أحمد النشوقي يكتب: الإفطار الجماعي.. بين روح المحبة وشبهة الرياء
تاريخ النشر: 15th, March 2025 GMT
مع كل رمضان، بنشوف مشاهد جميلة من التكافل والتراحم، ومن أكتر العادات اللي بتجمع الناس هي الإفطار الجماعي، اللي بيلم الأهالي على سفرة واحدة، ويقربهم من بعض أكتر.. والنجاح الكبير اللي حققه إفطار المطرية الجماعي خلى الفكرة تنتشر في قرى تانية، وناس كتير بقت مُتحمسة لتنظيم إفطارات زيّه لتعزيز روح الجيرة والمودة.
لكن مع الحماس ده، البعض بدأ يتكلم عن شبهة الرياء في الموضوع، خاصة لما الإفطار الجماعي يتحوّل من فعل خير لوجه الله إلى شو إعلامي واستعراض، وبدل ما يكون هدفه الحقيقي هو لمّة الناس، يبقى الهدف إننا نتصوّر ونعمل دعاية للحدث.. ده غير كمان مسألة جمع التبرعات، اللي ساعات بتسبّب إحراج للبعض، وبتخليهم يحسّوا إنهم مضطرين يتبرعوا مش برضاهم، وده بيضيّع قيمة العطاء الطوعي..
طبعًا مفيش شك إن للإفطار الجماعي فوائد كبيرة، زي تعزيز الروابط الاجتماعية بين الأهالي وتقوية العلاقات بينهم، وإحياء روح الجيرة والمودة، اللي للأسف بدأت تقل في الزمن ده.. بالإضافة إلى مساعدة المحتاجين والفقراء في كسر صيامهم بوجبة كريمة من غير إحراج.. ناهيك عن خلق أجواء رمضانية مميزة تخلّي الناس تحس بجمال وروحانية الشهر الكريم..
وكمان نشر ثقافة العطاء والتراحم بين الناس، وتشجيعهم على فعل الخير.. لكن في نفس الوقت، فيه سلبيات ممكن تحصل منها على سبيل المثال سوء التنظيم والعشوائية فبعض الإفطارات بتبقى من غير تخطيط كفاية، فتلاقي فيه زحمة، أكل مش كفاية أو متوزّع غلط، أو حتى مشاكل في ترتيب الأماكن برضه هتلاقي التفاوت في المساهمات لما الإفطار يكون معتمد على التبرعات
بعض الناس بتحس إنها مجبورة تتبرع عشان مش تبان إنها أقل من غيرها، وده بيعمل ضغط مش مُبرر، الإسراف والهدر للأسف، في بعض الموائد، الأكل بيبقى أكتر من اللازم، فلازم يُستغل ويتوزع على المحتاجين.. التحوّل لاستعراض اجتماعي فلما التصوير يبقى هو الأساس، والناس تركّز على التصوير، بدل ما يكون الهدف هو لمّة الخير، يبقى الإفطار فقد قيمته الحقيقية.. إرهاق المُنظمين والمتطوعين ساعات عدد قليل من الناس بيتحمّل عبء التنظيم كله، وده بيتعبهم جدًا، وفي الآخر ممكن يحسّوا إنهم مش قادرين يستمتعوا بروح رمضان.
طيب إزاي نضمن إن الإفطار الجماعي يفضل فكرة ناجحة أولاً التخطيط الجيد، فلازم يكون فيه نظام واضح لتقسيم الأدوار بين المتطوعين، عشان الإفطار يكون مُنظمًا.. والمشاركة العائلية بأقل دور.. والمهم عدم الضغط على الناس في التبرعات التبرعات لازم تبقى اختيارية، واللي عايز يساهم يساهم من غير إحراج، مع تقليل التصوير والمظاهر فمش لازم كل حاجة تتحوّل لدعاية، والأهم هو تحقيق التكافل بصدق.. تحديد كميات الأكل عشان نتفادى الإسراف، ويتم توزيع الفائض بشكل محترم بدل ما يُهدر..
واختيار مكان مناسب للإفطار بمعنى لازم يكون مكان واسع ومريح، عشان يتسع للجميع وما يحصلش زحمة أو تضييق على الناس.. و الحرص على النظافة والتنظيم بعد الإفطار، لازم يتم تنظيف المكان وعدم ترك مخلفات مهم جدًا إشراك الجميع في التنظيم فمش لازم كل حاجة تقع على مجموعة معينة، الأفضل إن الكل يشارك حسب قدرته، عشان يبقى فيه تعاون وروح جماعية.. التأكد من وجود وجبات متوازنة لازم يكون الأكل متنوع وصحي، عشان يناسب كل الفئات، وخاصة كبار السن والأطفال.
الإفطار الجماعي فكرة عظيمة، بس لازم نحافظ على نيتها الصافية، ونبعد عن أي حاجة ممكن تحوّله من مبادرة خيرية إلى استعراض اجتماعي.. نجاح الفكرة مش في عدد الناس اللي بتحضر، ولا في شكل المائدة، بل في صدق النوايا وروح التعاون اللي بتجمع الناس.. لو كل ده كان موجود، الإفطار هيكون أكثر بركة وتأثير في النفوس.. ومننساش صلاة العشاء والتراويح وننشغل في اللمة.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: رمضان شهر رمضان الإفطار الجماعي المزيد الإفطار الجماعی من غیر
إقرأ أيضاً:
الاعتذار من شِيَم الكبار: الإمام المؤسس والسلطان العثماني
المراسلات الدبلوماسية تكشف أدبيات وبروتوكولات دهاليز السياسة والحرب. ويكاد يجمع الباحثون أن الإمام المؤسس أحكم بحرفية عالية إدارة العلاقات الدولية وكان يديرها بما ينسجم مع محددات تحفظ السيادة الوطنية وتعلي من شأن العلاقات الاقتصادية بما ينسجم مع الدور السياسي الذي استطاع أن يعيد عُمان لمكانتها الجيوسياسية وقوتها الاقتصادية بفعل موانئها وأسطولها الحربي والتجاري.
من هذا المنطلق لبى الإمام أحمد نداء نجدة البصرة في عام 1775م، بأسطول مهيب قاده ابنه القائد العسكري السيد هلال.
وتتابعت الأحداث في ذلك الميناء الاستراتيجي للمنطقة وحدثت بعض التجاوزات الفردية أثناء إدارة الموقف المتأزم الذي استمر لسنوات كان الدور العُماني فاعلًا وحاضرًا فيه بقوة.
ذلك التجاوز الفردي تمثل في سلوك غير لائق من قبل الوالي العثماني على البصرة مصطفى باشا، حيث رد مساعدات الإمام أحمد التي أرسلها في أسطول يقوده ابنه السيد هلال في عام 1777م، ولأن السلطان العثماني عبد الحميد الأول (1774-1789م) أدرك أن هذا التجاوز لا يليق بالجهود التي قدمها العُمانيون في نجدة البصرة ويتطلب اتخاذ موقف من القيادة العليا الممثلة في السلطان، أرسل رسالة اعتذار للإمام أحمد بن سعيد، ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ فقد كلَّف هذا التجاوز مصطفى باشا حياته فتم إعدامه بسبب هذا التصرّف الذي يعارض سياسة الخلافة العثمانية ويرقى لأن يكون عصيانًا وخيانة. فجاء في توصيف وثيقة عثمانية مؤرخة بتاريخ: (1 جمادى الآخرة 1191هـ/ 7 يوليو 1777م): "رسالة من السلطان العثماني عبد الحميد الأول إلى إمام مسقط أحمد بن سعيد يقدم فيها الاعتذار عن السلوك غير اللائق من مصطفى باشا -والي البصرة السابق- الذي أعاد مساعدات الإمام للدولة العثمانية ضد الفرس". ويشير توصيف الوثيقة المترجم إلى اللغة العربية بأنه تم إعدام مصطفى باشا بسبب هذا الموضوع.
إن قراءة متفحصة لمضمون هذه الوثيقة تؤكد أن الإمام أحمد بن سعيد أرسل أكثر من حملة لمساعدة البصرة في فك حصارها من قبل الفرس في سنوات متفرقة من عام 1775م، و1776م، و1777م وهو ما تشير إليه الوثائق العثمانية المنشورة في الجزء الأول من كتاب: "عُمان في الوثائق العثمانية ثلاثمائة وسبعون عامًا من العلاقات التاريخية". ففي وثيقة عنوانها: "طلب حول إرسال مرسوم إلى إمام مسقط معربًا عن الامتنان بشأن إرساله سفنًا مع ابنه لمساعدة البصرة"، مؤرخة في: (23 جمادى الأولى 1191هـ/ 29 يونيو 1777م)، جاء فيها: "هناك مراسلات مستمرة منذ القدم بين الإمام والولاة، حيث كانت علاقات ودية وإخلاص بينهم، وحتى أن الرسوم الجمركية لم تحصّل من تجارهم الذين يأتون إلى ميناء البصرة، لجبر خواطر الولاة. لكن ونظرًا لوجود صراع بينهم وبين الفرس كتب الراحل عمر باشا رسالة إلى الإمام وطلب فيها المساعدة بسبب محاولة الفرس الاعتداء على ميناء البصرة العام الماضي. وبناءً على هذا الطلب أرسل الإمام ابنه إلى البصرة مع ثلاثين أو أربعين سفينة مختلفة الأحجام".
ومن تتبع مسار الأحداث التاريخية وما يدعمها من وثائق فقد ردَّ الإمام أحمد بن سعيد على رسالة السلطان عبد الحميد الأول برسالة بدأ فيها بحمد الله والدعاء للسلطان، ثم ذكر استلام رسالة السلطان ببهجة وفرح على الرغم من وجود مسافات طويلة بين البلدين، وأوضح الإمام أحمد في رسالته أيضًا، بأن الفرس حاولوا غزو أراضي عُمان عدة مرات لكنهم فشلوا. ويعرب عن استعداده للتعاون مع الدولة العثمانية ضد الفرس، مفيدًا بأنه قد ارتدى القفطان الذي أرسله له السلطان عبد الحميد الأول". هذه الرسالة مؤرخة في: (16 ربيع الأول 1193هـ 3 أبريل 1779م).
كما يظهر عمق العلاقة ومتانتها بين السلطان العثماني عبد الحميد الأول والإمام أحمد بن سعيد من خلال استمرار المراسلات بين الطرفين، وتبادل الهدايا، ومنح بعض الامتيازات للتجار العُمانيين، وحماية الحجاج العُمانيين.
ومن أمثلة ذلك استمرار المراسلات والعلاقات الودية بين السلطان عبد الحميد الأول والإمام أحمد بن سعيد بعد سقوط البصرة سنة 1776م إلى انسحاب الفرس منها في عام 1779م، وهو ما تكشفه مكاتبة مرسلة من السلطان العثماني للإمام أحمد تتضمن إخباره بكل ما يحدث في البصرة في تلك الفترة، كما أن السلطان العثماني عندما أراد عقد صلح مع الفرس كان حريصًا على إبلاغ الإمام أحمد بذلك فكان رد الإمام أن الصلح خير للجميع، ولا يوجد خلاف عليه، وإذا رأى السلطان بأن ذلك في صالح المسلمين فنحن معه.
عمومًا توالت الرسائل بين الإمام أحمد بن سعيد والسلطان عبد الحميد الأول سواء حول تنسيق الجهود في استتاب الأمن في ميناء البصرة أو حماية الحجاج العُمانيين، فقد أرسل الإمام أحمد بن سعيد رسالة إلى الصدر الأعظم العثماني يطلب منهم عدم أخذ أموال من الحجاج العُمانيين والحرص على تمكينهم من زيارة مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة بأمان، وأن تتم حمايتهم من جميع أنواع المخاطر وهذه الرسالة مؤرخة في: (20 شعبان 1193هـ/ 2 سبتمبر 1779م).
كما يتضح من خلال الوثائق بأن العلاقة العثمانية العُمانية حافظت على حيويتها حتى بعد وفاة الإمام أحمد بن سعيد في عام 1783م، واستمرت العلاقات الطيبة بين العثمانيين والعُمانيين في عهد السيد سلطان ابن الإمام أحمد (1792-1804م) في ضوء الجهود التي قدمها والده الإمام أحمد لاستتاب الأمن والاستقرار في ميناء البصرة والخليج بصفة عامة، فكانت هنالك زيارات متواصلة للسيد سلطان لميناء البصرة لاستلام المكافأة السنوية المقررة من السلطان العثماني لإمام عُمان، كما هدفت تلك الزيارات الدائمة للبصرة بهدف الإشراف على تجارة عُمان الضخمة مع ميناء البصرة. وفي عهد السلطان سعيد بن سلطان ازدادت نشاطات الدولة العثمانية في الخليج العربي، وأبدت عُمان استعدادها لتنسيق الجهود مع الوالي العثماني محمد علي باشا، ويظهر ود وتقارب تلك العلاقات من خلال تنظيم حفل استقبال رسمي كبير في مكة للسلطان سعيد أثناء ذهابه لأداء مناسك الحج عام 1824م.
ونتيجة للنشاط التجاري المهم والمؤثر للسلطان سعيد في كل من عُمان وشرق أفريقيا زادت إيرادات البلاد عدة أضعاف، خاصة من خلال احتفاظه بتجارة القرنفل؛ لهذا حثّت الرسائل المرسلة من الولاة العثمانيين إلى مكتب الصدارة العثماني في القسطنطينية، على ضرورة تقريب السلطان سعيد من الدولة العثمانية، وتعزيز العلاقات بين الجانبين.