منتدي الاعلام السوداني : غرفة التحرير المشتركة

الخرطوم: 11 فبراير 2025 – كشفت الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 عن نقص حاد في تأهيل الجيشين المتحاربين، القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، مما دفعهما إلى الاستعانة بالمدنيين في صراعهما. ونتيجة لذلك، انتشر السلاح بشكل كبير، وتفاقمت تجارته، وانتُهكت حقوق المدنيين على نطاق واسع، على أيدي أفراد غير مؤهلين لحمل السلاح.

يروي (م.أ)، 29 عاماً، من بلدة “أم دم” تجربته المريرة قائلاً: “لقد خلّفت الحرب فوضى عارمة في بلدتنا. كانت مؤسسات الدولة، كالمحلية والمحكمة وقسم الشرطة، هي أبرز معالمها. لكنها تبخرت في منتصف يونيو 2023. المحكمة أوقفت جلساتها لغياب القاضي الذي آثر السلامة واختفى. المعتمد غادر البلدة متمنياً لنا الأمن. أفراد الشرطة، وهم من أبناء البلدة، قاموا بهدوء بإفراغ مركز الشرطة من الملفات المهمة والأدوات المكتبية والسلاح الخفيف الذي بحوزتهم، وهو عدة بنادق كلاشنيكوف وصناديق ذخيرة لا تتجاوز 150 طلقة، كما أفادني (ع.أ)، وهو شرطي من أهل البلدة.”

ويضيف: “وسط هذه الفوضى، كان علينا أن نتحمل مسؤولية حماية أنفسنا وأهلنا وممتلكاتنا. بمعنى آخر، كان علينا شراء السلاح وتحمل مسؤولية استخدامه.”

السياسة وراء ضعف الجيشين

ضباط في الجيش السوداني، حاليين ومتقاعدين، تحدثوا بحماس عن ضعف تأهيل الجيشين، وأجمعوا على أنه كان وراء العديد من انتهاكات الحرب، خاصة بعد استعانة الجيش بالمدنيين غير المؤهلين، وتسليحهم في مناطق سكنية، مما ساهم في انتشار السلاح.

اللواء المتقاعد كمال إسماعيل يرى أن “استعانة الجيش السوداني بالمدنيين في القتال، في حد ذاتها، علامة ضعف كبيرة.” ويشير إلى أن “تأسيس قوات الدعم السريع كجيش موازٍ هو نتيجة منطقية للإضعاف الذي تسبب فيه الإسلاميون للجيش.”

ضباط آخرون عاصروا انقلاب 1989 بقيادة عمر البشير، أشاروا إلى أن تسييس قطاع الأمن كان مدخلاً أساسياً للضعف والفساد داخل الأجهزة الأمنية، وفي مقدمتها الجيش. المقدم وليد عزالدين، الذي أُبعد عن الجيش لأسباب سياسية، يرى أنه بعد انقلاب 1989 “عملوا على أسلمة الجيش، وأرادوا أن يحولوه إلى جيش رسالي جهادي إسلامي، وأجروا تغييراً في العقيدة القتالية، وبدلاً من أن يحمي الجيش الدستور والوطن أصبح يحمي نظام الإسلاميين.” ونتيجة لذلك، أُهمل الجيش من حيث التدريب والمنهج والعقيدة القتالية.

ويشير الضباط إلى أن أول دفعة تم استيعابها في الكلية الحربية بعد انقلاب الإسلاميين، وهي الدفعة “40” المعروفة بـ”حماة الدين”، تم قبولها عن طريق التنظيم الإسلامي. ومنذ ذلك الوقت، تولى التنظيم الإسلامي زمام الجيش عبر هيئة الاستخبارات، كما يقول اللواء كمال إسماعيل.

ويتفق العديد من الخبراء العسكريين على أن تسييس الجيش من قبل الإسلاميين كان له تأثيرات سلبية على مهنية الجيش واستعداده العسكري. تجلت هذه الآثار في حرب 15 أبريل، التي يقودها عدد من الضباط الإسلاميين.

الفساد ينخر في الجيش والدعم السريع

على الرغم من أن 80% من ميزانية الدولة كانت مخصصة للأمن والدفاع خلال فترة حكم عمر البشير، فقد دخل الجيش في استثمارات عديدة، من بينها صادرات اللحوم والمنتجات الزراعية، فضلاً عن شركات تجارية تنافس في القطاعين الزراعي والصناعي. وأسس “هيئة التصنيع الحربي” في 1993م، والتي عُرفت لاحقاً بـ”منظومة الصناعات الدفاعية”. كان الهدف من هذه الاستثمارات تحسين وضع الجيش وزيادة موارده وتأهيله وإمداده بالسلاح المتطور، إلا أن ذلك لم يحدث، ولم تنعكس هذه الاستثمارات على الجيش، وتحكم في المنظومة ومواردها كبار القادة. ثم انتقلت استثمارات الجيش إلى قطاع التعدين.

ضابط في الجيش السوداني، له علاقة بملفات اقتصادية، أفاد بأن “الجيش يستثمر في كل شيء.. في بعض الأحيان استثمارات مع دول بغرض العلاقات، ومرات عديدة لأغراض ربحية.” وأشار إلى أن أكبر الاستثمارات في قطاع التعدين عن الذهب مع شركات روسية وإماراتية ومغربية. وحول توظيف هذه الموارد في تأهيل الجيش، قال إن “الاستفادة منها محدودة والسبب الرئيسي هو الفساد.” وكثيراً ما يتم تداول قضايا الفساد في الجيش، ولكن يصعب التحقق منها بسبب القبضة الأمنية، كما أن استثمارات الجيش لا تخضع للمراجعة من قبل المراجع القومي.

تسببت استثمارات الجيش وشركاته في خلاف كبير خلال الفترة الانتقالية، عندما طالب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك بخضوعها للمراقبة، وقال “إن ما يدخل الخزينة 18% فقط من الإيرادات.” وتمسك الجيش باستثماراته وشركاته رافضاً تدخل المدنيين.

وقال ضابط برتبة مقدم في الجيش السوداني إن “أحوال الجنود السودانيين ليست بخير؛ رواتبهم ضعيفة ولا تصل إليهم بانتظام.” وأشار إلى أن “مهمات” الجنود من ملابس عسكرية ومُعينات تم إهمالها بعد اتفاق “سلام جوبا” في أكتوبر 2020م. فمنذ العهد السابق للثورة، دخلت إمدادات الجيش من الملابس في فساد كبير بعد أن عُهد بها إلى مصنع “سور”، وهو مصنع يملكه رجل الأعمال التركي “أوكتاي شعبان حسني”، والذي يتمتع بشراكات مع قادة نظام عمر البشير.

وبحسب مصدر في الجيش، فإن الفساد طال حتى شراء الأسلحة. وأضاف: “هناك صفقة مشهورة قام بها وزير الدفاع عبد الرحيم محمد حسين عندما اشترى دبابات مستعملة على أنها جديدة من بيلاروسيا ولم يستطع الجيش استخدامها.” كما انتشرت في أوساط الجيش ظاهرة “القوائم الوهمية”، وهي كشوفات مرتبات بأسماء جنود غير موجودين في الخدمة، وبعضهم من الموتى.

وقال المصدر إن “ضعف المرتبات وسوء التدريب تسببا في تسرب أعداد كبيرة من الجنود، كما أديا إلى نفور الشباب السودانيين من التجنيد والانخراط في الجيش.” وواصل: “متوسط أعمار الجنود في الجيش يزيد عن 35 سنة، وهي أعمار غير قتالية.”

كما أن الحكومة استغنت عن أعداد كبيرة من الجنود بعد انفصال جنوب السودان في 2011، مما جعلها تعتمد مؤخراً على قوات الدعم السريع في مهامها القتالية.

وبحسب شهادة جندي أوكراني شارك في المعارك إلى جانب الجيش، نقلتها عنه صحيفة “وول ستريت جورنال”، “لم يحصل الكثير من أفراد الجيش السوداني على رواتبهم منذ بدء القتال قبل أشهر، مما أدى إلى تراجع معنوياتهم، فيما لم يكن المقاتلون يرتدون علامات لإظهار الجانب الذي ينتمون إليه، وكانت النيران الصديقة تشكل تهديداً منتظماً.”

ووفقاً لجولة صحفية قام بها أحد المشاركين في هذا التحقيق، قال عدد من الجنود إنهم لم يحصلوا على رواتبهم بانتظام منذ اندلاع الحرب، وإن هناك إجراءات مُقيدة لا تمكِّن أسرهم من الحصول عليها بسهولة. وقال أحد الجنود: “كانت المرتبات متوقفة في الشهور الأولى للحرب، وفي أغسطس بدأنا نستلم رواتبنا، ثم توقفت مرة أخرى وقبل أشهر صرفنا.” ويرتدي معظم الجنود ملابس عسكرية جديدة قالوا إنها وُزعت عليهم بعد الحرب.

الدعم السريع: مؤسسة مالية خارجة عن القانون

لا تستند قوات الدعم السريع على مؤسسات بالمعنى المتعارف عليه، فهي تُدار من قبل قائدها الفريق أول محمد حمدان دقلو الشهير بـ”حميدتي” وأخيه غير الشقيق عبد الرحيم دقلو وعدد من أفراد عائلتهم. وعلى الرغم من أنها تتحصل على رواتب الجنود من خزينة حكومة السودان منذ تأسيسها إلى ما قبل الحرب، فإن أمر التصرف فيها متروك لقيادة الدعم السريع.

بحة برتبة عميد انتسب إلى الدعم السريع في وقت سابق: “هناك إدارات في الدعم السريع، من بينها إدارة مالية خاضعة بالكامل للقيادة وهي تحدد الصرف والأولويات.” وأشار العميد إلى أن الإدارة المالية تستعين بعسكريين من الجيش مُعاشيين وفي الخدمة، غير أن تمدد الدعم السريع اقتصادياً جاء عقب مشاركته في حرب اليمن المعروفة بـ”عاصفة الحزم”، والتي كان يتلقى فيها ملايين الدولارات مقابل إشراك جنوده في القتال، وكان يتصرف في الأموال بعيداً عن رقابة الدولة ومُحاسبتها، إضافة إلى انفراده بتعدين الذهب في إقليم دارفور، خاصةً منطقة جبل عامر، حتى أصبح حميدتي يتحكم بأكبر “ميزانية سياسية” للسودان، وهي أموال يمكن إنفاقها على الأمن الخاص، أو أي نشاط، دون أي مُساءلة، وأصبحت شركة الجنيد، التي يُديرها أقاربه، مجموعة ضخمة تُغطي الاستثمار والتعدين والإنشاءات والنقل وتأجير السيارات والحديد والصلب، وكل هذه الإمبراطورية المالية خارج دائرة تدقيق ومُراقبة الدولة.

وأشار عدد من الخبراء إلى أن قوات الدعم السريع كانت عند بداية الحرب أفضل تجهيزاً من الجيش من حيث العتاد ومُعينات الجنود والمركبات والسلاح الخفيف والمتوسط والثقيل. وقال اللواء “مُعاش” كمال إسماعيل: “قوات الدعم السريع قوات حديثة عمرها لا يتعدى عشر سنوات، لذلك كان وضع الجندي فيها أفضل.” وتم دعم قوات الدعم السريع من الإمارات والسعودية قبل الحرب بموافقة من الدولة.

جنود فقراء وتدريب مُتَدنٍ

بحسب ضابط في الجيش، تأثر التدريب في الكلية الحربية السودانية في سنوات الإنقاذ، وخاصةً بعد اتفاق السلام في 2005م. وقال اللواء “مُعاش” عوض الكريم غرباوي: “تغيير العقيدة القتالية أثَّر على تدريب الضباط وتأهيلهم. في السابق كان الضابط يتلقى دورة في بريطانيا أو روسيا، اليوم لا يذهب إلى أكثر من مصر أو الأردن.” وأشار إلى أن انخفاض الجرعة التدريبية في الكلية الحربية، إلى جانب طبيعة الطلاب الحربيين المقبولين بالولاء السياسي، انعكس على كفاءة الضباط وانضباطهم العسكري، وقال: “ضابط برتبة مُلازم من تنظيم الإسلاميين يمكن أن يأمر ضابطاً برتبة رائد ليس من التنظيم.” وقد انعكس كل ذلك على تدريب الجنود.

كشف استطلاعنا عدداً من الجنود في مدينة القضارف أن أكثر من 85% منهم لم يتعدَّ تحصيلهم الدراسي التعليم الابتدائي، وقال معظمهم إنهم تجندوا في الجيش لأن خيارات العمل أمامهم كانت معدومة، وأغلبهم من طبقات فقيرة أو شديدة الفقر.

وأفاد جندي في الواحدة والثلاثين من العمر أنه تدرب في معسكر جبيت بشرق السودان، وأن فترة التدريب كانت 3 أشهر مُتواصلة، بعدها تم إرساله إلى القضارف. انحصر التدريب في البيادة واستخدام البندقية كلاشنيكوف (Kaláshnikova) وجيم 3 (G3) وقورينوف (Goryunov). وفيما يتعلق بتلقيهم مواد تدريسية مُتعلقة بمفاهيم حقوق الإنسان، نفى ذلك.

وتُقاتل إلى جانب الجيش قوات الحركات المسلحة، وهي قوات تمردت على نظام البشير، وأغلبها من حركات دارفور، وأبرزها حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة وقوات الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال، جناح مالك عقار في النيل الأزرق. تعود تكوينات هذه القوات إلى أكثر من عشرين عاماً، وهي في الأساس نشأت على أساس قبلي وإثني، ولا يتم تدريبهم إلا على استخدام السلاح، ولا يوجد منهج مُحدد للرتب والترقيات والتأهيل على أخلاقيات ومبادئ القتال.

جنود مُدربون وغير مُدربين

قال جندي سابق في قوات الدعم السريع: “القوات التي تُقاتل في المعركة الدائرة الآن بعضها تلقت تدريباً عسكرياً، وأخرى لم تتلقَّ تدريباً.” وأشار إلى أن قوات الدعم السريع حصلت على تدريب مُكثف كقوات مُشاة وتدخُّل سريع في معسكرات في الخرطوم منذ 2007 في حطَّاب بشرق النيل (30 كيلومتراً شمال شرق مدينة الخرطوم بحري)، وفي الصالحة (17 كيلومتراً جنوبي أم درمان)، وفي مدينة بحري.

أوضح الجندي الذي نحتفظ باسمه لوجوده في مناطق الخطر أنهم تدربوا على يد ضباط من الجيش السوداني، وعند مُشاركتهم في حرب اليمن تلقوا تدريباً في معسكرات في دارفور، من بينها معسكر في منطقة الزُرُق (87 كيلومتراً شمال الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور)، وقال: “كان التدريب صعباً، وحتى بعد التدريب يبقى الجندي بالمعسكر ولا يُغادره إلا إلى اليمن، أو يُوزع على الحراسات.” إلا أنه عاد وقال: “اليوم بعد اندلاع الحرب هناك جنود غير مُدربين في صفوف قوات الدعم السريع يُقاتلون بالحماس القبلي.”

وفي ذات الاتجاه، كشف ضابط من الدعم السريع عن أن جنود الدعم السريع حصلوا على جرعات تدريبية مُكثفة في معسكرات في اليمن وفي الإمارات وفي الأراضي الإريترية خلال مُشاركتهم في عاصفة الحزم. وحسب مصدرين، فإن أبوظبي أنشأت معسكرات حشد وتجنيد السودانيين ضمن قوات “الدعم السريع” في الأراضي الإماراتية وفي جزيرة عصب الإريترية، ورجَّح أن يكون هذا التدريب بدعم من الإمارات، وأشار إلى أن الجنود الذين تدربوا وشاركوا في حرب اليمن بعضهم ترك الدعم السريع، لكن معظمهم عاد مع هذه الحرب للقتال.

من بين المُقاتلين في صفوف قوات الدعم السريع جنود لم يحصلوا على تدريب عسكري بالمعنى المعروف، وإنما يُجيدون استخدام الأسلحة الخفيفة فقط. وقال جندي: “من بين جنود الدعم السريع من لم يدخل معسكر تدريب أصلاً، فقط لهم معرفة باستخدام السلاح.” وأشار إلى أن معظم المجموعات التي يُطلقون عليها “أم باقة” لم يحصلوا على تدريب، وبعض الجنود الذين يحضرون ضمن “الفزع” – الفزع استنفار قبلي- إلى جانب ميليشيات قبلية تأسست لحماية القبائل والمناطق.

تدريب “18” يوماً

من بين المجموعات المُشاركة في الحرب الدائرة الكتائب الجهادية الإسلامية، مثل كتيبة “البراء بن مالك”، وكتيبة “البنيان المرصوص”، وكتيبة “الفرقان”، وهؤلاء يتم تدريبهم على يد الجماعات الإسلامية منذ وقت طويل في السودان، ودائماً ما يكون التدريب على درجة من السرية، إلى جانب قوات هيئة العمليات التي كانت تتبع لجهاز الأمن والمخابرات وتم حلها إثر تمرد القوة خلال الفترة الانتقالية، إلا أن أفرادها عادوا للعمل تحت إمرة الجيش، فيما يُعرف بـ”قوات العمل الخاص”، وهؤلاء حصلوا على تدريب قتالي عالٍ، ومعظمهم ينتمي إلى الإسلاميين ومؤيدون لحكم عمر البشير.

ويُقاتل إلى جانب الجيش مجموعة من المدنيين يعرفون بـ”المستنفرين” أو “المقاومة الشعبية المسلحة”. وهؤلاء انخرطوا في القتال بعد نداء القائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان في الشهر الثالث للحرب. وقال أحد المستنفرين إنه تلقى تدريباً محدوداً قبل أن يُدفع به للمعركة في منطقة الفاو (95 كيلومتراً شرقي ود مدني)، وقال: “تدربت 18 يوماً بعدها انتقلت إلى منطقة الفاو.” وأشار إلى أنه تدرب في معسكر مع مجموعة سبقته بعشرة أيام، مُبيِّناً أن هناك مواطنين من نهر النيل انخرط أبناؤهم في المقاومة الشعبية تلقوا تدريبات سريعة لا تتعدى الشهر، شاركوا في القتال وفي حماية الارتكازات، الأمر الذي تسبب لهم في مخاطر كبيرة عند استخدام السلاح، وكثيراً ما تقع بينهم إصابات.

تسليح المدنيين.. الجيش يُعمِّق الأزمة

درج الجيش على تسليح المدنيين والاستعانة بهم ضد الحركات المسلحة المُتمردة على السلطة المركزية في الخرطوم، لكنه توسع بشكل كبير في تسليح المدنيين بعد الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023م بينه وقوات الدعم السريع. وتزامن لجوء الجيش إلى هذه الاستراتيجية هذه المرة مع اتهامات للإسلاميين بإشعال الحرب لتعطيل التحول المدني، أدت إلى فوضى وانتشار واسع للسلاح، وتعميق الانقسام في المجتمع السوداني.

وكشفت مصادر أن كتائب الإسلاميين شاركت في الحرب منذ شهورها الأولى، وكان أول ظهور لهم في معسكر الاحتياطي المركزي بالخرطوم، ثم في معارك منطقة الشجرة العسكرية. ونعت الحركة الإسلامية رسمياً بعض شبابها الذين شاركوا في المعركة. وقال المصدر إن تنظيم الإسلاميين داخل جهاز الأمن والاستخبارات العسكرية والأمن الشعبي تولى التعبئة للاستنفار والمقاومة الشعبية.

وانخرط عدد من المدنيين، غالبيتهم من الشباب، في صفوف الجيش، حيث تم تسليحهم لحماية مناطقهم، لكنهم شاركوا أيضاً في القتال. ويتولى المتابعة والتسليح قادة سابقون في تنظيم الحركة الإسلامية والدولة قبل سقوط النظام في 11 أبريل 2019م، من بينهم مسؤولون في قوات الدفاع الشعبي، وهي قوات شعبية أسسها النظام السابق لمساندة الجيش في الحرب الأهلية في جنوب السودان، ولاحقاً في حروب الريف ضد الحركات المتمردة.

وبحسب مصادر من الجيش، فإن فكرة الاستنفار والمقاومة الشعبية هي من أفكار الإسلاميين. وفي خطابات جماهيرية، دعا رئيس مجلس السيادة القائد العام للجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، المواطنين لحمل السلاح والدفاع عن أنفسهم أو مساندة الجيش في حربه ضد الدعم السريع.

لاعب المريخ السوداني أحمد آدم بيبو

وأسس أنصار نظام البشير ما يعرف بهيئة الإسناد الشعبي للقوات المسلحة، والتي تهتم بجمع التبرعات للمستنفرين والمقاومة الشعبية ودعم الجنود في الميدان. وصرح الداعية المقرب من تنظيم الحركة الإسلامية، عبد الحي يوسف، في مقطع فيديو تم تداوله على نطاق واسع قبل أن يتم حذفه، بأن المقاومة الشعبية هي اسم بديل لـ”الجهاد”. وقال إن المجاهدين الإسلاميين القدامى الذين شاركوا في حرب جنوب السودان هم من يتولون تدريب المدنيين المستنفرين وفي المقاومة الشعبية. وقال مصدر قريب من الإسلاميين إن المقاومة الشعبية لديها بعد سياسي يهدف إلى إبعاد الخصوم السياسيين وتجييش الشعب وإظهاره بمظهر المؤيد للجيش.

معسكرات الجيش: حاضنة للمدنيين المسلحين

في العاصمة الخرطوم، حصل المستنفرون في الأسابيع الأولى للحرب على الأسلحة من مخازن الجيش. وقال ضابط في القوات المسلحة، انتقل إلى عاصمة بلد مجاور بعد الحرب، إن الجيش قام بتسليح المواطنين في منطقة أم درمان ومناطق طرفية في مدينة بحري بالأسلحة الخفيفة. وأشار إلى أن جهاز المخابرات العامة والاستخبارات العسكرية قاما بمهمة تسليح المواطنين في العاصمة لحماية مناطقهم، وتولت قيادات إسلامية استنفار المواطنين في الأحياء السكنية.

وانضم عدد من الشباب الإسلاميين المدنيين إلى معسكرات الجيش في وادي سيدنا بأم درمان وسلاح المهندسين وسلاح المدرعات. وتولى عدد منهم تشغيل المسيَّرات القتالية بعد أن حصلوا على تدريب من خبراء أوكرانيين، وأعادوا تشكيل كتائب جهادية من بينها كتيبتا “البراء بن مالك” و”البنيان المرصوص”، وبقوا في معسكرات الجيش ويتم تسليحهم ضمن الوحدات العسكرية.

بيع السلاح في الأسواق: فوضى التسليح

وقال مواطنون من الولاية الشمالية إن قادة المقاومة الشعبية قاموا بتسليح المواطنين عن طريق بيعهم السلاح. وروى شاهد عيان أن قائد المقاومة الشعبية، أزهري المبارك، أحضر ثلاث شاحنات مُحمَّلة بالأسلحة يحرسها جنود من الجيش ومستنفرون، وتوقفت في وسط سوق مدينة الدبة، وتم بيع بندقية الكلاشنيكوف صينية الصنع للمواطنين بمبلغ 700 ألف جنيه سوداني (حوالي 350 دولاراً أمريكياً). ويُمنح المشتري مستنداً يوضح الشراء ورقم السلاح، ويلتزم بتقنينه بعد انتهاء الحرب.

تبرع أزهري المبارك، أحد أشهر تجار الذهب والعاملين في التعدين الأهلي، بـ 5 ملايين دولار لدعم المجهود الحربي. وقال أحد المواطنين إن “عدد المواطنين الذين اشتروا السلاح في الدبة يزيد عن 1600 مواطن.” وكان القائد العام للجيش قد سمح للمواطنين بالحصول على السلاح بكافة الطرق للدفاع عن أنفسهم.

ونشطت في الولاية الشمالية حملات جمع تبرعات للمقاومة الشعبية وتأسيس ما يعرف بـ “الغرفة التجارية لدعم المقاومة الشعبية”، والتي يديرها أعضاء نظام الرئيس السابق عمر البشير، بحسب مواطنين في الدبة يتهمونها بالفساد.

شرق السودان: سلاح إريتري

يسيطر الجيش على ولايات شرق السودان، ونشط في تسليح المدنيين للدفاع عن المدن. وتبنى القيادي الإسلامي أحمد هارون، المطلوب للمحكمة الجنائية، الاستنفار في شرق السودان، وأجرى لقاءات مع قيادات في ولايات شرق السودان من أجل تسليح المدنيين للانخراط في القتال.

وقال خبير عسكري إن تسليح المدنيين في شرق السودان تم على أساس قبلي. وأفاد عدد من أبناء المنطقة بأن قبائلهم تملك سلاحاً بشكل محدود قبل الحرب، لكنه توسع بشكل كبير بعد الحرب، مؤكدين أن أعضاء النظام السابق في الأجهزة الأمنية يشرفون على عملية التسليح بالتعاون مع الإدارات الأهلية وزعماء القبائل.

وبالتعاون مع إريتريا، تم تدريب وتسليح أبناء قبائل شرق السودان. وقال اللواء عمر نمر، القيادي بالمؤتمر الوطني، في خطاب جماهيري في كسلا إن إريتريا فتحت أرضها لمعسكرات تدريب أبناء شرق السودان.

وقال خبير في شؤون شرق السودان، طلب حجب اسمه، إنه تم تسليح أربع مجموعات قبلية بعد الحرب، وتدرب عدد كبير من منسوبيهم في معسكرات داخل الأراضي الإريترية.

تداعيات تسليح المدنيين: تفاقم العنف: أدى انتشار السلاح إلى تفاقم أعمال العنف والنزاعات القبلية، وتهديد الأمن والاستقرار في جميع أنحاء السودان. زيادة الانقسام: عمّق تسليح المدنيين الانقسام الاجتماعي والقبلي، وأوجد بؤراً مسلحة يصعب السيطرة عليها في المستقبل. انتهاكات حقوق الإنسان: ساهم انتشار السلاح في زيادة انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك القتل والنهب والاغتصاب والنزوح القسري. صعوبة نزع السلاح: يُعتبر نزع سلاح المدنيين في مرحلة ما بعد الحرب تحدياً كبيراً، ويتطلب جهوداً مكثفة وتوافقاً وطنياً.

كشف تسليح المدنيين في السودان عن أزمة عميقة في إدارة الصراع، وأدى إلى تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية. يتطلب التعامل مع هذه القضية مقاربة شاملة تتضمن وقف القتال، ومعالجة الأسباب الجذرية للنزاع، وإطلاق حوار وطني شامل، وتطبيق برنامج فعال لنزع السلاح وإعادة الإدماج.

SilenceKills #الصمت_يقتل #NoTimeToWasteForSudan #الوضع_في_السودان_لايحتمل_التأجيل #StandWithSudan #ساندواالسودان #SudanMediaForum

 

الوسومآثار الحرب في السودان انتشار السلاح حمل السلاح

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: آثار الحرب في السودان انتشار السلاح حمل السلاح قوات الدعم السریع المقاومة الشعبیة الجیش السودانی تسلیح المدنیین انتشار السلاح وأشار إلى أن شرق السودان المدنیین فی عمر البشیر فی معسکرات فی السودان شارکوا فی على تدریب بعد الحرب فی القتال من الجنود من الجیش فی معسکر إلى جانب من بینها الجیش فی الجیش من فی الجیش الجیش م جنود م عدد من فی حرب التی ی

إقرأ أيضاً:

بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

بنك الذهب أم بنك الحرب؟

 قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

عمر سيد أحمد

مقدمة

تداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.

هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.

أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي

1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني

المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.

القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.

2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر

البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.

هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.

بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.

3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين

المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.

4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل

السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.

في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.

5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة

حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:

من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.

هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.

ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًا

أي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.

الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.

ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعية

المقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.

1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني

لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:

إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.

أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.

2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي

يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.

3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة

الجهة الدور الضمانة
مجلس إدارة مستقل إدارة العمليات اليومية تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر
البرلمان (لجنة مالية دائمة) رقابة تشريعية ومساءلة سنوية جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة
ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد تدقيق مالي وتقني تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا
هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة)
ممثلو المعدنين وحكومات الولايات مقاعد تصويتية في الشركات الولائية حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية

نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.

4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان

لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:

تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.

5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية

تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًا

قد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.

الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.

خاتمة

مشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.

هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.

* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

Email:[email protected]

يوليو 2026

الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح

مقالات مشابهة

  • عون اطّلع من منسّى على إجراءات تعزيز انتشار الجيش في بلدات جنوبية
  • منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات بالسودان
  • حزمة مخفّفة من العقوبات على روسيا.. وأوكرانيا تطلب بإجتماع طارئ لـمجلس الأمن
  • وزير الدفاع السوداني: الجيش يحقق تقدماً في 3 ولايات والدعم السريع يعيش حالة تشظٍ
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • مشروعا قانون في الكونغرس لتجفيف تمويل الحرب وتعزيز حماية المدنيين
  • خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان
  • لقاء سري في بريطانيا يجمع الإمارات بـالدعم السريع.. الخرطوم تحتج
  • مقتل 6 سودانيين بينهم طفلان بغارة على سوق شمالي كردفان
  • السودان.. انتقال القتال إلى الأُبَيِّض يفاقم المخاطر العسكرية والإنسانية