ماذا تحتاج السينما العمانية لتكون صورة ناطقة عن إرث عُمان الحضاري؟
تاريخ النشر: 4th, February 2025 GMT
تُعد السينما واحدة من أرقى وسائل التعبير الفني، تعبر عن المكان وما وراءه من قصص وأحداث وتقاليد ميزت سُكانه وخلدتهم في سطور التاريخ، وفي سلطنة عُمان، شمر صناع الأفلام عن سواعدهم، مُعبرين عن مقومات وطنهم، فحولوها إلى مادةٍ خصبةٍ لإبداعاتهم، ليُقدموا للعالم صورةً ناطقةً تحكي قصة عُمان، وتُبرزها كبيئةٍ زاخرةٍ بالقصص التي تستحق أن تُروى وتُشاهد.
في هذا الاستطلاع، نُسلط الضوء على دورِ السينما في التعريف بِالتراث العُماني الغني والتنوع الثقافي والطبيعي الذي تتمتع به سلطنة عمان، وسنتطرق إلى التحديات التي تُواجه صُناع الأفلام في عُمان، وَالسُبُل الكفيلة بِدعم هذا القطاع الحيوي وتطويره. كما سنُناقش كيفية استثمار السينما لتعزيز الهوية الوطنية والترويج للسياحة الثقافية.
القصة والترويج الثقافي
يرى الدكتور حميد العامري، المخرج السينمائي ورئيس الجمعية العمانية للسينما سابقًا، أن السينما أداة فعالة للترويج عن الدول حيث يقول: «تعد صناعة الأفلام واحدة من الوسائل الترويجية الأساسية التي تعتمد عليها الدول لتعزيز قطاعاتها السياحية والاقتصادية، بل وحتى الصحية. ويتم ذلك من خلال المحيط الذي تدور فيه الأحداث، والأدوات المستخدمة في الفيلم، بالإضافة إلى الرسائل المضمنة في النصوص الحوارية أو تلك التي تظهر بعد انتهاء العرض. ويُظهر هذا كله مدى تأثير الصورة في نفوس المتلقين». ويضيف: «في سياق سلطنة عمان، فإن الدعم الذي يُقدم للأفلام السينمائية وصناعة المحتوى يُعزز بشكل كبير من التسويق السياحي والثقافي للمدن العمانية، مثل صلالة وصور والحمراء ومسندم ومسقط، وغيرها من المناطق الغنية بمقومات الجذب السياحي، والتي تحتاج إلى الإضاءة الفنية والإعلامية».
وعن التحديات التي تواجه صناع الأفلام، يُلاحظ العامري: «ثمة تحديات مثل قلة المعلومات الخاصة، وقلة التوثيق، والجانب المادي، بالإضافة إلى عدم تفاعل الجهات التي لها علاقة، وحقوق الملكية الفكرية».
أما بالنسبة للقصص التي لم تُبرز بشكل كافٍ، فيريد العامري تسليط الضوء عليها: «بلادنا زاخرة بالكثير من القصص التي يمكن أن تُصنع منها أعمال درامية سينمائية. ما يحتاجه الواقع العماني هو كتاب سيناريو يستطيعون تقديم الحكايات والقصص والروايات والأماكن بصور سينمائية».
عند مناقشة أفلام معينة، يسرد الدكتور العامري أمثلة ناجحة قدمت الهوية الثقافية، قائلًا: «هناك أفلام للدكتور خالد عبدالرحيم مثل فيلم (البوم) وفيلم (أصيل)، اللذين قدما القرية الساحلية والبيئة الصحراوية. كذلك أفلام سالم بهوان مثل فيلم مرة في العمر الذي قدم محافظة ظفار وفيلم (قصة مهرة) الذي قدم محافظة مسندم. هذه الأفلام تُعد ملهمة؛ لأنها تُظهر الأماكن العمانية بشكل جميل ومعبر».
وفي ختام حديثه يوجه الدكتور العامري نصيحة لصناع الأفلام الشباب: «إن الاهتمام بإبراز الهوية العمانية في الأعمال السينمائية هو من أبرز الأولويات، ويجب عليهم العمل على الموروث الثقافي العماني، وتصوير المشاهد في المواقع العمانية وإبرازها بما يتناسب مع حضارة وتاريخ سلطنة عمان، والحرص على إظهار المجتمع بعاداته وتقاليده ومشاركته في أن يكون صانعًا للمستقبل».
الثقافة قوة دافعة
قالت براءة المعمرية -صانعة أفلام: «إن دور السينما والأفلام السينمائية في إبراز ثقافة الوطن وتراثه مهم جدا لما للأفلام من قدرة على ترسيخ ثقافة المجتمعات في عقول المشاهدين ويعزو ذلك للسردية المشوقة والجاذبة التي تتمتع بها الأفلام السينمائية، واهتمام صناع الأفلام في إنتاج أفلام ذات محتوى ثقافي من شأنه أن يدعم هذا الدور المهم للأفلام». مشيرة إلى التحديات التي تواجهها بشكل عام منها صعوبة الوصول للمعلومات الموثوقة التي يُستمد منها موروثنا الثقافي والتراثي، وتطبيقها بالشكل الصحيح والسردية المناسبة.
وتحدثت عن الفرص المتاحة للتغلب على هذه التحديات، حيث ترى أن سلطنة عُمان غنية بالقصص التي يمكن أن تُحاكي مشاعر الناس وتغني الفنون السينمائية وقالت: «إن سلطنة عمان زاخرة بالقصص بكل أنواعها التاريخية والثقافية والتراثية. أرى شخصيًا تقصيرًا في إشراك هذه القصص ودمجها في صناعة الأفلام العمانية، وربما يعود ذلك لقلة الدعم المادي والمهارات الفنية لإنتاج مثل هذه الأفلام. لكن إذا تمكنا من تمكين الشباب - صناع الأفلام - وتدريبهم وصقل مهاراتهم وتوفير الدعم المادي، فلا شك أن الأفلام الثقافية ستحظى باهتمام وشعبية دولية، لما تزخر به البلاد من قصص فريدة».
وفي سياق تعزيز السياحة الثقافية، تقول براءة: «إن معرفتنا الثقافية لوطننا عُمان قليلة، خاصةً بين أفراد الجيل الجديد. لذا، فإن استثمار الأفلام في تغذية عقول أبنائنا وتعريفهم بثقافتنا سيسهم بشكل كبير في زيادة الوعي بها، وهذا من شأنه أن يرفع مستوى السياحة الثقافية في جميع محافظات سلطنة عمان، ويجب على المؤسسات الثقافية والحكومية أن تلعب دورًا في ذلك حيث إن للمؤسسات الثقافية دور محوري في تسهيل الحصول على المعلومات والوثائق الثقافية والتراثية، مما يُسهم في رفع جودة الأفلام. ويتعين على المؤسسات الحكومية أن تسهل الحصول على التصاريح اللازمة لتوثيق هذه القصص وإبرازها بالشكل المطلوب.
وتؤكد المعمرية على أهمية القصة في الأفلام قائلة «نصيحتي للشباب هي ألا يتوانوا عن البحث والتقصي وصناعة فيلم ذو قصة فريدة ومُلهمة. اليوم، مع توفر التكنولوجيا الحديثة، يستطيع صانع الأفلام أن ينتج فيلما ذا جودة عالية بأقل التكاليف. أن تكون القصة ذات قيمة كبيرة في الفيلم بحد ذاته. القصص العمانية لها القدرة أن تجعل الأفلام السينمائية أكثر جاذبية للمشاهدين المحليين والدوليين أيضًا».
السينما كمرآة
من جانبه، يتحدث سلمان المسكري صانع أفلام عن أهمية تمثيل الثقافة العمانية بدقة ووضوح من خلال السينما، واعتبر أن الأفلام تلعب دورًا كبيرًا في تسليط الضوء على التنوع الثقافي في عمان. يقول: «يجب على الفيلم تمثيل الواقع حسب ثقافة البلد ليقتنع المشاهد؛ لأنه من غير المقنع تمثيل تجربة دول أخرى وقولبتها في قالب المجتمع العماني، وتأصيل الفكرة من الأساس يجب أن يكون وفق التنوع الثقافي في عمان ليلامس الفيلم الجمهور المحلي ويشعر بارتباطه بالعمل، وكذلك ليلامس الجمهور الآخر ليعلموا بالتاريخ والثقافة». ويُشير المسكري إلى الصعوبات التي يمكن أن يواجهها صناع الأفلام في إيجاد مصادر للقصص والمعرفة التاريخية. كما يعتبر أن الدعم المادي يُشكل عنصرًا أساسيًا في نجاح الأعمال السينمائية. وينبه، قائلًا: «توجد صعوبة في إيجاد مصادر لبعض القصص والحكايات، ورفض بعض أصحاب القصص الفريدة والتاريخية لتمثيل القصة لعدة أسباب. كذلك ينقص الدعم المادي للسيناريوهات غير المنفذة. نعم هناك صندوق لدعم الأفلام ولكن يجب أن تكون هناك عدة صناديق».
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الدعم المادی صناع الأفلام سلطنة عمان الأفلام فی سلطنة ع التی ت التی ی
إقرأ أيضاً:
ندوة تناقش دور “السردية الثقافية الرسمية” في ترسيخ الهوية الوطنية
صراحة نيوز – نظّمت إدارة مهرجان جرش للثقافة والفنون، بالتعاون مع اتحاد الكتّاب والأدباء الأردنيين، ندوة ثقافية بعنوان “السردية الثقافية الرسمية”، في قاعة المؤتمرات بالمركز الثقافي الملكي، بحضور نخبة من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي والفكري.
وشارك في الندوة الأمين العام لوزارة الثقافة نضال العياصرة، وعاقل الخوالدة، فيما أدارها وقدّمها عايد أبو فردة، الذي استعرض أهمية موضوع السردية الثقافية وعلاقته بتعزيز الوعي الوطني، وحماية الذاكرة الأردنية، وإبراز المنجز الثقافي والحضاري للمملكة.
وناقشت الندوة عددا من المحاور المرتبطة بمفهوم السردية الثقافية الرسمية، ودورها في توثيق الذاكرة الوطنية، وإبراز التنوع الثقافي الأردني، وتعزيز حضور الثقافة في الحياة العامة، إضافة إلى مسؤولية المؤسسات الرسمية والأهلية في إنتاج خطاب ثقافي متوازن ومنفتح وقادر على مواكبة التحولات الاجتماعية والتكنولوجية.
كما تناول المشاركون، أهمية توثيق الروايات والتجارب المحلية، والمحافظة على التراث المادي وغير المادي، والاستفادة من الأدب والفنون والمسرح والسينما والإعلام الرقمي في تقديم الحكاية الأردنية إلى الجمهور بأساليب معاصرة، تعزز حضورها واستمرارها بين الأجيال وقال العياصرة، إن السردية الثقافية الرسمية تمثل أحد المرتكزات الأساسية في التعبير عن هوية الدولة الأردنية وتاريخها وقيمها، مشيرا إلى أن بناء سردية ثقافية وطنية متماسكة يسهم في تقديم صورة واضحة عن الأردن، تستند إلى إرثه الحضاري وتنوعه الثقافي والاجتماعي، وتعكس مسيرته ومواقفه ومنجزاته.
وأضاف أن الثقافة ليست نشاطًا منفصلًا عن مسيرة الدولة والمجتمع، بل تعد أداة رئيسة في بناء الوعي وتعزيز الانتماء، وترسيخ القيم الوطنية لدى الأجيال، مؤكدًا أهمية توثيق المنجز الثقافي الأردني وإتاحته للجمهور بأساليب حديثة تتناسب مع التطورات المتسارعة في وسائل الاتصال والمنصات الرقمية.
وبيّن العياصرة أن المؤسسات الثقافية تتحمل مسؤولية كبيرة في صون الذاكرة الوطنية، ودعم المبدعين والكتّاب والفنانين، وإبراز الإنتاج الثقافي الذي يعبر عن خصوصية المجتمع الأردني، إلى جانب فتح مساحات أوسع أمام الشباب للمشاركة في صياغة المشهد الثقافي والمساهمة في نقل الرواية الوطنية إلى المستقبل.
وأشار إلى ضرورة أن تقوم السردية الثقافية على المعرفة والتوثيق والدقة، وأن تقدم التاريخ والهوية والمنجز الوطني بلغة قادرة على مخاطبة مختلف فئات المجتمع، ولا سيما فئة الشباب، بما يعزز قدرتهم على فهم تاريخ وطنهم والاعتزاز به والتفاعل الإيجابي مع قضاياه.
وأضاف العياصرة، أن السردية الثقافية الأردنية تستند إلى تراكم حضاري وتاريخي عميق، وتستمد قوتها من تنوع الموروث الثقافي في مختلف محافظات المملكة، مشيرا إلى أهمية إبراز الحكايات المحلية والتجارب الإبداعية التي تعبّر عن خصوصية المكان والإنسان الأردني، ودمجها ضمن خطاب ثقافي وطني جامع يحفظ التعدد، ويعزز وحدة الهوية والانتماء.
وأكد، أن وزارة الثقافة تعمل على تطوير برامجها ومشروعاتها بما يوسّع مشاركة الشباب في الحياة الثقافية، ويتيح أمامهم المجال لإنتاج مضامين أدبية وفنية ورقمية تعكس رؤيتهم لوطنهم، لافتا النظر إلى أن استدامة السردية الثقافية تتطلب مواكبة لغة العصر، والاستفادة من التقنيات الحديثة والمنصات الرقمية في توثيق المنجز الوطني ونشره، والوصول به إلى الجمهور داخل الأردن وخارجه.
من جانبه، قال الخوالدة، إن بناء السردية الثقافية الوطنية لا يقتصر على المؤسسات الرسمية، وإنما يتطلب شراكة متكاملة بين وزارة الثقافة والمؤسسات التعليمية والجامعات ووسائل الإعلام والكتّاب والأدباء والفنانين ومؤسسات المجتمع المدني.
وأوضح أن السردية الثقافية الفاعلة هي التي تستوعب تعدد التجارب والرؤى داخل المجتمع، وتقدم صورة شاملة عن الإنسان الأردني وتاريخه وموروثه وقيمه.
وشهدت الندوة نقاشا بين المشاركين والحضور حول آليات تطوير الخطاب الثقافي الوطني، وأهمية تعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية، وتوسيع مشاركة المثقفين والشباب في صياغة المبادرات والبرامج التي تخدم الثقافة الأردنية، وتدعم حضورها داخل المملكة وخارجها.
وتأتي الندوة ضمن الفعاليات الثقافية المصاحبة لمهرجان جرش للثقافة والفنون، والهادفة إلى إثراء المشهد الثقافي الأردني، وتوسيع فضاءات الحوار الفكري، وتعزيز دور الأدباء والمثقفين في مناقشة القضايا الوطنية، وترسيخ الثقافة بوصفها ركيزة أساسية من ركائز الهوية والانتماء الوطني.