التحول الواعي من العالم الديني إلى واقعنا الحديث يتطلب موقفاً نقدياً.. قراءة في كتاب
تاريخ النشر: 11th, January 2025 GMT
الكتاب: ما الثورة الدينية.
المؤلف: داريوش شايغان. ترجمة: د. محمد الرحموني.
الناشر: دار الساقي بالتعاون مع المؤسسة العربية للتحديث الفكري. بيروت 2004.
غياب الفكر النقدي في الحضارات القديمة..
في الباب السادس يتناول المفكر داريوش شايغان ما يسميه "الرحلة المتبادلة: التأويل ونزع الصبغة الأسطورية" الذي يقول فيه إنه في الوقت الذي يدرك فيه الإنسان الغربي ضرورة الاعتماد على "تأويل الموسع" من أجل استيعاب مستويات ثقافية أخرى، فإنَّ على نظيره الشرقي أن يقوم "بتأويل مختزل" لإزالة الصبغة الاسطورية عن المفاهيم الهجينة التي نحتها بنفسه بردها إلى سياقها الخاص بعيداً عن المماثلات الزائفة.
وبالتالي فهو يدعو إلى فصل الروحي عن الزمني أي الديني عن الدنيوي. وهو إذ يستعيد رحلة أستاذه هنري كوبان من "هيدرجر إلى السهروردي" أي من الغرب إلى "شرق الأنوار" فإنَّه يقول إنَّ على الشرقيين أن يقوموا برحلة معاكسة في الفكر الغربي، أما العودة إلى ما هو متجاوز تاريخياً فإنها لا تحرر هذا الشرق من التاريخ، بل تسد أمامه الطريق إلى التاريخ.
إن التطرف ليس مقصوراً على مجتمعات الشرق، وأن أدلجة المقدس وحشر الدين في السياسية تحدث في الغرب أيضاً، وهو ما تتجلى ملامحه اليوم في نهج المحافظين الجدد، وخطاب بوش الرسالي، وقبل ذلك في أدلجة الدين اليهودي محاولات تفصيله على مقاس الصهيونية.وإذا كان داريوش شايغان قد أراد كشف جذر "التطرف الإسلامي" من خلال إماطته اللثام عن ابتذال الفلسفة، وأدلجة المقدس لدى الشرقيين، فإنَّه لا بد من القول إن التطرف ليس مقصوراً على مجتمعات الشرق، وأن أدلجة المقدس وحشر الدين في السياسية تحدث في الغرب أيضاً، وهو ما تتجلى ملامحه اليوم في نهج المحافظين الجدد، وخطاب بوش الرسالي، وقبل ذلك في أدلجة الدين اليهودي محاولات تفصيله على مقاس الصهيونية.
يُعَدُّ هذا الكتاب، ما الثورة الدينية؟ محاولة تخص مسار الأدلجة الجارية في صلب الحضارات التي يسميها المفكر الإيراني تقليدية، وهو مسار يميز وضعها التاريخي الراهن. فهذه الحضارات تعيش مرحلة انتقالية بين حدث هو في طور الإعداد ولكنه غير معلن بصفة صريحة، ونظام روحي يهتز ولكنه ما انهار بعد نهائياً، ولن يتجدد أبداً على شاكلته الأصلية. فهذه الحضارات تعيش إذاً بين ما لم يحدث بعد وما لن يعود أبداً؛ بين احتضار الآلهة وموتها الوشيك. فابتداء من القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، وفي أعقاب ذلك الحدث الجذري المتمثل في ظهور عصر العلوم والتقنيات، وعصر الحداثة، انهارت بنى الفكر التقليدي التي كانت تسند قديماً النظرة العرفانية للإنسانية، أي دورة النزول والصعود والتقسيم الثلاثي لقوى الإنسان (جسم؛ نفس؛ روح والعلاقات الودية بين الإنسان والكون ولغة الرموز. كما انهار عالم المخيال espace imaginal وتم تعويض تلك البنى تدريجياً بالأشكال الثانوية لأنماط الفكر المؤدلج.
إلا أنه إن أمكن لنا أن نشبه تلك البنى التقليدية بمرايا عاكسة لنور الوجود وكاشفة في الوقت نفسه عن العلاقة الشفافة التي تربط الوجود بالموجود فإن الأشكال المختزلة التي حلت محلها تبدو بالمقابل بمثابة مرايا مهشمة، تشوه كل واحدة منها - بطريقتها الخاصة - ضياء العالم.
هذا التحول هو بالتأكيد علامة ثورة ميتافيزيقية أحدثت، البعد مداها، انقلاباً كلياً في المنظور جزد البنى القديمة من مبررات وجودها، فتم استبعادها لتقبع في لا شعور الإنسان الحديث.
غير أن قسماً كبيراً من الإنسانية ما زال يعيش متردداً بين هذين المستويين من الحضور في العالم. فمن ناحية، نجد الحضارات الكبيرة غير الغربية، بحكم مخزونها الروحي الكبير، قد بقيت منفتحة على لغة الأساطير العتيقة. وبما أن هذه الأساطير لا تجد لها في العالم المحيط (محلاً) موضوعيا، فإنها تنطوي على أفق المعتقدات الدينية الخصوصي وتكون إذ ذاك عالماً منفصلاً. وبدأت الخطابات الاجتماعية ـ السياسية، من ناحية أخرى، تنتشر أكثر فأكثر وتمس الكوادر والأنتليجنسيا، كما تمس قطاعات من الجماهير المحرومة تتسع يوماً بعد يوم. ولا يستطيع هذان المستويان الثقافيان اللذان يملك كل واحد منهما نمطاً خاصاً في تمثل العالم التواصل من دون أن يعنف أحدهما الآخر.
وهكذا، فعندما تنتفض ديانة كالإسلام وتروم المطالبة بحقوقها محاولة القضاء على مؤثرات الحداثة التي تعتبرها مشؤومة، فإنها تفشل لسبب بسيط، هو أنها تمرّر البنى التقليدية عبر الموشور المشوه للمرايا المهشمة، بحيث أن الأشكال الهجينة التي تنتج عن هذه العملية لا تزيد - للأسف - هذه البنى إلا تفتتاً عوضاً عن أن تصونها. وبما أن التطابق بين الشكل والمضمون وبين الداخلي والخارجي، وكذلك وجهة النظر الروحية التي تتحكم في هذه البنى، قد ضاعا نتيجة انهيار هذا العالم، فإن آلهة هذه الحضارات لا تستطيع أن تتجلى في إطار اجتماعي سياسي إلا متخفية وراء أقنعة تاريخانية متنكرة وهذه الظاهرة الخادعة هي التي نسميها التغرب اللاواعي.
وهذا الكتاب لم يُكتب إلا لإبراز هذا التمزق. لذا، فهذا الكتاب هو كذلك تاريخ وعيي البائس. إنه تاريخ حدث لا يمكن أن يسرده إلا الذين عاشوه من الداخل كنقطة تصادم بين مستويين من الحضور في العالم. والكاتب بوصفه فارسياً، يجسد الحرمان المزمن لشعب عظيم مرشح لأعمال عظيمة، ولكنه بقي بفعل الاستبداد التاريخي خارج التاريخ، وربما حمله وعيه بذلك على التهافت فجأة على التاريخ من دون كابح، منغمساً غصباً عنه في مغامرة خطيرة تتجاوزه والصفاء، الذي بدأ يتجلى بصعوبة، يُظلم من جديد بفعل كدر أيديولوجيا الانفعالية والضغينة والعمى.
أدلجة المأثور الديني
هنا بالذات، تتجذر مهمة المفكر المنتمي إلى هذا المجال الثقافي الخاص، إذ يتحتم عليه أن يحاول الفهم من دون الانخراط في نقاشات أيديولوجية غير مجدية، وأن يربط هذا الفهم بوضعية لا تمت إلى الأيديولوجيا بصلة، ولكنها تنبع من نظرة إلى العالم هي اليوم، أحببنا أم كرهنا، مستقبل كوكبنا. وبعبارة أخرى، فوراء المناظرات الخطابية للثوريين والغوغائيين، ووراء التأويلات المغلوطة التي تتراكم من هنا وهناك، تلوح الحقيقة الخلفية لعدم تواصل شامل لـحوار الصم... ولا تتجلى خلف هذا اللاتواصل مشاكل مرتبطة بالأمر الواقع العالم الثالث المتخلف، والغرب المتقدم جداً فقط، ولكن يتجلى أيضاً، وخصوصاً، تفارق إبستمولوجي يفصم المقولات الذهنية والسلوك النفساني، كما يفصم نمطية الإنسان المفروض أنه يجسدها ويمثلها. وتكمن في هذا اللاتواصل فجوة عميقة جداً ومخفاة بطريقة بالغة التمويه إلى درجة أن الطرفين المتقابلين غير قادرين على معرفتها، فما بالنا بسدها.
وإذا كانت معرفة العالم الروحي تتطلب تأويلاً يسمح بالتحول من الصور المرموز إليها إلى المبادئ الرامزة، كما تتطلب تطابقاً بين السماء الداخلية والسماء الخارجية، حسب عبارة باراقلسوس Paracelcei، فإن التحول الواعي من العالم الديني إلى عالمنا الحديث يتطلب بالعكس موقفاً نقدياً، كما يتطلب، لفهم الحركة الجدلية التي تشده خفية، هدماً أنطولوجياً. وكما تفترض تجربة الرموز قطيعة في المستوى وخروجاً من الزمن الدنيوي إلى التاريخ المقدس، فإن تعرف الإنسان إلى عصره يقتضي دخولاً في التاريخ ووعياً بحوادثه وانفتاحاً على سلالة الفكر الذي ولده، وإلا لوجد الإنسان نفسه محصوراً بين التاريخ والأخروية بين مغامرة الجدلية واحتضار الآلهة، أي في ضياع.
إذا كانت معرفة العالم الروحي تتطلب تأويلاً يسمح بالتحول من الصور المرموز إليها إلى المبادئ الرامزة، كما تتطلب تطابقاً بين السماء الداخلية والسماء الخارجية، حسب عبارة باراقلسوس Paracelcei، فإن التحول الواعي من العالم الديني إلى عالمنا الحديث يتطلب بالعكس موقفاً نقدياًهذا المجهود النقدي هو ما يفتقده ممثلو الحضارات التقليدية الذين يؤدلجون موروثهم بصهره لاشعورياً ضمن الشكل المهيمن لذلك القالب الغربي الكلي الحضور نتيجة دخولهم المفاجئ في تاريخ يجهلون تعقيداته، بحيث أصبحت الأيديولوجيا في أيامنا هذه الشكل المناسب الوحيد للتواصل بين الحضارات. لكن بما أن كل أيديولوجيا هي وعي زائف، فإننا نشهد حتماً تضخماً في الألفاظ واللغة والأشكال المتحولة للفكر، ونخلق بذلك وحوشاً مسوخاً فرانكشتاينية في كلا الجانبين.
إلا أننا قد نستطيع أن نعكس هذا المنطق، ونقول إن تفقير عالم الروح، أو تطوير البصر -أي الانتقال من الإنسان الرائي إلى الإنسان البصري في مجال وسائل الإعلام الحديثة- لم يذهب سدى برغم تفقيره عالم الإنسان السحري الرمزي ومغامرة الغرب الفاوستية هي أيضاً مغامرة إنسانيتنا التي هي قيد تغير وتحول. ومن السذاجة أن نجادل في هذه المغامرة، تماماً كما أنه من الظلم أن نماري في الثروات التي تركتها لنا الأجيال السابقة، إذ لولا خمسة قرون من العلمنة وإزالة الرموز لما كان بوسعنا أن نصل أبداً إلى المفهوم الدنيوي للديموقراطية.
ولولا موضعة الطبيعة وإزالة الصبغة السحرية عنها، ولولا الصدمة الكوزمولوجية للثورة الكوبرنيكية، ولولا جهود غاليليو من أجل ريضنة العالم، لما كانت لنا علوم الطبيعة. ولولا الصدمة البيولوجية لما أمكننا أن نعرف مغامرة النسالة والتطور العضوي للأنواع. ولولا الصدمة السيكولوجية لما تمكنا من إعادة اكتشاف آليات اللاشعور المبهمة. إن هذه الصدمات الثلاث الإيجابية هي التي نحتت، على حد تعبير فرويد Freud، وعي الإنسان الغربي. وقد حدث ذلك من دون شك على حساب القيم الروحية، وعلى حساب ثراء عالم الروح. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الثروات نفسها هي التي يميط عنها الغرب اللثام ولنفكر هنيهة في الجاذبية الباهرة التي يمارسها عالم المثال على الأذهان، ذلك العالم الذي كشف هنري كوربان عن تضمناته المتعددة في العرفان النظري الإيراني بعد أن عانى أهوال الوعي البائس وتحمل الخيبات التي جلبها عليه مكر العقل.
على أن كل مأساة الإنسان اليوم تبدأ تحديداً من نقطة الالتقاء بين المظهرين السلبي والإيجابي لهذا المسار التاريخي. فبالنسبة إلى أي إنسان عاش قمع الأنظمة الشمولية وطغيان الأيديولوجيات المانوية، فإن كلمات الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان ليست مفاهيم جوفاء، بل حقائق ملموسة إلى أبعد حد والذين ينعمون بهذه الامتيازات ويعتبرونها حقوقاً مكتسبة، لا يعلمون إلى أي حد أن هذه الحقوق، شبه الطبيعية لهم، هي أحلام غير ممكنة التحقيق بالنسبة إلى الآخرين المحرومين منها.
ومن المشروع في أغلب الظن أن ننقد أشكال الزيغ في المجتمعات الديموقراطية، ولكن من العدل أيضاً أن نقرّ بأنه لولا هذا الزيغ الذي قد يتعذر اجتنابه، لما كان لحقوق الإنسان ولا للمآثر الهائلة للتقنية أن توجد. وإذا كان الإنسان أصبح على ما هو عليه، وإذا كان عرف لسبب أو لآخر تحولاً ثقافياً ثانياً مع عصر العلم والتقنية، فلعل ذلك لأنه كان عليه أن يُخرج إلى الفعل القوى الكامنة المذهلة التي يشتمل عليها بالقوة. ولا تتمثل المشكلة في التأسف على هذا الأمر الواقع الذي كانت له، ونقول ذلك بعجالة، نتائج ملموسة إلى أبعد حد، ولكن في معرفة كيفية خروج الإنسان منه. وتتأتى المعضلة من كون تحرر الإنسان جاء على حساب عالمه الداخلي، ومن كون الإنسان، بقدر ما تحرر من هيمنة الآلهة والأساطير، وألغى بعبارة أخرى الأصنام الذهنية، قد خلق أصناماً أخرى أقوى وأشد استبداداً.
وثمة في الوقت الراهن نزعتان عامتان تتشكلان في أفق الفكر: نزعة تجاوز العدمية، ونزعة أقوى هي نزعة التقهقر والأدلجة. ولهذا، لا يخسر الإنسان، بسعيه إلى تجاوز مظهر العدمية الهدام المكاسب المتأتية من مستويات الوعي الذي اكتسبه بثورته ضد الآلهة، بل يجهد نفسه إذ يتوقف مستقبل الإنسان على نجاح هذه المحاولة في إعادة الاندماج لاستيعاب هذه المستويات وصهرها في كل واحد، تكون فيه للعلم الواعي بحدوده المكانة نفسها التي لموروث إنسانيتنا الروحي.
إقرأ أيضا: لماذا ترفض الثورة الدينية الحداثة؟ كتاب يقرأ علاقة المشروع الإسلامي بالغرب
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب تقارير كتب الكتاب الدينية الحداثة علاقات كتاب الدين عرض حداثة كتب كتب كتب كتب كتب كتب أفكار أفكار أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة وإذا کان من دون
إقرأ أيضاً:
تطوير النظام الإحصائي في الإمارات.. كيف تعزز البيانات الجديدة دقة قراءة الاقتصاد؟
تتجه الإمارات إلى تعزيز جودة بياناتها الاقتصادية باعتمادها البرنامج الوطني لتطوير النظام الإحصائي، الهادف إلى تحديث منظومة البيانات الاقتصادية ورفع دقتها ومواءمتها مع المعايير الدولية، بما يدعم صناعة القرار، ويعزز قابلية مقارنة المؤشرات الاقتصادية مع فضلى الممارسات العالمية.
ويتضمن البرنامج الذي أقره الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، اليوم الخميس، اعتماد عام 2024 سنة أساس موحدة للحسابات القومية، إلى جانب توحيد المنهجيات الإحصائية، وتوسيع مصادر البيانات، وربط السجلات الإدارية والضريبية بالحسابات القومية، بما يسمح بقياس أكثر شمولاً للأنشطة الاقتصادية الجديدة والمتسارعة النمو.
وتعني "سنة الأساس": السنة المرجعية التي تُستخدم أسعارها وأوزان قطاعاتها عند حساب الناتج المحلي الحقيقي ومقارنة أداء الاقتصاد عبر الزمن. واعتماد 2024 مرجعاً جديداً يعني أن وزن كل قطاع سيُعاد تحديده وفق حجمه ودوره في الاقتصاد خلال تلك السنة، بدلاً من الاستمرار في الاعتماد على هيكل اقتصادي يعود إلى سنوات سابقة، بحسب سعيد محمد، خبير اقتصاد.
هذا التحديث برأيه يكشف بصورة أدق الأنشطة القائمة، ويمنح القطاعات التي توسعت خلال السنوات الأخيرة وزناً أقرب إلى مساهمتها الحقيقية، موضحاً أن الاقتصاد الإماراتي شهد خلال العقد الماضي تغيرات هيكلية واسعة، مع توسع قطاعات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والخدمات المالية والتجارة الإلكترونية والسياحة والنقل والخدمات المهنية والاستثمار.
ومع استمرار استخدام سنة أساس قديمة، تبقى أوزان بعض القطاعات بحسب سعيد محمد، أقل من حجمها الفعلي، فيما يحتفظ عدد من الأنشطة التقليدية بأوزان لم تعد تعكس موقعها الحالي في الاقتصاد. ويعالج تحديث سنة الأساس هذه الفجوة، من خلال إعادة توزيع الأوزان القطاعية، استناداً إلى بيانات أحدث وأكثر شمولاً.
ويرى أن أهمية القرار داخلياً تكمن في تحسين قدرة الجهات الرسمية على قياس مساهمة القطاعات غير النفطية، وتحديد مصادر النمو، ورصد التحولات في الإنتاج والاستثمار والاستهلاك.
ويتيح ذلك للحكومة بناء السياسات الاقتصادية والموازنات والخطط الاستثمارية على قاعدة أكثر دقة، بدلاً من الاعتماد على مؤشرات قد لا تعكس بصورة كاملة سرعة التحولات التي شهدها الاقتصاد، وفق قراءة سعيد محمد.
البيانات الضريبية تدخل في صلب القياسيتزامن تحديث سنة الأساس مع توسيع مصادر المعلومات المستخدمة في إعداد الحسابات القومية، ومن أبرزها بيانات ضريبة القيمة المضافة وضريبة الشركات والسجلات الإدارية الحكومية. وتوفر هذه المصادر معلومات أكثر تفصيلاً عن المبيعات والإيرادات والأنشطة المسجلة وعدد المنشآت وحركة التوظيف، ما يرفع مستوى التغطية مقارنة بالاعتماد على المسوح الدورية وحدها، وفقاً لخبير الاقتصاد سعيد محمد.
وأوضح أن "السجلات الإدارية هي البيانات التي تنتج بصورة مستمرة عن عمل المؤسسات الحكومية، مثل التراخيص والإقرارات الضريبية وبيانات التوظيف والمعاملات الرسمية". وإدماجها في النظام الإحصائي يقلل الفجوات، ويوسع نطاق رصد المنشآت، ويرفع دقة تقدير القيمة المضافة في كل قطاع.
وتشير هذه الخطوة برأيه إلى "انتقال النظام الإحصائي من الاعتماد الأكبر على العينات والتقديرات إلى استخدام قواعد بيانات واسعة ومستمرة، بما يسمح برصد أكثر سرعة ودقة للتغيرات الاقتصادية".
لماذا تعاد حسابات السنوات السابقة؟ولا يقتصر البرنامج على تطبيق سنة الأساس الجديدة على بيانات 2024 وما بعدها، بل يشمل إعادة بناء السلسلة الزمنية للناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2010 و 2026، ويوضح سعيد محمد، أن السلسلة الزمنية هي مجموعة مترابطة من البيانات الاقتصادية الممتدة عبر سنوات متتالية. وإعادة بنائها تعني احتساب السنوات السابقة وفق المنهجية والأوزان والتصنيفات الجديدة، حتى تبقى المقارنة بين عام وآخر متسقة.
محمد بن راشد يعتمد البرنامج الوطني لتطوير النظام الإحصائي في الإماراتhttps://t.co/8tOXXSXIMg pic.twitter.com/NtZAys4Vht
— 24.ae | الإمارات (@24emirates24) July 23, 2026وينتج عن المراجعة تعديل قيمة الناتج المحلي أو مساهمة بعض القطاعات أو معدلات النمو التاريخية. ولا يعني ذلك أن النشاط الاقتصادي في تلك السنوات تغير بأثر رجعي، بل إن المعلومات المتاحة أصبحت أشمل وطريقة القياس أكثر دقة، وفق خبير الاقتصاد.
ممارسة معتمدة في الاقتصادات الكبرىتحديث سنوات الأساس ومراجعة الحسابات القومية ممارسة دورية تتبعها الأنظمة الإحصائية المتقدمة، بهدف مواكبة التغير في بنية الاقتصادات وإدخال مصادر بيانات ومنهجيات جديدة.
وفي الاتحاد الأوروبي، نفذت الدول الأعضاء ودول رابطة التجارة الحرة الأوروبية مراجعة معيارية منسقة للحسابات القومية عام 2024. ويوضح مكتب الإحصاء الأوروبي "يوروستات" أن هذه المراجعات الكبرى تُنفذ بصورة منسقة مرة واحدة على الأقل كل خمس سنوات، لضمان اتساق البيانات وقابليتها للمقارنة بين الدول.
وشملت المراجعة الأوروبية تحديث بيانات الناتج المحلي والتوظيف والحسابات القطاعية، وإدخال مصادر معلومات أكثر اكتمالاً، ما أدى إلى تعديل بعض التقديرات التاريخية من دون أن يعني ذلك وقوع نمو اقتصادي جديد وقت نشر النتائج.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، ينفذ مكتب التحليل الاقتصادي مراجعات سنوية للحسابات القومية، إلى جانب تحديثات شاملة تمتد إلى فترات زمنية أطول وتدمج أحدث البيانات النهائية والتصنيفات والمنهجيات.
وتُعاد خلال هذه المراجعات صياغة السلاسل التاريخية لضمان اتساقها، بما يسمح بمقارنة الاتجاهات الاقتصادية عبر عقود من دون حدوث فواصل ناجمة عن تغير طرق القياس.
وفي 2026، أطلقت الهند سلسلة جديدة للناتج المحلي الإجمالي، وغيرت سنة الأساس من السنة المالية 2011-2012 إلى 2022-2023، مع إدخال بيانات ضريبة السلع والخدمات وبيانات الشركات والمالية العامة وسوق العمل.
أثر مباشر في ثقة المستثمرينعلى المستوى الدولي يوضح سعيد محمد، أن تحديث الحسابات القومية "يمنح المستثمرين والمؤسسات المالية وبيوت الأبحاث صورة أوضح عن الحجم الحقيقي للاقتصاد الإماراتي ومصادر نموه وتوزع النشاط بين القطاعات". فالمستثمر برأيه لا يقيّم معدل النمو فقط، بل ينظر أيضاً إلى جودة البيانات التي بُني عليها الرقم، ومدى شمول مصادرها، واتساقها مع المعايير الدولية، وقدرتها على إظهار التحولات داخل الاقتصاد.
كما يعزز اعتماد منهجيات متوافقة مع نظام الحسابات القومية الصادر عن الأمم المتحدة قابلية مقارنة بيانات الإمارات مع بيانات الاقتصادات الأخرى، ويقلل الفوارق الناتجة عن اختلاف طرق التصنيف والقياس.
وأوضح أن قابلية المقارنة الدولية تعني استخدام مفاهيم وتعريفات وتصنيفات متقاربة بين الدول، حتى تكون المقارنة بين أحجام الاقتصادات ومعدلات نموها ومساهمة القطاعات فيها أكثر دقة.
البيانات جزء من قوة الاقتصادويخلص سعيد محمد إلى أن "تطوير الأنظمة الإحصائية يُعد عالمياً استثماراً طويل الأجل في دعم جودة المؤشرات الاقتصادية".. "ويضمن مواكبة أدوات القياس للتحولات التي تشهدها الاقتصادات، ويعزز دقة البيانات التي تستند إليها السياسات الاقتصادية وقرارات الاستثمار".