افتتح اليوم بجامعة نزوى فعاليات المؤتمر الدولي "التراث والسياحة والثقافة، رؤى متجددة للتنمية الحضارية"، حيث رعى افتتاح المؤتمر معالي سالم بن محمد المحروقي وزير التراث والسياحة، هذا المؤتمر الذي تحتضنه جامعة نزوى أقيم بالشراكة مع وزارة الثراث والسياحة، والاتحاد الدولي للمؤرخين، والذي يستمر حتى الخامس من شهر فبراير الجاري، بمشاركة أكثر من 200 خبير وباحث ومهتم بالشأن السياحي من داخل سلطنة عمان وخارجها، معلنة بذلك انطلاق فعاليات الموسم الثقافي العشرين للجامعة، الذي يحمل هذا العام شعار: "نحو سياحة مثمرة ـ ريادة واستدامة".

ويحفل المؤتمر الذي يستمر 3 أيام، بطرح أكثر من 80 ورقة عمل مختلفة، يقدمها مجموعة من الباحثين والأكاديميين والمهتمين بقطاع السياحية، منها: 40 ورقة عمل سيعرضها المشاركون من خارج سلطنة عمان، تتناول مجموعة من العناوين، منها: التراث الثقافي المادي وغير المادي، وواقع السياحة في سلطنة عمان والوطن العربي وآفاق تطويرها واستدامتها، والثورة الرقمية وتأثيرها على الصناعات الثقافية والسياحية، ودور المؤسسات الثقافية في تعزيز التنوع الثقافي، والصناعات الثقافية ودورها في دعم الاقتصاد وتشكيل الهوية، والثقافة والهوية وأثرها في بناء الشخصية العربية، بالإضافة إلى مجموعة من العناوين المختلفة التي تعنى بشكل مباشر بقطاع السياحة والثقافة في سلطنة عمان.

كما يشهد المؤتمر إقامة 3 حلقات عمل مصاحبة للمؤتمر من تنظيم وزارة السياحة والتراث، الحلقة الأولى بعنوان: (صناعة التراث) وتتضمن 5 جلسات تركز على التكامل بين الحكومة والقطاع الخاص والأهلي وتمويل الاستثمارات في القطاعين الأهلي والأثري، أما الحلقة الثانية فستكون بعنوان (صناعة السياحة)، وتتضمن 4 جلسات تتناول: الترميم: تطبيقاته وتحدياته، والحارات الأثرية وتطويرها سياحيا. فيما ستكون الثالثة بعنوان: (صناعة المتاحف) وتتضمن 3 جلسات عمل موضوعاتها: المتاحف الخاصة: مساهمة مجتمعية لتطوير السياحة وتوثيق تاريخ الذاكرة العمانية "واقعها والتحديات التي توجهها".

التراث الثقافي

وقال سعادة المهندس إبراهيم بن سعيد الخروصي، وكيل وزارة التراث والسياحة للتراث: "يجمع هذا الحفل العلمي المتميز نخبة من الباحثين والمختصين في مجالات التراث والسياحة، إذ يعرض ويناقش أوراق البحث العلمية التي من المؤمل أن تثري رؤى التنمية الحضارية وتعزز مجالاتها، كما أن هذا المؤتمر، الذي تنظمه جامعة نزوى بالتعاون مع وزارة التراث والسياحة، يعكس التكامل بين المؤسسات التشريعية والأكاديمية في سلطنة عمان على استدامة التراث وتعظيم دوره في التنمية الاقتصادية والثقافية".

وأضاف سعادته: "أولت سلطنة عمان اهتمامًا بالغًا بصون التراث الثقافي بجميع أشكاله ومضامينه؛ إدراكًا منها بأن التراث ليس مجرد ماضٍ موثق ومحفوظ ومصون بل حاضر متجدد ومستقبل واعد إذا ما أحسنّا إدارته وتوظيفه؛ لذا جاءت جهود وزارة التراث والسياحة في حماية المواقع الأثرية، وترميم المعالم التاريخية، وتأهيل الحارات القديمة، ودعم المتاحف الخاصة، وتوثيق الصناعات الحرفية، وإيجاد بيئة مناسبة للاستثمار السياحي المستدامة، الذي يحافظ على أصالة المكان وهويته" وأوضح سعادته بقوله: "انعقاد المؤتمر في محافظة الداخلية، التي تحتضن العديد من المواقع الأثرية والمعالم التاريخية المهمة، يتيح لنا فرصة لعرض التجارب الناجحة في توظيف التراث الثقافي للأغراض والسياحية والثقافية، والوقوف على التحديات والفرص التي تواجه الشركاء، سواء في مجال ترميم الاستثمار أم الترويج أم تطوير المتاحف".

20 عامًا والمواسم الثقافية تنشر العلم وتبث الفكر الإيجابي

وألقى الدكتور صالح بن منصور العزري، عميد شؤون الطلاب وخدمة المجتمع رئيس اللجنة الدائمة للفعاليات والمواسم الثقافية، كلمة قال فيها: "ينطلق الموسم الثقافي العشرين بأحد أهم الفعاليات المميزة ألا وهو المؤتمر الدولي: "التراث والسياحة والثقافة ... رؤى متجددة للتنمية الحضارية"؛ ذلك المؤتمر الذي تنظمه جامعة نزوى ممثلةً بمركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية بالشراكة مع وزارة التراث والسياحة والاتحاد الدولي للمؤرخين".

وأضاف: "تظهر أهمية المؤتمر في سعيه لتقديم دراسات جديدة في مجالات العلوم الاجتماعية، وذلك بطرح الثقافة والسياحة والآثار برؤى حديثة بما يسهم في إثراء الجوانب الثقافية والسياحية والجوانب المتعلقة بالآثار والتاريخ، ويضمّ المؤتمر مشاركة كبيرة من الأكاديميين والمتخصصين والباحثين المثقفين والكتاب والمؤلفين، بالإضافة إلى عددٍ من المهتمين من الباحثين والدارسين في موضوعات المؤتمر ومحاورها، الذي سيواصل أعماله على مدار ثلاثة أيام، كما يصاحب الافتتاح معرض يشارك فيه العديد من الجهات الحكومية والخاصة والأهلية وإسهامات طلبة جامعة نزوى المسجلين في برامج الإنماء الطلابي، الذي يضمّ 4 برامج، هي: تطوع وإبداع ووعي وإسناد".

وأكد الدكتور صالح العزري في كلمته قائلا: "عشرونَ عامًا والمواسم الثقافية تنشر العلم النافع وتبث الفكر الإيجابي لمنتسبي الجامعة وجميع المشاركين في فعالياتها المختلفة، وأسست مع تطورها عبر الأعوام الماضية قاعدة رصينة للتعاون البناء والمثمر بين الجامعة ومختلف المؤسسات المحلية والدولية بمختلف تخصصاتها وأعمالها، كما تحرص الجامعة على مواكبة كافة المستجدات والمتغيرات تماشيًا مع "رؤية عُمان 2040" وعملًا بالتوجيهات السديدة لمولانا جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- للإسهام في بناء الدولة العصرية ونهضتها المتجددة، ومنها المحافظة على الإرث والهُوية وتسخير هذه المقومات لبناء اقتصاد معرفي قوي ومثرٍ للجميع".

فرصة فريدة للتأمل في دور التراث والثقافة

من جانبه ألقى الدكتور إبراهيم البيضاني رئيس الاتحاد الدولي للمؤرخين، كلمة على هامش افتتاح فعاليات المؤتمر، أكد فيها على أهمية المؤتمر إذ أشار إلى أنه يمثّل فرصة فريدة للتأمل في دور التراث والثقافة والسياحة في تعزيز التنمية الحضارية المستدامة، كما أن التراث يعد الشاهد الحي على عبقرية الإنسان عبر العصور، وهو الجسر الذي يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، أما الثقافة فالوعاء الذي يحمل قيم الشعوب وهويتها، والسياحة تُعد الوسيلة المثلى لنقل هذه القيم إلى العالم، وعندما تتحد هذه العناصر الثلاثة، فإنها تسهم في تعزيز الفخر بالهوية الوطنية، وتشكل أيضًا أداة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وأضاف: "الاستثمار في التراث والثقافة عبر السياحة المستدامة ليس ترفًا، بل ضرورة حضارية لتعزيز التفاهم بين الشعوب وبناء جسور الحوار بين الثقافات، ونحن في رحاب مدينة نزوى عاصمة الثقافة والفكر العماني، لا يمكننا إلا أن نقف بإجلال أمام تجربة سلطنة عمان الفريدة، هذه البلاد التي استطاعت أن تصوغ نموذجًا حضاريًا يحتذى به في التعايش السلمي بين مكونات المجتمع؛ لتصبح واحةً للسلام والمحبة".

وأكد رئيس الاتحاد الدولي للمؤرخين أنّ سلطنة عمان أصبحت وجهة مفضلة للسياح من مختلف أنحاء العالم بفضل ما تزخر به من مقومات سياحية فريدة، ومن تراث عالمي مسجل في اليونسكو، وطبيعة خلابة وموقع استراتيجي، إلى جانب كرم الضيافة العمانية الذي يترك أثرًا لا يُنسى في قلوب الزوار. فضلا عن ذلك أن الأمن والتعايش الذي تتمتع به سلطنة عمان يعزز ثقة السائح في اختيار سلطنة عمان كوجهة تعكس صورة التوازن بين الأصالة والمعاصرة، وما اجتماعنا اليوم في هذا المؤتمر إلا تأكيد على إيماننا المشترك بأن التراث والثقافة والسياحة ليست مجرد عناوين، بل أدوات فاعلة لتحقيق التنمية الحضارية وبناء مستقبل مشرق للأجيال القادمة، مختتما كلمته بالقول: إنَّ عمان عمق تاريخي وتاريخ حديث ازدهرت فيه عمان وكانت محورا دوليا وإقليميا في القرون السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر، واليوم تجربة مميزة في مجال التعايش السلمي والتقدم العلمي.

عروض مرئية

شهدت فعاليات افتتاح المؤتمر تقديم عروض مرئية، إذ قدم المهندس محمد بن خليفة القاسمي، مدير التخطيط الفني بوزارة التراث والسياحة، عرضا بعنوان: "التنمية السياحية في محافظة الداخلية"، عرج فيه إلى جهود الوزارة في إحياء المواقع السياحية بالمحافظة، والجهود المبذولة لتطويرها، بجانب اهتمام الوزارة بدعم مشاريع الشباب ورعايتهم عبر برامج مختلفة، مرورا بالعديد من الجوانب التي تعنى النهوض بالقطاع السياحية بالمحافظة في المرحلة القادمة، عقبها قدم المهندس محمود بن سالم الحراصي، رئيس قسم التطوير العقاري بوزارة الإسكان والتخطيط العمراني، عرضا مرئيا عن "الاستراتيجية العمرانية لنزوى الكبرى"، وأهم ما تتضمنه هذه الاستراتيجية من توجهات ومشاريع وبرامج تستهدف النهوض بالولاية عبر مجموعة من المشاريع والمدن الحديثة، في الوقت الذي عرض المهندس حسن بن علي الرئيسي، مدير مشروع الجبل الأخضر، ملامح المشروع وأهم المرافق والخدمات التي سيوفرها، وأهميته الاقتصادية والسياحية والاجتماعية.

بعدها قدمت خديجة بنت مسعود الخيارية، مديرة مكتب متابعة تنفيذ رؤية 2040 بمكتب محافظ الداخلية، عرضا مرئيا بعنوان: "محافظة الداخلية نحو اقتصاد محلي رائد ومستدام"، تناولت فيه أهم وأبرز المشاريع التي تشهدها المحافظة، ورؤية المحافظة في استثمار الفرص السياحية، والجهود المبذولة لتوفير الخدمات التي من شأنها النهوض بالقطاعات الاقتصادية والسياحية، بعدها قدم الدكتور محمد بن أحمد الحبسي، خبير سياحي وعضو اللجنة العلمية والإشرافية للورش التخصصية، عرضًا مرئيًا عن أهم ما تتضمنه ورش العمل التخصصية، وطبيعة المحاور التي ستناقش.

بعدها افتتح معالي وزير التراث والسياحة فعاليات المعرض المصاحب للمؤتمر، الذي تشارك فيه الجامعة ممثلة بالجامعات الطلابية ومراكز الجامعة المختلفة، كما يحظى المعرض بمشاركة عدد من المؤسسات الحكومية والخاصة العاملة في قطاع السياحة والمتاحف، إذ استمع معاليه والحضور على هامش تجوّله في أقسام المعرض على مجموعة الخدمات والمعروضات التي تقدمها الشركات المؤسسات المشاركة، كما يحظى المعرض بمشاركة واسعة من قبل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى مشاركة المؤسسات الحكومية والأهلية التي تعنى بالتراث والسياحة والثقافة، إذ يهدف المعرض إلى إبراز الصورة التاريخية والحضارية لسلطنة عمان وما تحويه من كنوز سياحية وثقافية وتاريخية.

جلسات عمل

وبدأت اليوم فعاليات اليوم الأول للمؤتمر بمجموعة من الجلسات، إذ ناقشت الجلسة التي ترأسها الدكتور أحمد بن حمد الربعاني مجموعة من العناوين، هي: حماية التراث الثقافيّ غير الماديّ في التشريع العُمانيّ، وأبراج الألف الثالث قبل الميلاد في سلطنة عمان، والاكتشافات الأثرية الجديدة، والقيادة الريادية لدى مديري المدارس وأثرها في تنمية الوعي السياحي الاستثماري في المؤسسات التعليمية، ودور السياسات اللغوية الإسرائيلية في طمس الهوية العربية في فلسطين المحتلة.

أما الجلسة الثانية التي ترأستها تهاني الظفيرية تضمنت مجموعة من أوراق العمل في دور السياحة الثقافية في تنشيط اللغات المهددة بالانقراض في ظفار بسلطنة عمان، هي: أفكار ومقترحات، الاستثمار السياحي في المواقع التراثية في سلطنة عمان: حصن عبري أنموذجًا، وواقع السياحة في ولاية الجبل الأخضر - محافظة الداخلية آفاق التطوير والاستثمار.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: وزارة التراث والسیاحة السیاحة والثقافة التراث والثقافة محافظة الداخلیة التراث الثقافی فی سلطنة عمان السیاحة فی جامعة نزوى مجموعة من

إقرأ أيضاً:

المخطوطات العربية في برلين.. مبادرة قطرية لإعادة كتابة تاريخ المعرفة العالمي

بعيداً عن الصورة النمطية للمخطوطات كأوراق صفراء ترقد في عتمة الأرشيف، تفتح العاصمة الألمانية برلين أبوابها اليوم لحوار من نوع آخر؛ حوار يتصدره الحرف العربي ليُثبت أن إسهامات الشرق لم تكن مجرد جسر عبور، بل حجر أساس في بناء صرح المعرفة العالمية.

ففي قاعات مكتبة برلين الحكومية، التي تحتضن واحدة من أكبر مجموعات المخطوطات الشرقية في أوروبا، انطلقت في مارس/آذار 2026 سلسلة حوارات بعنوان "المخطوطات العربية: تراث إنساني مشترك"، بمبادرة من "الديوان – البيت الثقافي العربي"، التابع لسفارة قطر في برلين، على أن تستمر حتى أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

وتتجاوز المبادرة تنظيم فعاليات ثقافية حول التراث العربي في أوروبا، لتطرح مسعى أوسع يتعلق بإعادة إدراج المخطوط العربي في النقاش المعاصر حول تاريخ العلوم وانتقال المعرفة بين الحضارات.

السفير القطري في ألمانيا عبدالله بن إبراهيم الحمر يفتتح الفعالية المصدر : الديوان – البيت الثقافي العربي بألمانيا

وفي حديثهما للجزيرة نت، يوضح مدير "الديوان – البيت الثقافي العربي" الدكتور لورنس الحناوي، ورئيس قسم المخطوطات الشرقية في مكتبة برلين الحكومية الدكتور كريستوف راوخ، كيف تحولت الشراكة إلى منصة لإعادة قراءة التراث العربي بوصفه جزءا من الذاكرة الإنسانية المشتركة.

من عرض التراث إلى إعادة كتابة السردية المعرفية

يرى الحناوي أن المشروع ينطلق من مقاربة مختلفة للعلاقة الثقافية بين العالم العربي وأوروبا. فبدل تقديم الثقافة العربية بوصفها موضوعا للتعريف، أو مادة تراثية تُعرض على هامش المشهد الأوروبي، يسعى "الديوان" إلى تثبيت حضورها كشريك في إنتاج التاريخ الفكري العالمي نفسه.

ويقول إن المخطوطات العربية المحفوظة في برلين لا تمثل حالة "تراث شرقي" انتقل إلى أوروبا، بل تُشكل جزءا من الذاكرة الفكرية التي أسهمت في بناء العالم الحديث، عبر مسارات انتقال الفلسفة والطب والفلك والعلوم من العربية إلى اللغات الأوروبية.

الدكتور لورنس الحناوي مدير الديوان البيت الثقافي العربي المصدر : الديوان – البيت الثقافي العربي بألمانيا

وبذلك، تبدو المبادرة القطرية، وفق الحناوي، استثمارا بعيد المدى في الدبلوماسية الثقافية؛ إذ لا تكتفي بتقديم صورة إيجابية عن العالم العربي، بل تسعى إلى إعادة إدخاله في السردية العالمية للمعرفة بوصفه أحد صانعيها.

الأثر الثقافي خارج منطق الأرقام

لا يقيس الحناوي نجاح هذه المبادرات بعدد الزوار أو الفعاليات، بل بنوعية التحول الذي تُحدثه في نظرة الجمهور الأوروبي إلى التراث العربي. ويضرب مثالا بحضور شاب ألماني إحدى جلسات السلسلة المخصصة لـ"كليلة ودمنة"، لا بدافع الفضول تجاه "الشرق"، بل لاهتمامه بما يطرحه النص من أسئلة عن السلطة والمعرفة وانتقال الأفكار.

إعلان

هذا التحول، برأيه، هو المؤشر الأعمق: حين ينتقل المخطوط العربي من كونه معروضا تراثيا إلى مادة للنقاش الفكري المعاصر، ويصبح مدخلا لإعادة التفكير في المركزية الثقافية، وأصول الحداثة، وحركة الأفكار بين الشرق والغرب.

المخطوط بوصفه تاريخا حيا للأفكار

يطرح الحناوي تصوراً يتجاوز النظر إلى المخطوطات بوصفها أشياء قديمة محفوظة في الأرشيف. فالمخطوط ليس كتابا صامتا، بل هو أشبه بشبكة تواصل اجتماعي قديمة؛ حيث نرى بصمات الناسخ المتعب، وتعليق القارئ الغاضب أو المعجب على الهوامش، ومسار رحلة الكتاب على ظهور الجمال أو السفن من مدينة إلى أخرى.

ومن هذا المنظور، ناقشت الجلسة الافتتاحية حول "كليلة ودمنة" مسألة لافتة، وهي أن الناسخ لم يكن دائما ناقلا محايدا، بل كان، في أحيان كثيرة، شريكا في تشكيل النص عبر الاختصار أو الإضافة أو التعليق. وتكشف هذه القراءة أن ظواهر مثل سيولة النصوص وإعادة تحريرها المستمرة، التي تُنسب عادة إلى العصر الرقمي، عرفتها الثقافة المخطوطة منذ قرون بصيغ مختلفة.

الزهراوي.. شاهد مادي على الابتكار العلمي

ولم يقتصر هذا الحوار الحي على نصوص الأدب والسياسة كـ "كليلة ودمنة"، بل امتد بقوة ليضع أسس العلم التجريبي الحديث، وهو ما يتجلى بوضوح في المخطوطات العلمية.

من جهته، يشير راوخ إلى أن مجموعة برلين، التي تضم نحو 11 ألف مخطوطة عربية، تحتوي على نماذج مباشرة تكشف إسهام العلماء العرب في إنتاج المعرفة العلمية، لا بوصفهم ناقلين فحسب. ويضرب مثالا بمخطوطة الطبيب الأندلسي أبي القاسم الزهراوي، المعروفة بكتابه في الجراحة، والتي تتضمن رسومات تفصيلية لأدوات جراحية استُخدمت في القرن العاشر الميلادي. ويقول إن هذه الوثيقة تقدم دليلا ماديا على المستوى المتقدم الذي بلغته الحضارة العربية الإسلامية في الطب والجراحة، في مرحلة كانت أوروبا لا تزال بعيدة عن هذا المستوى العلمي.

كريستوف راوخ رئيس قسم المخطوطات الشرقية في مكتبة برلين الحكومية المصدر : الديوان – البيت الثقافي العربي بألمانيا"قالاموس".. من الرقمنة إلى تحليل الشبكات المعرفية

يتحدث راوخ عن مشروع "قالاموس" باعتباره أحد أهم المسارات المستقبلية للتعامل مع المخطوطات العربية. فالمنصة توثق المخطوطات العربية المحفوظة في المكتبات الألمانية، وتتيح الوصول إليها رقميا، لكنها تتجاوز الإتاحة إلى تمكين الباحثين من تصدير البيانات وتحليلها إلكترونيا.

وبذلك يستطيع الباحث، خصوصا غير الناطق بالعربية، تتبع مسارات النصوص وانتقالها بين المدن ومراكز العلم، وفهم شبكات الشروح والترجمات والتداول، بما يكشف حضور العرب في تاريخ العلوم من زاوية جديدة: لا كنصوص منفردة، بل كجزء من شبكة عالمية لتداول المعرفة.

ما الذي تضيفه الشراكة القطرية؟

بحسب راوخ، تكمن أهمية التعاون مع "الديوان" في فتح هذا التراث أمام جمهور يتجاوز الدوائر الأكاديمية المتخصصة. فالمكتبة، رغم إمكاناتها البحثية، تبقى مؤسسة أرشيفية بالدرجة الأولى. أما الشراكة مع مؤسسة ثقافية عربية، فأتاحت نقل المخطوطات من فضاء الحفظ إلى فضاء الحوار العام، عبر فعاليات مفتوحة تربطها بأسئلة معاصرة حول الإنسان وتاريخ التبادل الحضاري.

ويضيف أن المخطوطات القديمة ما تزال قادرة على قول شيء جديد عن تاريخ الأفكار، وعن التداخل الثقافي بين الحضارات، إذا أُعيد تقديمها في سياق معرفي معاصر.

ما بعد أكتوبر/تشرين الأول 2026.. نحو بنية معرفية عابرة للحدود

لا ينظر القائمون على المشروع إلى السلسلة الحالية باعتبارها حدثا عابرا. فالحناوي يشير إلى أن التحدي الأكبر اليوم لا يتمثل في حفظ المخطوطات مادياً، بل في منع تحولها إلى تراث معزول عن البحث المعاصر.

إعلان

ولهذا يجري العمل على ثلاثة مسارات رئيسية بعد انتهاء البرنامج الحالي:

الرقمنة والفهرسة: تطوير مشاريع مشتركة تربط مجموعات برلين بنظيراتها في إسطنبول، القاهرة، الدوحة، باريس ولندن.

التعاون المؤسساتي: بناء شبكة تواصل مؤسساتية بين المكتبات العربية والأوروبية، تتيح جمع أجزاء الذاكرة العربية الموزعة في مؤسسات عالمية مختلفة.

التمكين الأكاديمي: دعم جيل جديد من الباحثين القادرين على الجمع بين علوم المخطوطات، والإنسانيات الرقمية، والنظرية الثقافية.

دبلوماسية ثقافية تتجاوز الفعاليات

تكشف مبادرة "الديوان – البيت الثقافي العربي" عن اتجاه متنامٍ في الحضور الثقافي القطري داخل أوروبا، يقوم على بناء شراكات معرفية طويلة الأمد مع مؤسسات أكاديمية كبرى، بدل الاكتفاء بالفعاليات الموسمية.

وفي حالة برلين، يبدو أن الرهان القطري يتجاوز حفظ التراث أو عرضه، إلى محاولة إعادة وصل المخطوط العربي بتاريخ المعرفة العالمي، وإعادة طرحه بوصفه جزءا من النقاش الراهن حول نشأة الحداثة ومسارات انتقال العلوم بين الحضارات.

بهذا المعنى، لا تدور المبادرة حول الماضي فقط، بل حول سؤال حاضر: كيف يمكن لتراث محفوظ في خزائن أوروبا أن يعود فاعلا في إنتاج المعرفة المعاصرة؟ الإجابة بدأت تتشكل اليوم في قاعات برلين: التراث لا يموت حين يغادر وطنه، بل يموت حين يتوقف عن إثارة الأسئلة.

مقالات مشابهة

  • فيلم النار التي بداخلك يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي الدولي
  • كيف يحمي الوعي الأثري هوية مصر؟.. تفاصيل
  • المخطوطات العربية في برلين.. مبادرة قطرية لإعادة كتابة تاريخ المعرفة العالمي
  • المندوب الفلسطيني للأمم المتحدة: مؤتمر القدس بالقاهرة جاء لإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي
  • انطلاق فعاليات المؤتمر السنوي الثالث عشر لمستشفى طب وجراحة العيون بدمياط
  • ليالٍ فنية أردنية مميزة ضمن فعاليات مهرجان جرش في العاصمة عمان
  • مستشار أممي: الأهرامات وهوية مصر الحضارية رصيد لا يحتاج إلى تعريف
  • العثور على جثة طالب مقتول في ظروف غامضة بجامعة الجزيرة
  • سلطنة عُمان تُسجل إنجازًا رقميًا جديدًا في مؤشر "الإسكوا"
  • قمة FC26 تُتوّج أبطالها وتؤكد تنامي حضور الرياضات الإلكترونية في سلطنة عُمان