تحديات وفرص الحركات الإسلامية في حقبة ما بعد الربيع العربي
تاريخ النشر: 26th, February 2025 GMT
لقد كان نشوء القوى التي تحمل الأيديولوجيا الإسلامية في قلب الشرق الأوسط ثمرة تفاعل معقد بين الإرث الاستعماري البائد ووطأة المظالم الاجتماعية والسياسية الراهنة والحركات الفكرية التي أذابت وأعادت تشكيل النسيج الإقليمي الحديث.
وقد نشأت الحركات الإسلامية غالبًا كاستجابة لخيبات الأمل التي أثارتها القومية العلمانية واستبداد الأنظمة التي تلت نيل الاستقلال.
وكانت الجذور الراسخة في الحركات الاجتماعية والدينية المنطلق الرئيس الذي قدمت من خلاله الجماعات الإسلامية نفسها لا كسلطة روحية فحسب، بل كلاعب سياسي مهيمن، مستفيدة من مشاعر الاستياء الشعبية من الفساد والاستبداد. ومن هنا تحقق صعود الإسلاميين إلى الحكم في العديد من الدول العربية، لكن في سياقات يكتنفها الكثير من التعقيدات والظروف السياسية والاجتماعية المتباينة.
في ليبيا مثلًا، وعقب سقوط معمر القذافي في عام 2011، تمكّنت جماعات إسلامية من بسط نفوذها في الفراغ السياسي الذي نشأ، فكان لذلك دور كبير في تمزيق البلاد، وقد شهدت تونس تجربة مختلفة تمامًا؛ فحركة "النهضة" بقيادة راشد الغنوشي، التي تحولت من حركة فكرية إصلاحية إلى حزب سياسي، استطاعت أن تحقق صعودًا سياسيًا عبر الانتخابات بعد ثورة 2011، متبنية خطابًا يعدُّ التعددية والتركيز على ذلك، وبفعل التوترات السياسية وضغط الشارع، اختارت النهضة طواعية التخلي عن السلطة في عام 2014 لصالح حكومة تكنوقراط للإشراف على المرحلة الانتقالية مما أسس نموذجًا بارزًا للتسوية السياسية في المنطقة.
إعلانأما في مصر، فقد صعدت جماعة الإخوان المسلمين، التي أنشأت نفسها كحركة شعبية تمزج بين تقديم الخدمات الاجتماعية والنشاط الإسلامي، إلى سدة الحكم بعد ثورة 2011، حيث انتخب محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب عبر صناديق الاقتراع. ولكن سرعان ما واجهت الجماعة موجات من الاستقطاب الداخلي والخارجي، لتؤول الأمور إلى الإطاحة بها في عام 2013 بعد احتجاجات شعبية هائلة.
وفي اليمن، برز حزب الإصلاح كقوة معارضة رئيسية ضد الرئيس علي عبدالله صالح، ليشارك في الحكومة الانتقالية بعد رحيله عام 2012. غير أن اندلاع الحرب الأهلية وصعود الحوثيين أدى إلى تعقيد المشهد السياسي، ليغدو جزءًا من صراع لا نهاية له.
ومثلها، لعبت الأحزاب الإسلامية في الجزائر دورًا هامًا منذ التسعينيات، خاصة بعد فوز "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" في الانتخابات، لكن الجيش حال دون تمكينها من اعتلاء سدة الحكم.
ورغم أن الحركات الإسلامية حققت مستويات متفاوتة من النفوذ السياسي، فإن طريقها إلى السلطة كان محفوفًا بمقاومة داخلية، وعوائق عسكرية، وتحديات جيوسياسية إقليمية، مما جعل صعودها أكثر تعقيدًا وأقل استقرارًا في العديد من الحالات.
الإسلاميون بين صناديق الاقتراع وميادين القتالتميز صعود الأحزاب الإسلامية إلى السلطة في تونس ومصر بعد ثورات الربيع العربي بعلاقة معقدة مع الهياكل العسكرية والإدارية القائمة. فقد تمكنت حركة النهضة في تونس وجماعة الإخوان المسلمين في مصر من تحقيق النجاح السياسي عبر الانتخابات الديمقراطية، التي تلت انهيار الأنظمة القائمة. بيدَ أن مؤسسات الدولة بقيت قائمة في كلتا الحالتين، ففي مصر ظل الجيش هو القوة الحاسمة في المشهد السياسي، أما في تونس فقد تمكنت مؤسسات الدولة الأمنية بالبقاء دون تغيير جذري.
وفي سوريا كان المشهد مختلفًا تمامًا، إذ لم يكن بروز الإسلاميين على الساحة السياسية قد تم عبر مسار انتخابي معين وإنما جاء في سياق صراع طويل الأمد.
إعلانفقد كان للإخوان المسلمين دور بارز في انتفاضة 1979-1982 ضد نظام الأسد، ولكنهم بقوا مهمشين في خضم الانتفاضة السورية منذ 2011 مع بروز فصائل إسلامية مسلحة أخرى، حيث ظهرت جماعات مثل "أحرار الشام" و"جيش الإسلام" كقوى معارضة لها حضور قوي في مراحل النزاع الأولى، إلا أن انقساماتها الداخلية والهزائم العسكرية أدت إلى تراجعها، وفي عام 2017، برز "الجيش الوطني السوري" كتحالف يضم فصائل معارضة، ومنها وحدات من "الجيش السوري الحر"، بدعمٍ تركي كبير.
ولكن رغم ذلك، كانت "هيئة تحرير الشام"، التي تطورت من "جبهة النصرة" – الفرع السوري لتنظيم القاعدة – والتي انفصلت عن القاعدة فيما بعد هي القوة الإسلامية الأقوى في شمال سوريا التي استغلت انقسامات المعارضة لتثبيت سيطرتها. ومن خلال معاركها مع النظام والفصائل الأخرى، نجحت الهيئة في توسيع نفوذها في إدلب، وابتكرت هيكلًا إداريًا موازيًا أزاح سلطة الدولة والفصائل المتناحرة في المناطق التي تسيطر عليها.
ولعل خصوصية النموذج السوري تكمن في تراجع سيادة الدولة في المناطق المتنازع عليها، ما سهل ظهور الفصائل الإسلامية التي أسست هياكل حكم بديلة.
وعلى النقيض من ذلك، تمكنت تونس ومصر من الحفاظ على التماسك المؤسسي للدولة، بما في ذلك التفوق العسكري، حتى بعد صعود الحكومات الإسلامية المنتخبة. ويفسر هذا التباين الهيكلي قدرة هيئة تحرير الشام على ممارسة المزيد من التحكم الذاتي المستقل، في حين أن جماعات مثل النهضة والإخوان المسلمين كانت مقيدة في نهاية المطاف بالنفوذ المستمر للمؤسسات العسكرية والبيروقراطية القائمة سلفًا.
علاوة على ذلك، أسفرت الحرب السورية المستمرة عن فراغ في السلطة سمح لجماعات مثل "هيئة تحرير الشام" بالاستفادة من الفرص العسكرية لتأمين الأراضي والحكم بها، الأمر الذي أدى أخيرًا إلى انهيار نظام الأسد في حملة عسكرية استمرت 11 يومًا في ديسمبر/ كانون الأول 2024، بينما تمثل ليبيا في سياق آخر حالة أكثر تعقيدًا، حيث إن سقوط معمر القذافي في عام 2011 أفضى إلى فراغ مؤقت في السلطة، لكن تفكك مؤسسات الدولة لم يكن كاملًا كما هو الحال في سوريا.
إعلانوقد أتاح هذا التفكك لجماعات مثل "الجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية" فرض تأثير محدود، ولكن من دون أن تحقق السيطرة الإقليمية المستدامة أو القدرة على الحكم التي حققتها "هيئة تحرير الشام" في إدلب. كما أن الوجود المستمر لمليشيات متنافسة والعامل القبلي في ليبيا أعاق أي جماعة إسلامية عن الوصول إلى السلطة المركزية التي كانت قد تحققت في سوريا تحت حكم "هيئة تحرير الشام".
اختبار البقاء في المشهد السوريلا شك أن تجربة الحكم الجديدة التي تتصدرها "هيئة تحرير الشام" تواجه تحديات جسيمة في سوريا، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي.
داخليًا، يتمثل العائق الرئيسي في الحفاظ على الوحدة داخل مجتمع سوري مفكك بعمق على أسس عرقية وطائفية وأيديولوجية، نتيجة سنوات من الحرب الداخلية. فقد تعرض النسيج الاجتماعي في سوريا لشرخ حاد، مع وجود نزاعات ليس فقط بين الفصائل الإسلامية والعلمانية، بل أيضًا بين الجماعات العرقية، ولا سيما الكرد في الشمال الشرقي.
لذلك، لا بد من العمل على معالجة التهميش التاريخي للكرد والأقليات الأخرى، حيث إن استمرار استبعادهم سيؤدي إلى تفاقم تفكك الدولة. كما أن بناء سوريا مستقرة ومستدامة يتطلب تطوير هوية وطنية تتجاوز الطائفية والسيطرة الأيديولوجية.
ولهذا، سيكون من الضروري السعي إلى تعزيز حوار وطني شامل يرتكز على المصالحة ومشاركة السلطة، ويجب أن يبدأ هذا الحوار بمجرد فرض الأمن بشكل أساسي في المناطق الرئيسة، مما يسمح بالمشاركة الآمنة للفاعلين السياسيين.
ومن الضروري أن يمثل هذا الحوار طيفًا واسعًا من النخب، بمن في ذلك القادة الكرد والشخصيات القبلية، والنشطاء العلمانيون. ولينجح هذا الحوار، يجب أن يركز على آليات العدالة الانتقالية والتسويات المتبادلة بعيدًا عن الممارسات الاستبعادية التي ساهمت في تعميق الشروخ في النسيج الاجتماعي السوري طوال العقود الماضية.
إعلانأما على الصعيد الدولي، فإن التحديات التي تواجهها الحكومة السورية الجديدة بسبب مرجعيتها لا تقل عن تلك التي على الصعيد الداخلي. فقد أفضت الروابط التاريخية للجماعة مع الشبكات المتطرفة، على الرغم من محاولاتها إعادة تموضعها ضمن أطر وطنية أكثر واقعية، إلى حدوث فقدان كبير للثقة بينها وبين القوى الغربية والعالم العربي.
ولهذا فإن إعادة سوريا إلى مكانتها ضمن المجتمع الدولي، يتطلب من السلطة أولًا الالتزام علنًا بالحكم غير الطائفي، ومبادرات مكافحة الإرهاب والامتثال للمعايير الدولية لحقوق الإنسان وسيادة الدولة.
كما أن الانخراط مع الجهات الفاعلة الإقليمية، وخاصة الدول الرئيسة مثل المملكة العربية السعودية، ومصر، وقطر، سيوفر حتمًا وسيلة لتطبيع العلاقات مع الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية. وهذا سيتطلب تقديم رؤية لمستقبل سوريا تتماشى مع الاستقرار الإقليمي ولا تجعل منها منصة للتطرف العابر للحدود.
بالإضافة إلى ذلك، فإن رفع العقوبات الأميركية مؤقتًا بموجب الترخيص رقم 24 يمكن أن يشكل خطوة حاسمة نحو الانخراط الدبلوماسي، شريطة أن يتم تبني إصلاحات ملموسة واهتمامًا بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان وسيادة الدولة.
إن بناء علاقات دائمة وبناءة بين سوريا والعالم العربي والغرب يتطلب نهجًا شاملًا قائمًا على التعاون بين كل الأطراف.
ومع حل "هيئة تحرير الشام" نفسها وتنصيب السيد أحمد الشرع رئيسًا للجمهورية العربية السورية، بات لزامًا إجراء تحول جذري في الحوكمة يقوم على مبادئ العدالة والمساءلة والالتزام الثابت بالاستقرار الإقليمي.
ومن هنا فإن الإعلان عن حل "هيئة تحرير الشام" مع حل مليشيات أخرى لإنشاء هيكل عسكري وطني موحد يمثل خطوة كبيرة نحو تعزيز سلطة الدولة، وتعزيز الوحدة الوطنية، لا يقل أهمية عن ذلك تدابير بناء الثقة، بما في ذلك تسهيل جهود إعادة الإعمار على نطاق واسع وضمان العودة الآمنة والكريمة للاجئين، وهما أمران حاسمان لاستعادة الثقة والشرعية.
إعلانعلاوة على ذلك، فإن الإرادة الجادة في الانخراط بالحوار الدبلوماسي مع القوى الغربية ستكون حاسمة في تحديد كيفية إعادة سوريا إلى المجتمع الدولي في الوقت ذاته، إذ إن تنفيذ إصلاحات واضحة وقابلة للقياس وعملية ديمقراطية تدريجية أمر بالغ الأهمية لضمان الاستقرار السياسي طويل الأمد والمرونة المؤسساتية.
وستلعب الدبلوماسية الاقتصادية أيضًا دورًا مهمًا في تعافي سوريا، حيث إن الاستثمارات الأجنبية خاصة من خلال التعاون الإستراتيجي مع دول الخليج ستشكل حجر الزاوية لإعادة البناء بعد النزاع.
وسيكون تعزيز الشراكات المستدامة مع العالم العربي، وخاصة دول الخليج، أمرًا أساسيًا في تسهيل الإنعاش الاقتصادي لسوريا واندماجها الإقليمي الأوسع.
وفي الختام، يكشف صعود الحركات الإسلامية في تونس، ومصر، وليبيا، وسوريا، بعد الربيع العربي عن سردية معقدة من الفرص والتحديات. ففي تونس ومصر نجحت جماعات مثل "النهضة" وجماعة الإخوان المسلمين في الانتقال من المعارضة إلى الحكم، مستفيدة من قاعدتها الشعبية للوصول إلى السلطة عبر العملية الانتخابية. ومع ذلك، كانت فترة حكمهم مليئة بالتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، خاصة في تحقيق التوازن بين الطموحات الأيديولوجية والمتطلبات العملية للحكم.
وفي ليبيا، تمكنت "الجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية" من اكتساب النفوذ في فترة ما بعد القذافي، لكنها واجهت صعوبة في تحقيق السيطرة المستدامة؛ بسبب المشهد السياسي والمليشياوي المنقسم.
في المقابل، كان مسار سوريا مختلفًا، حيث استمرت "هيئة تحرير الشام" والفصائل المنضوية تحت لوائها في النضال المسلح لإزاحة نظام الأسد، الذي انهار مع مؤسساته بالكامل، الأمر الذي جعل لزامًا العمل على إعادة بناء الدولة وتشكيل جيش وطني جديد.
وتسلط هذه الحالات الضوء على المسارات المتباينة التي سلكها الإسلاميون للوصول إلى السلطة في الشرق الأوسط، بدءًا من الاندماج السياسي داخل الهياكل العسكرية القائمة في تونس ومصر، إلى المعارضة المسلحة الثورية في ليبيا وسوريا.
إعلانوتبرز هذه الحالات مجتمعة آليات التفاعل المعقدة بين الأيديولوجية الإسلامية والحكم والواقع السياسي في حقبة ما بعد الربيع العربي بالمنطقة، حيث لا تزال الشرعية المستمدة من الدعم الشعبي وتعقيدات الحفاظ على الوحدة الوطنية عوامل محورية لبقاء هذه الحركات ومستقبلها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات قمة الويب الحرکات الإسلامیة هیئة تحریر الشام الربیع العربی الإسلامیة فی الإسلامیة ا إلى السلطة تونس ومصر فی لیبیا فی سوریا فی تونس ما بعد صعود ا فی عام
إقرأ أيضاً:
من مانشستر.. بيرنهام يبدأ إعادة رسم خريطة السلطة في بريطانيا
بدأ رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام من قلب مانشستر، وفي خطوة تحمل دلالات سياسية تتجاوز افتتاح مكتب حكومي جديد، تنفيذ مشروعه لإعادة توزيع السلطة والثروة داخل المملكة المتحدة، مع عقد أول اجتماع رسمي في المقر الجديد الذي أطلق عليه اسم "داونينغ ستريت الشمال".
ويترأس بيرنهام، الجمعة، الاجتماع الافتتاحي للمجلس الاقتصادي الوطني، بحضور وزراء بارزين ورؤساء بلديات إقليميين، في محاولة لنقل مركز صناعة القرار الاقتصادي بعيداً عن لندن، وتعزيز دور المدن والأقاليم في تحديد أولويات الاستثمار والتنمية.
ووصف رئيس الوزراء المشروع بأنه "أكبر عملية لإعادة موازنة السلطة شهدتها بلادنا"، في حين يرى مؤيدوه أن الخطوة قد تمثل بداية لتحول عميق في طريقة إدارة الدولة البريطانية، بعد عقود من تركّز السلطة السياسية والاقتصادية في العاصمة.
لكن المشروع يواجه، وفق صحيفة "الغارديان"، منذ بدايته انتقادات من المعارضة، التي تتهم بيرنهام بأنه لا يزال يتصرف بعقلية رئيس بلدية مانشستر، في وقت ينتظر فيه البريطانيون حلولاً لأزمات وطنية متراكمة، من غلاء المعيشة والإسكان إلى الطاقة والسجون.
"داونينغ ستريت الشمال".. السلطة تغادر لندن
يقع المقر الجديد في "هيرون هاوس" وسط مانشستر، في المبنى نفسه الذي يضم مقر وكالة الاتصالات الحكومية البريطانية في شمال غرب البلاد.
ومن المتوقع أن يعمل بيرنهام من المكتب مرة واحدة أسبوعياً، بما يبقيه قريباً من دائرته الانتخابية في ميكرفيلد ومن المنطقة التي نشأ فيها، فيما سيستخدم وزراء آخرون منحدرون من شمال غرب إنجلترا، من بينهم أنجيلا راينر ولوسي باول، المكتب بصورة منتظمة.
لكن أهمية المشروع لا تكمن في نقل بعض ساعات العمل الحكومية إلى مانشستر، بل في الطموح المعلن لجعل المدينة مركزاً لصناعة القرار الاقتصادي على مستوى المملكة المتحدة.
وفي مقاله المنشور في صحيفة "الغارديان"، قال بيرنهام إن الهدف يتمثل في "أخذ السلطة إلى الأسفل ووضعها في أيدي الأشخاص الذين يستطيعون استخدامها على أفضل وجه".
وأضاف أن المكتب الجديد سيكون مسؤولاً عن تسريع عملية نقل الصلاحيات إلى الأقاليم، ودفع إعادة التصنيع والنمو في مختلف أنحاء البلاد، وإزالة العقبات التي تواجه مشاريع التجديد، من بناء مساكن المجالس المحلية إلى تطوير وسائل النقل العام.
وبحسب رئيس الوزراء، فإن الحكومة المركزية يجب أن تعمل "مع الأماكن" لا أن تقف في طريقها، في إشارة إلى انتقاده للنموذج التقليدي الذي ظلت فيه القرارات الكبرى المتعلقة بالاستثمار والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية تُتخذ من العاصمة.
المجلس الاقتصادي الوطني يعود إلى الواجهة
ويأتي الاجتماع الأول في "داونينغ ستريت الشمال" بالتزامن مع إعادة تنشيط المجلس الاقتصادي الوطني، وهو إطار حكومي أطلقه رئيس الوزراء الأسبق غوردون براون عام 2008، في أعقاب الأزمة المالية العالمية.
وتكمن أهمية المجلس في جمع كبار الوزراء مع رؤساء البلديات الإقليمية، بما يسمح ـ نظرياً ـ بربط القرار الاقتصادي المركزي بالاحتياجات الفعلية للمناطق.
ويريد بيرنهام من هذه الآلية أن تكون جزءاً من تحول أكبر في علاقة الحكومة المركزية بالمدن والأقاليم، بحيث لا تقتصر اللامركزية على نقل الصلاحيات الإدارية، بل تمتد إلى القرارات المتعلقة بالنمو والاستثمار والبنية التحتية.
ويضع ذلك رئيس الوزراء أمام اختبار صعب: هل تستطيع حكومته نقل السلطة الفعلية، أم أن "داونينغ ستريت الشمال" سينتهي إلى مجرد عنوان رمزي لمشروع سياسي طموح؟
معارضة: بيرنهام "لا يزال عمدة مانشستر"
لم تنتظر المعارضة طويلاً لمهاجمة المشروع. واتهمت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادنوك رئيس الوزراء بأنه يحكم بريطانيا "كما لو أنه لا يزال عمدة مانشستر"، في انتقاد يعكس المخاوف من أن يتحول المشروع إلى منصة سياسية تركز على شمال إنجلترا أكثر من اللازم.
ويرى المحافظون أن بيرنهام مطالب بالتعامل مع قضايا تمس البلاد بأكملها، وليس فقط إعادة توزيع مراكز القرار بين لندن ومانشستر.
غير أن أنصار رئيس الوزراء يردون بأن جوهر المشروع هو تحديداً معالجة مشكلة وطنية مزمنة، تتمثل في الفوارق الكبيرة بين مناطق المملكة المتحدة، والتي يرون أنها غذّت مشاعر التهميش والاستياء وأضعفت الثقة بالمؤسسات السياسية.
ومن هذا المنظور، فإن نقل السلطة إلى الأقاليم لا يمثل انحيازاً إلى مانشستر، بل محاولة لإعادة بناء الدولة على أساس أكثر توازناً.
بيرنهام: أربعة عقود من المركزية أضعفت بريطانيا
يقدم بيرنهام مشروعه باعتباره رداً على ما يعتبره اختلالاً تاريخياً في بنية الدولة البريطانية. وفي مقاله، قال إن بريطانيا اتخذت خلال العقود الأربعة الماضية "سلسلة من المنعطفات الخاطئة"، تمثلت، بحسب وصفه، في تركيز السلطة السياسية، وخصخصة القوة الاقتصادية، وتراجع التصنيع في عدد كبير من المجتمعات.
ويرى أن العديد من المناطق التي تضررت من هذا المسار لم تتمكن من التعافي، لأنها لم تكن تملك الصلاحيات أو الأدوات اللازمة لتغيير واقعها.
ويعتقد رئيس الوزراء أن هذه الحالة من الإهمال كانت أحد العوامل التي غذت الاضطرابات السياسية المتزايدة في بريطانيا، وأسهمت في اتساع الفجوة بين المواطنين والمؤسسات.
كما ينتقد بورنهام تجربة «رفع المستوى» التي تبنتها حكومات سابقة، معتبراً أن نقل بعض مكاتب الدولة إلى مناطق خارج لندن لم يكن كافياً، طالما بقيت القرارات الأساسية في أيدي المؤسسات المركزية في العاصمة.
أزمة جديدة على جبهة الطاقة
وبينما يركز بيرنهام على إعادة توزيع السلطة، تواجه حكومته اختباراً مختلفاً في ملف الطاقة، مع تقارير عن استعدادها للتحرك سريعاً بشأن مشاريع جديدة للنفط والغاز في بحر الشمال.
وبحسب تقارير صحفية، تدرس الحكومة احتمال الموافقة على تطوير حقلي "جاكدَو" و"روزبانك" قبالة السواحل الاسكتلندية، في خطوة قد تهدف إلى زيادة الإنتاج المحلي والمساعدة في خفض تكاليف الطاقة.
وقد تكون الموافقة خلال شهر آب/أغسطس كافية لبدء الإنتاج في وقت مبكر من تشرين الأول/أكتوبر، وفق ما أوردته التقارير.
لكن القرار المحتمل يضع وزيرة الطاقة الجديدة مياتا فانبوله في مواجهة معقدة، خصوصاً بسبب مواقف سابقة ارتبطت بها وبمؤسسة "نيو إيكونوميكس فاونديشن" التي ترأستها، والتي دعت في تقرير سابق إلى وقف التوسع في عمليات التنقيب الجديدة في بحر الشمال.
وتضغط جماعات بيئية على الحكومة لرفض مشروعي "روزبانك" و"جاكدَو"، محذرة من أن التوسع في إنتاج الوقود الأحفوري يتعارض مع أهداف التحول المناخي.
في المقابل، يرى مؤيدو تطوير الحقول أن بريطانيا بحاجة إلى تأمين إمدادات الطاقة المحلية، وأن الإنتاج من بحر الشمال يمكن أن يؤدي دوراً في تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية.
وبذلك، يجد بيرنهام نفسه أمام معادلة سياسية دقيقة: كيف يخفض كلفة الطاقة ويحافظ على أمن الإمدادات، من دون أن يخسر دعم الناخبين المهتمين بالبيئة أو يتراجع عن تعهدات التحول إلى الطاقة النظيفة؟
راينر: الحكومة "على وقت مستعار"
وتعكس تصريحات وزيرة الإسكان أنجيلا راينر حجم الضغوط التي تواجهها الحكومة الجديدة. وقالت راينر إن الإدارة الجديدة "على وقت مستعار" إذا لم تتحرك بسرعة لإحداث تغيير ملموس، مشيرة إلى أن بورنهام يدرك حجم الإحباط الشعبي الناجم عن ارتفاع تكاليف المعيشة.
وتحاول الحكومة تقديم سلسلة من الإجراءات السريعة، بينها وضع سقف لأسعار تذاكر الحافلات، وخفض ضريبة القيمة المضافة على فواتير الكهرباء، وتقديم دعم لقطاعي الحانات والنوادي.
لكن هذه الإجراءات تواجه اختباراً حقيقياً أمام واقع اقتصادي لا يزال صعباً، فيما يراقب الناخبون ما إذا كانت القرارات الحكومية ستترجم إلى تحسن فعلي في دخول الأسر ومستويات المعيشة.
هدف بناء 1.5 مليون منزل يزداد صعوبة
وفي قطاع الإسكان، أقرت راينر بأن هدف الحكومة بناء 1.5 مليون منزل خلال الدورة البرلمانية الحالية أصبح أكثر صعوبة، لكنها شددت على أنها لا تتخلى عنه.
وتأتي تصريحاتها في ظل ارتفاع تكاليف البناء، وتحديات التمويل، والضغوط التي تواجه قطاع الإنشاءات.
كما استبعدت في الوقت الراهن فرض ضوابط مباشرة على الإيجارات، معتبرة أن الإصلاحات التي أقرتها حكومة حزب العمال في مجال حقوق المستأجرين بدأت بالفعل تؤثر في السوق.
ويشكل ملف الإسكان واحداً من أكبر الاختبارات أمام حكومة بورنهام، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات في مناطق واسعة من البلاد، ونقص المعروض السكني.
مراجعة خطة الإفراج المبكر عن السجناء
وفي ملف العدالة الجنائية، أمر بيرنهام بمراجعة عاجلة لخطة الإفراج المبكر عن آلاف السجناء في إنجلترا وويلز، بعد موجة من الانتقادات من جانب الضحايا وعائلاتهم.
وكانت الحكومة قد خططت للسماح بالإفراج المبكر عن عدد كبير من السجناء اعتباراً من أيلول/سبتمبر، في محاولة للتعامل مع أزمة اكتظاظ السجون.
لكن رئيس الوزراء أوقف تنفيذ الخطة مؤقتاً، مؤكداً أن سلامة الجمهور يجب أن تكون الأولوية.
وقالت وزيرة الإسكان المساعدة سالي جيمسون، وهي ضابطة سجون سابقة، إن المراجعة ستُجرى خلال "الأيام والأسابيع المقبلة".
ويعكس هذا الملف واحدة من المعضلات الأكثر حساسية أمام الحكومة الجديدة: كيفية معالجة أزمة السجون المكتظة من دون تعريض الأمن العام للخطر أو إثارة غضب ضحايا الجرائم.
"دفعة بيرنهام" ترفع معنويات المستهلكين
وفي مؤشر قد يمنح الحكومة بعض الوقت لالتقاط الأنفاس، أظهرت بيانات اقتصادية ارتفاعاً ملحوظاً في ثقة المستهلكين البريطانيين خلال تموز/يوليو.
وقالت مؤسسة "النمو من خلال المعرفة": إن التفاؤل العام تلقى دفعة من احتمالات وصول بورنهام إلى رئاسة الحكومة، إلى جانب عوامل أخرى مثل الأداء الجيد للمنتخب الإنجليزي والطقس المشمس.
وارتفع المؤشر العام لثقة المستهلكين ست نقاط إلى -17، وهو أعلى مستوى منذ كانون الثاني/يناير، وأكبر ارتفاع منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2023.
كما تحسنت توقعات المستهلكين بشأن الاقتصاد خلال العام المقبل بثماني نقاط، بينما ارتفعت نظرتهم إلى أداء الاقتصاد خلال العام السابق بعشر نقاط.
ووصف نيل بيلامي، مدير رؤى المستهلكين في مؤسسة "النمو من خلال المعرفة"، الشهر بأنه شهد "موجة من التفاؤل". لكن من المبكر اعتبار هذه الأرقام تحولاً اقتصادياً مستقراً، إذ إن ثقة المستهلكين قد تتأثر بعوامل سياسية وموسمية، فيما يبقى التحدي الحقيقي أمام الحكومة هو تحويل هذا التفاؤل إلى تحسن ملموس ومستدام في الاقتصاد.
"تحالف سلتي" يفتح ملف مستقبل الاتحاد البريطاني
وفي موازاة مشروع بيرنهام لإعادة توزيع السلطة داخل إنجلترا، تتزايد أهمية النقاش حول مستقبل الاتحاد البريطاني نفسه.
وقال رئيس وزراء ويلز، رون أب إيورث، إنه يملك "تحالفاً سلتياً" مع نظيره الاسكتلندي جون سويني، مؤكداً أن حزبه "بلايد كامري" يعمل بصورة وثيقة مع الحزب الوطني الاسكتلندي.
وتأتي تصريحاته في وقت تتولى فيه أحزاب مؤيدة للاستقلال أو ذات توجهات قومية السلطة في عدد من الأقاليم البريطانية، ما يضيف بعداً جديداً إلى مشروع بيرنهام.
ففي حين يرى رئيس الوزراء أن تعزيز اللامركزية يمكن أن يساعد في الحفاظ على وحدة المملكة المتحدة عبر تقليص الفوارق الاقتصادية والتنموية، قد يرى القوميون أن منح الأقاليم مزيداً من الصلاحيات يفتح الباب أمام مطالب أوسع بالحكم الذاتي أو الاستقلال.
وهنا تكمن المفارقة السياسية: قد يكون نقل السلطة من لندن وسيلة لإنقاذ الاتحاد البريطاني، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تعزيز القوى التي تطالب بمزيد من الاستقلال عن لندن.
وبعبارة أخرى فإن تحالف سلتي هو "تحالف سياسي بين ويلز واسكتلندا يقوم على التقارب بين القوى القومية والمؤيدة لتوسيع صلاحيات الأقاليم".
المعركة الحقيقية تبدأ الآن
يضع بيرنهام رهانه السياسي الأكبر على مانشستر، لكنه يعلم أن نجاح "داونينغ ستريت الشمال" لن يُقاس بعدد الاجتماعات التي ستُعقد في المدينة، ولا بعدد الوزراء الذين سيستخدمون المكتب الجديد.
الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة المشروع على تغيير طريقة اتخاذ القرار، وتحويل اللامركزية من شعار سياسي إلى نتائج اقتصادية ملموسة.
هل ستتمكن المناطق من جذب استثمارات جديدة؟ هل ستتقلص الفجوة بين شمال إنجلترا ولندن وجنوب شرق البلاد؟ هل ستتحسن وسائل النقل والإسكان؟ وهل ستنجح الحكومة في إعادة التصنيع وخلق وظائف ذات أجور جيدة؟
تلك هي الأسئلة التي ستحدد مصير مشروع بيرنهام.
وفي الوقت نفسه، فإن رئيس الوزراء لا يملك ترف الانتظار طويلاً. فملفات الطاقة، وتكاليف المعيشة، والإسكان، والسجون، والثقة الاقتصادية، كلها تتطلب قرارات سريعة.
أما مشروع "داونينغ ستريت الشمال"، فيحمل رهانا أكبر: إعادة تعريف العلاقة بين لندن وبقية المملكة المتحدة.
ومن مانشستر، يريد بيرنهام أن يثبت أن بريطانيا يمكن أن تُحكم بطريقة مختلفة؛ أقل مركزية، وأكثر اعتماداً على الأقاليم، وأن نقل السلطة يمكن أن يصبح محركاً للنمو لا مجرد تغيير في عنوان المكتب.
لكن نجاح التجربة سيعتمد في النهاية على سؤال واحد: هل يستطيع بيرنهام أن ينقل السلطة فعلاً من لندن، أم أن "داونينغ ستريت الشمال" سيبقى مجرد رمز سياسي لطموح أكبر من قدرة الحكومة على تنفيذه؟