخ الدكتور أحمد الحذيفي خطبة الجمعة اليوم، وافتتحها بتوصية المسلمين بتقوى الله عز وجل، فهي ميزان الكرامة وسر الاستقامة، مستشهدًا بقوله جل وعلا {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّه أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.
وقال الشيخ الدكتور أحمد الحذيفي: إن الحبّ الصدق الذي يغمُرُ القلوبَ الشفيفة من أرَقّ المشاعر الإنسانية وأرْقاها، وأصدقها وأنقاها، ولَكَمْ عبَّر البلغاء وحبَّر الفصحاء فيه من بدائع القولِ ومحاسنِ الكَلِم ما يحرِّك سواكنَ العاطفة ويستثير كوامن الشعور، إلا أن هنالك نوعًا من الحبّ يتسنَّم مراتبَه ويعتلي منازلَه، لأنه يتسامى عن قيود المادّيّات والدنيويات، ويتعالى عن حدود الشهوات الدَّنِيّات، ولأنه يُفِيضُ ذلك الحبَّ المنهمرَ من القلب إلى مُبْدِع ذلك القلبِ وخالقِه، إنه حبّ الله تعالى وتقدّس.
وأضاف: إن محبة الله تعالى هي روح العبادة وحقيقتُها وسرُّها، فإنه لا يستحقّ أحد كمالَ ذلك الشعورِ وبذلَ منتهاه إلا أن يكون محبوبًا لذاته ومحبوبًا من كل وجه، وليس شيءٌ يُحَبّ لذاته ومن كل وجه إلا الله -جل وعز- وحده، فلذلك لا يستحق أحد العبودية ولا كمالَ المحبة سواه.
وأوضح فضيلته أن الله تعالى هو الـمُسدي للنِّعَم على الحقيقة، والفاتح لأبوابها، والـمُوصِل لأسبابها، مشيرًا إلى أن النفوس الكريمة مجبولة على حبّ مَن أحسن إليها، فكيف إذا كان هو الذي منه كلُّ إنعامٍ وإحسان، مستشهدًا بقوله تعالى {هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ}.
وذكر أمام وخطيب المسجد النبوي أن نبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ أعلمَ الخلق بالله، وأكملَهم عبودية لمولاه، كان أكثرَهم له استغفارًا وتوبة وإنابة، قال أبو هريرة: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: “والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة”. هذا وقد غفر له ربّه ما تقدم من ذنبه وما تأخر. مبينًا أنها المحبة الصادقة التي تترجم تلك العبودية الكاملة من ذلك النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
وأبان فضيلته أن المؤمن حين يتفكر في جليل صفات الله وجزيلِ مِنَنِه عليه يتعاظم في قلبه حبّه، حتى يكونَ الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، مستشهدًا بقوله ـ عليه الصلاة والسلام: “ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، ومن أحبَّ عبدًا لا يحبه إلا لله عز وجل، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار”.
وتابع الشيخ الحذيفي بقوله: إن الحب الصادق لله يستلزم طاعة الله، وطاعة الله لا تكون إلا باتباع رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ فإذا اتبع المؤمن المحبّ لربه حبيبَ ربه ـ عليه الصلاة والسلام ـ فقد بشّره الله في كتابه ببشارتين: بمحبتِه سبحانه له، ومغفرتِه لذنوبه، مستشهدًا بقوله جل شأنه {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
وختم فضيلته الخطبة مبينًا أن هذا اليوم تُندب فيه كثرة الصلاة والسلام على خير الخلق وسيد الأنام، موصيًا المسلمين بالإكثار من الصلاة والسلام عليه، لتكون لكم قربة إلى الله وزلفى لديه، مستشهدًا بقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: “إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي”.
المصدر
المصدر: صحيفة الجزيرة
كلمات دلالية: كورونا بريطانيا أمريكا حوادث السعودية ـ علیه الصلاة والسلام ـ الله تعالى الناس م ن ی ع الأصول ه علیه
إقرأ أيضاً:
تعرف على موضوع خطبة الجمعة غدا بمساجد الأوقاف
نشرت وزارة الأوقاف نص موضوع خطبة الجمعة اليوم الموافق 10 صفر ١٤٤٨هـ/ ٢٤ يوليو - ٢٠٢٦م والتي حددت موضوعها بعنوان: «الماء حياة ونماء».
وقالت الوزارة أن الهدف المراد توصيله: الوعي بأن المحافظة على المياه والموارد العامة مسئولية دينية ووطنية أما الخطبة الثانية: «الموارد ليست ملكا خاصا».
وشددت الوزارة على جميع الأئمة الالتزام بموضوع الخطبة ووقتها المحدد لها.
الحمدُ للهِ الذي جعلَ منَ الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ، ويسَّرَ بهِ أرزاقَ العبادِ في كلِّ وادٍ وحيٍّ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، منبعُ الجودِ والعطاءِ، ومُسدي نعمِ الأرضِ والسماءِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، كانَ أصدقَ الناسِ شكرًا للنعماءِ، وأحفظَهُم لمواردِ العيشِ والهناءِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ الأبرارِ، صلاةً دائمةً ما انهمرَ غيثٌ وتدفقتْ أنهارٌ، أما بعدُ، فيا عبدَ اللهِ:
١- كنْ شاكرًا لربِّكَ على نعمةِ الماءِ فهي أصلُ الحياةِ، ومصدرُ النماءِ والبهجةِ الروحيةِ والبدنيةِ، فحقيقةُ بقائِكَ تقومُ على تدفقِ سرِّ الحياةِ الثمينِ، وتكتملُ بهِ عمارةُ الأرضِ للمستخلَفينَ، فطريقُ الشكرِ لخالقِكَ يحتاجُ إلى صيانةِ هذهِ المِنَّةِ العظيمةِ، التي بها قيامُ المخلوقاتِ، لتغدوَ قيمُ الترشيدِ والحفاظِ جزءًا من سلوكِكَ، وعنصرًا أساسيًّا في سموِّ شؤونِكَ، وتتبّعْ أثرَ الأنبياءِ في استشعارِ هذا العطاءِ المديدِ، فقد جعلَ اللهُ الماءَ آيةً كبرى للتثبيتِ والتأييدِ، فنجَّى نوحًا بماءٍ انهمرَ وفاضَ، وجعلَهُ لموسى رضيعًا وشابًّا طريقًا للنجاةِ والخلاصِ، ونصرَ بهِ الحبيبَ المصطفى ﷺ يومَ بدرٍ بالطهورِ والتثبيتِ، وكانَ سرُّ التفوقِ في معركةِ العاشرِ من رمضانَ، فأطلِقْ في مجالاتِ حياتِكَ نداءَ التدبرِ والامتنانِ، واجعلْ نيتَكَ صيانةَ هذا الفيضِ الربانيِّ منَ النقصانِ، لتسعدَ في دنياكَ وآخرتِكَ ببركةِ العيشِ الرغيدِ، تقديرًا لهذهِ النعمةِ العظيمةِ، في إطارِ قولِ اللهِ جلَّ وعلَا: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ كُلَّ شَیۡءٍ حَیٍّۚ أَفَلَا یُؤۡمِنُونَ﴾.
٢- تدبرْ حقيقةَ الأمانةِ الملقاةِ على عاتقِكَ في صيانةِ نعمةِ الماءِ، فالإسلامُ جعلَ الحفاظَ على هذهِ النعمةِ مسؤوليةً دينيةً ووطنيةً على كلِّ فردٍ في مجتمعِهِ، وهي عبادةٌ يتقربُ بها العبدُ إلى ربِّهِ، وواجبٌ وطنيٌّ يحمي بهِ مقدراتِ بلادِهِ وأمنَها القوميَّ، فتتبعْ سيرَ الصحبِ الأبرارِ في صونِ النعمِ، وتعلَّمْ فضلَ الاقتصادِ في العطايا، وانظرْ لعظيمِ الأجرِ في ميزانِ الرحمنِ، حينَ جعلَ اللهُ سقيَ المحتاجِ وإحياءَ النفوسِ سببًا لمغفرةِ الذنوبِ والآثامِ، وفي المقابلِ توعدَ منْ يهدرُ المياهَ أو يمنعُ فضلَها بالوعيدِ الشديدِ، فصيانةُ أمنِ وطنِكَ المائيِّ وحفظُ استقرارِهِ هو أبلغُ زادٍ للسالكينَ، وبها تتكاملُ الواجباتُ وتتحققُ المصلحةُ في الدارينِ، امتثالًا للهديِ النبويِّ الشريفِ، وتطبيقًا لمقاصدِ الشريعةِ الغرَّاءِ في حفظِ الأنفسِ والأوطانِ، حيثُ ضربَ النبيُّ ﷺ أروعَ مثلٍ للمسؤوليةِ الوطنيةِ والمجتمعيةِ في حمايةِ مقدراتِ الوطنِ فقالَ: «مَثَلُ القائِمِ على حُدودِ اللهِ والواقِعِ فيها كمَثَلِ قَومٍ استَهَموا على سَفينةٍ، فأصابَ بَعضُهم أعلاها وبَعضُهم أسفَلَها، فكان الذينَ في أسفَلِها إذا استَقَوا مِنَ الماءِ مَرُّوا على مَن فوقَهم، فقالوا: لو أنَّا خَرَقنا في نَصيبِنا خَرقًا ولم نُؤذِ مَن فوقَنا، فإن يَترُكوهم وما أرادوا هَلَكوا جَميعًا، وإن أخَذوا على أيديهم نَجَوا، ونَجَوا جَميعًا».
٣- احذر الإسرافَ والعبثَ بالمصادرِ المائيةِ، واجعلْ ترشيدَ الاستهلاكِ ديدنَكَ، واغرسْ هذهِ الثقافةَ في نفوسِ أبنائِكَ، وتجنب السلوكياتِ الخاطئةَ؛ فلا تترك الصنبورَ مفتوحًا دونَ استعمالٍ، وتجنب الإسرافَ في تنظيفِ السياراتِ، واحذرْ إهمالَ تسريباتِ الأنابيبِ وشبكاتِ المياهِ، كما يشتدُّ النهيُ والتحذيرُ منْ إلقاءِ القاذوراتِ في نهرِ النيلِ وما يتفرعُ منهُ، فإنَّ هذا جرمٌ كبيرٌ وأذًى عظيمٌ، واعلمْ أنَّ هدرَ المياهِ ليسَ مجردَ هدرٍ ماليٍّ، بلْ هو مخالفةٌ شرعيةٌ تحرمُكَ شكرَ المنعمِ، فأصلحْ سلوكَكَ اليوميَّ المائيَّ، لتسلكَ سبيلَ النجاةِ يومَ تُسألُ عنِ النعيمِ، مستمسكًا بهديِ نبيِّكَ ﷺ حينَ مرَّ بسعدٍ وهو يتوضأُ فقالَ: «ما هذا السرفُ؟ فقالَ: أفي الوضوءِ إسرافٌ؟ قالَ: نعمْ، وإنْ كنتَ على نهرٍ جارٍ».
٤- تذوقْ ثمراتِ الأمنِ المائيِّ المستدامِ، واغتنمْ بركاتِ الاستقرارِ والتنميةِ على الدوامِ، فإذا أحسنتَ إدارةَ المواردِ، وحميتَ الأنهارَ منَ التلوثِ والهلاكِ، سارتْ مركبُ الأوطانِ في أمنٍ ورخاءٍ، فيتعينُ عليكَ حينئذٍ صونُ الأواصرِ والبيئةِ بتركِ الاعتداءِ، والتخلقُ بخُلُقِ الاقتصادِ في الغسلِ والوضوءِ، واحذرِ الإسرافَ فإنَّهُ ممحقٌ للنعمِ والخيراتِ، وبسببِهِ يحلُّ الفقرُ، وتتبددُ الثرواتُ، فحافظْ على شبكاتِ المياهِ، واستعملْ وسائلَ الريِّ الحديثةَ بحكمةٍ وأناةٍ، وكنْ واعيًا مصلحًا باذلًا للخيرِ في سائرِ المجالاتِ، فبالأمنِ المائيِّ تُبنى الحضاراتُ على ضفافِ الأنهارِ، وتزولُ أسبابُ النزاعِ والاضطرارِ، فتلكَ نعمةٌربانيةٌ، ومِنَّةٌ رحمانيةٌ، قالَ سبحانهُ: ﴿قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَاۤؤُكُمۡ غَوۡرࣰا فَمَن یَأۡتِیكُم بِمَاۤءࣲ مَّعِینِۭ﴾ .
الخطبة الثانيةالحمدُ للهِ وكفى، وصلاةً وسلامًا على عبادِهِ الذينَ اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، يحيي ويميتُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أما بعدُ:
فإن المواردَ العامةَ ليستْ ملكًا لكَ أو لغيرك، بلْ هيَ ملكٌ للجميع، فاجعلْ تعاملَكَ معَ المواردِ العامةِ صونًا لنعمةِ ربِّكَ، وانشرْ بذورَ الترشيدِ والنظامِ في حياتِكَ، فالمواردُ العامةُ ثروةُ الأوطانِ، وبها تنتفعُ المجتمعاتُ، فالمؤمنُ الحقُّ منْ يلزمُ الاقتصادَ في أوقاتِهِ وأحوالِهِ، وينضبطُ في استخدامِ الماءِ والطاقةِ والغذاءِ، فيتحولُ إلى عنصرٍ نافعٍ يحمي بيئتَهُ، ويصونُ نعمَ ربِّهِ، بالابتعادِ عنِ التبذيرِ والإسرافِ، والتحولِ إلى استخدامِ التقنياتِ الحديثةِ، فصُنْ بالوعيِ مواردَكَ، وحصِّنْ بالمسؤوليةِ حياتَكَ، تبنِ وطنًا قويًّا في مبادئِهِ، ناجحًا في اقتصادِهِ، مستقيمًا في أحوالِهِ، محافظًا على بيئتِهِ، مهتمًّا بنظافتِها، وقد أكدَ المصطفى ﷺ على أنَّ المواردَ حقٌّ مشتركٌ لا يجوزُ احتكارُهُ أو الانفرادُ به دونَ الخلقِ، فقالَ ﷺ: «الناسُ شركاءُ في ثلاثةٍ: الماءِ والكلإِ والنارِ».
كنْ حذرًا من تبديد تلك الموارد، وتجنب السلوكياتِ السيئةَ، كالإفراطِ في استهلاكِ الغذاءِ وإلقاءِ بقاياهُ في النفاياتِ، والعبثِ بالأوراقِ والأدواتِ المكتبيةِ والحكوميةِ، والإسرافِ في استخدامِ الوقودِ وحرقِ الطاقةِ بلا طائلٍ، فتلكَ سلوكياتٌ مفسدةٌ للنعمِ، ومبددةٌ للثرواتِ، وتأملْ كيفَ جعلَ الإسلامُ المواردَ أمانةً، لتكونَ نعمُ اللهِ وسيلةَ حياةٍ، فكنْ لينًا في توجيهِ أبنائِكَ، مصلحًا في مجتمعِكَ، وتلطفْ في نشرِ ثقافةِ الترشيدِ في المدارسِ والمؤسساتِ، فالمؤمنُ الواثقُ يعلمُ أنَّ حفظَ المواردِ يبني الحضاراتِ، ويحافظُ على الطاقاتِ، وبالانضباطِ تدومُ النعمة، وتعظمُ الفائدةُ، في إطارِ الاستمساكِ بقولِهِ جلَّ وعلا: ﴿وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ .