البوابة نيوز:
2026-07-24@13:14:18 GMT

تامر أفندى يكتب: أحمد عدوية..  طرب "صُنع فى مصر"

تاريخ النشر: 10th, January 2025 GMT

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق ابن بلد.. لم تجعله الشهرة ينسى أصله وأهله وأصدقاءه نجيب محفوظ: جاء من الشعب.. يستخدم أساليب شعبية.. وصاحب صوت خشن لا يخلو من حلاوةمشروع متكامل للأغنية الشعبية التى تلامس وترًا حساسًا فى نفوس الناس.. وكان طبيعيًا أن يلحن له الكبار أمثال كمال الطويل وبليغ حمدى وسيد مكاوى وهانى شنودة

 

لا أعرف إذا كان هذا تقريرًا صحفيًا عن مطرب شعبى، أم أنه اعتراف كاتب بأنه وقع فى حب فى حب الموال الشعبى بسبب «عدوية»؟.

كانت البداية حينما جاءتنى كغيرى من الكٌتاب دعوة لحضور فرح فى منطقة شعبية. وعند الاستفسار عن تفاصيل «الفرح»، قال لى أن الليلة سيحييها «عمدة الأغنية الشعبية، أحمد عدوية».. ثم واصل وصلة التعريف: «عدوية يا بيه.. يا بيه راحوا الحبايب».. ثم أخذ يُغنى: 

راحوا الحبايب بقالهم عام والتاني

رابطين على البعد ولا راجعين تاني

ليه يا حبايب حلى زادى ومررتوه

رش الدوا صعبة على العلة ومررتوه

يوم يجى عقلى فى راسي

ويوم بيتوه والقلب خدتوه

ومن يومها مجاش تاني

لم أكن قبلها من المحبين ولا الكارهين.. لكن كان المزاج فى الطرب الشعبى حسب الحالة والجلسة، فلا أمانع مزاج الأصدقاء إذا لم يكن فى الأمر «نشاز»، وفى العديد من الجلسات كان يتم استدعاء عدوية بجوار عظماء الطرب.. تارة لنفسه وتارة لكلمات مأمون الشناوى أو للحن بليغ حمدى أو غيرهما.. ولم يكن هناك سفير أو بديل لحضور أحمد عدوية.. حتى أن أحد الرجال فى مناسبة ما قال: «فى عٌمد لما بتروح ما بيجيش زيها.. ومنهم عدوية».

يادى الزمن الردي

اللى كترت فيه المغنواتية

فى ناس بتقول آه يا عينى

بس الآه مش هي

والفن مدرسة يا عيني

والحياة كلية

والحٌب موش حب

لو مفيهوش ملاغية

أعرف حناجر تحمل الشجن وحناجر تحمل البهجة، لكن حنجرة عدوية كانت تحمل الوترين.. تبتهج وتبكى، يلسعك شعور الحزن ويضمدك إحساس الفرح.. لا تعرف إذا كان صوته يأتيك من أذنك أم من داخلك.. أهو من يُغنى أم أنت الذى تٌغنى وتلك حالتك مرة فى الجد ومرة فى الهرج.

فى سهرة «عدوية» فى أحد الأفراح أو الملاهى الليلية يشكو النُدال من «وقف الحال» فلا أحد يحتاج لأن يشرب حتى يثمل.. فإله السلطنة يوزع عطاياه من السكر على السهارى.

حبة فوق وحبة تحت

البدر ساكن فوق

بصيت لفوق بشوق

مال قلبى وانجرح

عدوية أو أحمد العدوى ابن محافظة المنيا رقم ١٣ فى ترتيب أشقائه.. وهنا لابد أن نقف ونوجه جزءًا من الموال إلى المتشائمين فى كل أنحاء العالم من هذا الرقم.. عدوية غير فكرة الرقم ١٣.. وإن كان قبله نذير شؤوم فلقد جعله رقمًا للحظ والحب والفن والسلطنة.

من مقاهى الصعيد جمع درجات السلم الموسيقى وقطف طبقات صوته من وجه النيل وبقايا وضوء السماء على رمال الصحراء.. ومن صداح الطير على قمم الجبال.. على الربابة غنى وتغنى بسير الأساطير وجامل الأقارب والجيران بهدايا أبو زيد الهلالى.

من هناك حيث ترك ذكريات الدندنة، مشت به الأحلام إلى مقهى الآلاتية فى شارع محمد على ليٌعلن احترافه الغناء عام ٦٩.

شباكها بالستاير ومزينه بعنباية

وقفص فيه تين وحاير

بيفكرنى بحكاية

حكاية قلب حب

والشوق حاكم عليه

بنظرة عين يحب 

ولا حد يحس بيه

احتكر عدوية بالحب والفن سوق الأفراح والسهرات الشعبية.. والشهرة لا يمكنها أن تدخل بسيارتها الفارهة عطفات الحارات الشعبية لذا كثيرًا ما تمر من الشوارع الرئيسية دون أن تلتفت لمواهب فى الصفوف الخلفية.. على غير العادة جذب موال «عدوية» أسماع الشهرة.. فاستدعته للقائها فرفض ترك جماهيره والذهاب إليها.. فما كان منها إلى أن ترجلت إليه فى حفل عيد زواج شريفة فاضل، وكان به كوكبة من الفنانين ونجوم المجتمع ومن بينهم صاحب كازينو تشبث بـ«عدوية» ولم يتركه إلا بعد ما وقع معه العقد.

يا ليل يا ليل يا ليل

يا ليل يا ليل يا عيني

ابن البلد وبنت البلد

ابن البلد طول عمره أصيل

أحب بنت البلد يا ناس

وأحب عشرتها

أصيلة ومأصلة 

أنا ما نساش حلاوتها

السميعة وركاب الميكروباصات «قبل طوفان المهرجانات» يعرفون كل مواويل عدوية وأغنياته، لكن زبائن المشاوير القصيرة وركاب التاكسيهات والتطبيقات لا يعرفونه جيدًا وربما لا يحفظون له إلا كوبليه من أغنية «السح الدح إمبو» كنوع من الفكاهة.. ولهذه الأغنية حكاية تبدأ من أن «السح الدح إمبو» أكبر أغنية حققت توزيعًا إذ وصلت حينها لمليون نسخة، هذا بخلاف أنها كانت الأغنية الأشهر فى كل مكان.. ومن المفارقات أن العندليب عبد الحليم حافظ غناها فى إحدى الحفلات التى جمعته بعدوية وبنجوم الطرب.. وفى المقابل، غنى عدوية فى هذه الحفلة «خسارة.. خسارة.. فراقك يا جارة».

آه.. قبل أن تتوه منى المعلومة فى فيض الحب الجارف «عدوية».. اسمه أحمد عدوى لكن أحدهم أخطأ على إسطوانة التوزيع وأضاف «تاء الشهرة».. وكانت تلك من منح الصُدف التى تأتى ولو حتى عن طريق الخطأ.

ممن قرأت لهم وراقنى ما كتبه واحتفظت بنسخة منه لدى، الكاتب المُثقف مؤمن المحمدى الذى ذهب إلى زاوية مختلفة عن واقعة غناء العندليب «السح الدح إمبو» فقد ذُكرت بروايات مختلفة منها ما ذكرناه أعلاه ومنها ما كره المحمدى فى مقاله إذ كتب: «فى إحدى الحفلات، اجتمع بالمصادفة عبد الحليم حافظ وأحمد عدوية، البرنس والحرفوش، أنت تعلم أنه لا حدود لذكاء عبد الحليم، لكن عدوية أيضًا لا حدود لفهلوته.. لا أعرف أين يقع الخط الفاصل بين الذكاء والفهلوة.

حليم أمسك بالدف وغنى ساخرًا: السح الدح إمبو، وهنا عدة رسائل.. أولًا: أن هذا هو ما يقدمه عدوية، وثانيًا: أن ما يقدمه تافه.. وثالثًا: يُلقى بالكرة فى ملعبه لرد التحية، ومن المؤكد أن الجمهور لن يتقبل عدوية يغنى: (ظلموه).. لكن المطرب الشعبى رد ضربة الإرسال بضربة (اسكرو) مُعتبرة، وغنى وقتها: نار يا حبيبى نار، فول بالزيت الحار، فكان يحتفظ بالأداء الطربى فى الشطر الأول، ثم يغلق المقطع بالعودة لمنطقته».

ويضيف المحمدى فى مقاله: «هكذا كان الصراع الذى بدأ قبلها بسنوات طويلة، عندما صعد محمد رشدى، وهدد احتكار حليم للمقعد الأول، حليم انتصر على رشدى فى تلك الجولة، وكان انتصاره معتمدًا على الدخول إلى ملعب رشدى، واحتكار الأبنودى وبليغ وغنائه أنا كل ما أقول التوبة وأخواتها.. حليم كسب الجولة، لكنه كان بيديه يمهد لخسارة الحرب، فالمنطقة التى انتقل إليها حليم، تقع فى قلب دولة عدوية.. الخسارة هنا لا تعنى إخماد ذكره، فالرجل أسطورة بكل المقاييس، وله ركنه المميز فى بيت التاريخ الغنائى، لكن الخسارة هنا هى فقدان الاحتكار، وفى أنه لم يعد الوحيد، وأنه لم يكن أول من يكسر حاجز المليون نسخة، بل كان أحمد على مرسى الشهير بعدوية».

لكن لماذا كسب عدوية دائمًا كل الرهانات؟.. باختصار لأنه كان ابن بلد.. لم تنسه الشهرة أصله وأهله وأصدقاءه فكان خيره لهم.. من يتابع «مشاكسة ومحبة عدوية» لأعضاء فرقته سيُدرك أن بوصلته فى حياته كانت فى قلبه وجزء من نجاحه كان فى نقاء سريرته.. وأجمل ما كتب عن تلك العلاقة أنه لم يكن يقف فى مقدمة الأغنية ليذكر أسماءهم، ويشكرهم كما يشكر الملك طاقم وزرائه، بل كان يعيش معهم، فيواسى حسن أبو السعود: «يعوض عليك يا أبو على.. أو يلاغى أبو شفة عازف الناى: الله عليك يا أبو شفة يا حلو.. ورق يا حسن يا أنور، الله عليك يا عم عبده داغر، «الكمنجاتى الأسطوري»، ويا عينى على العظمة يا عم سامى البابلى، الذى كان يقف أمام الترومبيت كمروض خيول برية.

لم يسلم عدوية من الهجوم وكان أبرز من هاجمه الكاتب الكبير صلاح عيسى فكتب «ليس هناك أتفه من عدوية»، لكن لأن الحكاية من بدايتها كانت «خليها على الله» سخر الله له من يدافع عنه فقال نجيب محفوظ: «أحب الاستماع إلى عدوية صوت شعبى فيه حلاوة».. يا حلاوتك يا عدوية.. كان كلام محفوظ فى حوار مع الكاتب الراحل مفيد فوزى، الذى حاول حسب طريقته أن يستفز أديب نوبل، فسأله عن سر إعجابه بصوت عدوية، مستفسرًا عن مقاييس السعادة عنده بناء على مقال قصير كتبه محفوظ بعنوان «واهبو السعادة» عن المطرب الهندى أميتاب باتشان.

وكعادته، رد محفوظ بهدوء: «مقاييس واهب السعادة.. إذا ماكانش يفيد ما يضرش، وبيسر مجموعة من البشر.. إنك تسر مجموعة من البشر ده شيء مش قليل فى هذه الدنيا.. أنا سمعت فى كل مطار هنا وبره وفى أوروبا بيبقى مليان بالشباب.. يبقى الراجل ده بيسعدهم مفيش شك أومال رايحين له ليه؟».

وواصل محفوظ: «كذلك لما تيجى لعدوية فى وقت كان هو المسموع الأول.. بينافقوه؟ الشعب بينافقه؟ لا.. ده راجل من الشعب بيستعمل أساليب شعبية وألفاظ شعبية، وصوت خشن شعبى لا يخلو من حلاوة».

ولما سأله عن أغنية «سيب وأنا سيب»، قال نجيب: «عجبتنى.. الكلام الغير المعقول ده له مغزى كبير ما يصحش يفوتك.. وهو يعنى إن كل طرف يتخفف شوية.. فى حاجات غير معقولة يجب تحويلها إلى معقولة على ضوء الواقع».

ولأنه لا يجوز الدخول إلى خيمة عدوية دون إلقاء السلام والتحية على كاتب الأغنيات عمنا حسن أبو عتمان الذى وضع كلمات معظم أغانيه، وفى الحقيقة وكأن كواليس أغانى عدوية كانت «قعدة جلسات عربية» يتساوى فيها الجميع فلا فرق بين هذا وذاك فهناك أسماء لم تحتفظ بها ذاكرة المستمع كانت على نفس القدر من الحضور والتأثير تمامًا مثل الأبنودى ومأمون الشناوى وسمير الطاير وبليغ حمدى وسيد مكاوى وكمال الطويل وعمار الشريعى.. لأن عدوية لم يكن مطربًا بل كان مشروعًا كاملًا للأغنية الشعبية التى تلامس وترًا حساسًا فى نفوس الناس، وكان طبيعيًا أن يلحن له الكبار.. على سبيل المثال، لحن له بليغ حمدى أغانى مثل «بنج يا بنج» و«يا أختى سملتين» و«القمر مسافر»، ولحن له كمال الطويل أغنية «على فين»، ولحن له سيد مكاوى «سيب وأنا أسيب»، ولحن له هانى شنودة أغنيات عديدة منها «زحمة يا دنيا زحمة» و«سلام مربع».. أما حسن أبو السعود فقد كان أكثر من لحن له وزاد على ذلك أن كان ضمن فرقته الموسيقية.

كان أول أجر تقاضاه عدوية جنيهًا واحدًا عن أغنية سلامتها أم حسن.. وكان آخر أجر له دعوات محبيه التى بلا عدد.. فى واقعة شهيرة وحينما تاه عدوية فى الزحام ظل متعلقًا بألحان هانى شنودة وغنى فى جزء من أغنيته «زحمة يا دنيا زحمة، مولد وصاحبه غايب»، غضب الرئيس السادات وظن أنه يقصد بها الإسقاط عليه، وأوقد بعض الكُتاب النار تحت تلك الجملة، لكن سرعان ما نفاه الموسيقار هانى شنودة وقال: «عدوية مالوش فى السياسة».

عجبى عليك يا زمن

بترسِّى ناس عالبر

وناس غلابة

رزقهم من خُرم إبرة يُمر

عايشين كده فى المحن

ولا شافوا لحظة تسر

وناس كده ألوان

شبعان يُزقّ جعان

وناس تواصل ضحكها

وناس بتمسح دمعها

وناس بتشرب عسل

وناس بتشرب مُرّ

عن مواقفه الإنسانية، هناك الكثير من الحكايات منها ما قاله أصدقاؤه: «فى مرة من المرات قابل بنت غلبانة عندها إعاقة وملهاش أهل، خدها بيته وخلاها مديرة البيت الكل يسمع كلامها.. ورباها واهتم بيها وكان يا ويله وسواد ليله اللى يزعلها».

وأخيرًا بلهجة جمهوره: «عدوية شاف حزن ياما واتحارب من ناس كتير من غير ذنب منها محاولة قتله.. لكنه عاش وهيفضل عايش فى قلب كل حبايبه.. وإن كنا ودعناه وخلاص سافر.. لكنه هيفضل أحلى وأجمل موال اتقال».

دقّيت على الأبواب

قالوا كفاية.. كفاية

دا مفيش حد

وناديت على الأحباب

قالوا كفاية.. كفاية

ومين هيرد

دا القمر مسافر

والسهر مسافر

والفرحة مسافرة

حتى الحزن سافر.

المصدر

المصدر: البوابة نيوز

كلمات دلالية: الفن الشعبي أحمد عدوية أحمد عدویة لم یکن

إقرأ أيضاً:

منير أديب يكتب: حين تُرك باب المندب رهينةً للحوثي

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

لم يكن الحوثي يومًا مجرد جماعة يمنية تحمل السلاح داخل حدود دولتها، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب إقليمي يمتلك القدرة على التأثير في أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وبينما كانت الصواريخ والطائرات المسيّرة تنطلق نحو السفن العابرة في البحر الأحمر وباب المندب، بدا أنّ الولايات المتحدة والقوى الغربية تكتفي بإدارة الأزمة أكثر من سعيها إلى إنهائها.

 وهنا يبرز السؤال الحقيقي، لماذا استمرت سياسة الصبر على الحوثي طوال هذه الفترة، رغم أنّ تهديده لم يعد يقتصر على اليمن، وإنما امتد إلى أمن المنطقة والاقتصاد العالمي؟

قد يذهب البعض إلى تفسير هذا السلوك بأنّه تراجع في الإرادة الأمريكية، لكن القراءة الأقرب إلى الواقع أنّ واشنطن كانت تنظر إلى الحوثي باعتباره جزءًا من معادلة أكبر ترتبط بإيران، وليس مجرد تنظيم محلي.

 لذلك فضلت لفترة طويلة عدم الانخراط في مواجهة واسعة قد تُؤدي إلى توسيع الحرب في الشرق الأوسط، خصوصًا مع انشغالها بملفات أخرى مثل أوكرانيا، والتنافس مع الصين، ومحاولة تجنب فتح جبهة عسكرية جديدة تستنزف الموارد والقدرات.

كما أنّ الإدارات الأمريكية المتعاقبة راهنت على أنّ الضغوط الاقتصادية والعقوبات، إلى جانب الضربات المحدودة، قد تكون كافيةً لردع الحوثيين دون الحاجة إلى دعم عملية عسكرية واسعة لاستعادة المناطق التي يسيطرون عليها.

 وكان الاعتقاد أنّ احتواء التهديد أقل كلفة من الدخول في حرب مفتوحة قد يصعب التحكم في نتائجها، غير أنّ هذه المقاربة حملت في داخلها خطأً إستراتيجيًا، فالتهديدات التي لا تواجه بحسم غالبًا ما تتطور، والميليشيات التي تنجح في اختبار حدود الردع تزداد جرأةً مع مرور الوقت. 

هكذا انتقل الحوثي من استهداف الداخل اليمني إلى استهداف الممرات البحرية الدولية، ثم إلى فرض نفسه طرفًا قادرًا على التأثير في حركة التجارة العالمية، ولعل تهديدة لباب المندب يأتي متوافقًا مع الرؤية الإيرانية.

لقد تحولت الهجمات على السفن إلى رسالة سياسية بقدر ما هي عملية عسكرية، فالهدف لم يعد مجرد إلحاق الضرر بسفينة أو تعطيل رحلة تجارية، وإنما إثبات أنّ ميلشيا تستطيع التأثير في الاقتصاد العالمي، وإجبار شركات الملاحة على تغيير مساراتها، ورفع تكاليف النقل والتأمين، وإرباك سلاسل الإمداد الدولية.

ومن هنا بدأت الكلفة الحقيقية للتردد، فكل سفينة تضطر إلى تجنب البحر الأحمر والمرور عبر رأس الرجاء الصالح تُعني آلاف الأميال الإضافية، وأيامًا أطول للوصول، واستهلاكًا أكبر للوقود، وارتفاعًا في أقساط التأمين، وانعكاسًا مباشرًا على أسعار السلع. 

ولم يعد المتضرر هو الدول المطلة على البحر الأحمر وحدها، بل الاقتصاد العالمي بأكمله، لأنّ هذا الممر يُمثل أحد أهم طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.

أما على المستوى الإقليمي، فقد منح هذا الواقع إيران ورقة ضغط إضافية، فوجود جماعة مسلحة قادرة على تهديد باب المندب يُعني امتلاك وسيلة للتأثير في معادلات الأمن البحري كلما تصاعد التوتر في المنطقة.

 ولذلك لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر تجاري، بل أصبح جزءًا من معادلة الردع الإقليمية، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الرسائل السياسية.

وكان لغياب الدعم الحاسم للقوى اليمنية المؤيدة للحكومة الشرعية أثر واضح، فبدلًا من تمكين الدولة من استعادة السيطرة على الساحل والموانئ والمناطق الإستراتيجية، استمرت حالة الجمود العسكري، وهو ما أتاح للحوثيين الاحتفاظ بقدراتهم، وإعادة تطوير منظوماتهم الصاروخية والمسيّرة، وتوسيع دائرة عملياتهم.

اليوم يبدو أنّ المجتمع الدولي يدفع ثمن سياسة الاكتفاء بردود الفعل، فالضربات المحدودة قد تعطل بعض القدرات، لكنها لا تنهي التهديد ما دام الهيكل العسكري قائمًا، وما دامت خطوط الإمداد والتجنيد والتمويل مستمرة، ولهذا فإنّ الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة تقليص القدرة العسكرية للحوثيين أصبح مطروحًا بصورة أكثر جديةً في عدد من دوائر القرار الغربية والإقليمية.

غير أنّ إنهاء هذا الخطر لا يمكن أنّ يعتمد على القوة العسكرية وحدها، فالمعركة لها أبعاد أمنية وسياسية واقتصادية في آنٍ واحد، ويتطلب الأمر تعزيز قدرات الحكومة اليمنية، وتأمين الممرات البحرية عبر تعاون دولي مستدام، وتجفيف مصادر التسليح والتمويل، والحد من تدفق التقنيات التي تسمح للحوثيين بتطوير قدراتهم الهجومية.

كما أنّ نجاح أي إستراتيجية طويلة المدى يرتبط بإعادة بناء الدولة اليمنية نفسها، فالميليشيات تنمو حيث تضعف الدولة، وتتمدد حيث تغيب المؤسسات، وتكتسب شرعيةً بحكم الأمر الواقع كلما طال أمد الصراع، ومن دون معالجة جذور الأزمة اليمنية، سيظل البحر الأحمر عرضةً لموجات جديدة من التوتر مهما تعددت العمليات العسكرية.

إنّ أخطر ما كشفت عنه السنوات الماضية ليس قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة، وإنما أنّ التردد في مواجهة الأخطار الصغيرة قد يسمح لها بأن تتحول إلى تهديدات دولية، فالسياسات التي راهنت على إدارة الأزمة بدلًا من إنهائها منحت الحوثي وقتًا كافيًا لتغيير قواعد اللعبة، حتى أصبح أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم مرتبطًا بقرارات جماعة مسلحة لا تمثل دولة، لكنها نجحت في فرض نفسها على معادلات الأمن الإقليمي.

ولعل الدرس الأهم أنّ حماية الملاحة الدولية لا تبدأ عند مرافقة السفن في البحر، وإنما تبدأ بمنع تحوّل الميليشيات إلى جيوش موازية، وبإعادة الاعتبار للدولة الوطنية، لأنّ الفراغ الذي تتركه الدولة لا يبقى فراغًا طويلًا، بل تملؤه دائمًا قوى تمتلك السلاح، وتبحث عن النفوذ، وتستخدم التجارة العالمية ورقة لتحقيق أهدافها السياسية.

 

مقالات مشابهة

  • عمرو وهبي: إذا كانت رخصة الزمالك سليمة فلماذا يُثار الجدل حولها؟
  • نسمة عبد العزيز تُشعل المسرح المكشوف في مهرجان صيف الأوبرا 2026
  • سامح قاسم يكتب: داليدا.. أغنية لا تنتهي
  • منير أديب يكتب: حين تُرك باب المندب رهينةً للحوثي
  • كانت بتعمل عملية.. وفاة مؤثرة شهيرة داخل عيادة تجميل
  • ترامب: إيران أضعف مما كانت عليه قبل 4 أشهر
  • محمد ثروت: مصر لو فازت بكأس العالم الإحتفالات كانت هتستمر لمدة شهر وهيكون فيه عيد كأس العالم
  • السفير رياض منصور : قابلت الرئيس السيسي منذ 10 سنوات .. وكان لديه رؤية عميقة
  • نجوم الغناء يحتفلون بنجاح ألبوم تامر عاشور «مراية الحب»
  • أحمد سعد ورامي صبري ورامي جمال يهنئون تامر عاشور على "مراية الحب"