منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018، فرضت واشنطن عقوبات اقتصادية صارمة على طهران، استهدفت أساسا قطاع النفط، لتقليص مصادر تمويلها والضغط على نظامها السياسي.

وأدت هذه العقوبات إلى تراجع صادرات النفط الإيرانية كثيرا، مما دفع طهران إلى البحث عن وسائل بديلة لتجاوزها.

وفي هذا السياق، برزت تقارير حديثة تشير إلى أن بعض ناقلات النفط الإيرانية تستخدم وثائق عراقية لعبور الأسواق العالمية.

وعلى الرغم من أن هذه الممارسات ليست جديدة، إلا أنها عادت إلى الواجهة أخيرًا، مع تصاعد الضغوط الدولية على إيران وتشديد الرقابة على حركة النفط في المنطقة.

موجة جديدة

فرضت الولايات المتحدة، خلال الشهر الماضي، عقوبات جديدة على إيران، حيث استهدفت لأول مرة مصفاة نفط خاصة في الصين، كونها أكبر مشتر للنفط الإيراني، وتأتي هذه الخطوة ضمن الجولة الرابعة من العقوبات الأميركية على مبيعات النفط الإيرانية.

وجاءت العقوبات بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في فبراير/شباط الماضي استئناف سياسة "أقصى الضغوط" على طهران، من أجل وقف صادراتها من النفط كاملا، لمنعها من تطوير سلاح نووي وتمويل الجماعات المسلحة، وفق مسؤولين أميركيين.

إعلان

يأتي العهد الجديد من العقوبات ضمن سياق طويل من الإجراءات التي بدأت منذ الثورة الإيرانية عام 1979، حيث فرضت الولايات المتحدة عقوبات تدريجية على إيران.

وبلغت هذه العقوبات ذروتها بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في 2018 أثناء ولاية الرئيس ترامب السابقة، واستهدفت أساسا قطاع النفط، مما حال دون قدرة طهران على تصدير نفطها إلى الأسواق العالمية، وألحق ذلك ضربة قاسية بالاقتصاد الإيراني الذي يعتمد أساسا على العائدات النفطية.

تحسب لغضب بكين

يرى محللون، أن الولايات المتحدة اتبعت إستراتيجية متدرجة لفرض العقوبات، وتجنبت فرض إجراءات على بنوك صينية كبيرة تدعم المعاملات مع إيران، لتجنب استفزاز بكين برد اقتصادي.

وبحسب الرئيس التنفيذي لمجموعة "رابيدان إنيرجي" البحثية، سكوت موديل، فمن الواضح أن الولايات المتحدة تتبع إستراتيجية تهدف إلى استخدام الصين كوسيلة للضغط على إيران، إذ يتم تطبيق الحد الأدنى من الضغوط في البداية، مع تعزيز هذه الجهود تدريجياً حتى الوصول إلى اتفاق نووي مع طهران.

ولم تقتصر العقوبات على قطاع النفط فقط، بل طالت أيضًا القطاع المصرفي، واستهدفت العقوبات 50 بنكًا، إلى جانب شركات أجنبية ومحلية تابعة لها.

وكان بنك ملي في صدارة البنوك التي خضعت للعقوبات، بسبب مزاعم تورطه في تحويل الأموال إلى الجماعات المسلحة في العراق ودعمه كيانات مرتبطة بالجيش الإيراني منذ منتصف عام 2000.

وفي إطار هذه الإجراءات المتسارعة، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 12 كيانا، وحظرت 8 سفن قالت، إنها ضالعة في شحن ملايين براميل النفط الإيراني إلى الصين، وتُعد هذه السفن جزءًا من "أسطول الظل" الإيراني الذي يزود مصافي القطاع الخاص.

كما شملت العقوبات 12 مؤسسة تابعة لبنك ملي، إضافة إلى بنوك أخرى، مثل بنك آرين، وبنك المستقبل وبنك تنمية الصادرات الإيراني، إلى جانب شركة السمسرة التابعة له، وبنك التنمية الدولي، وبنك الاستثمار الإيراني الفنزويلي.

بنك ملي إيران يتصدر البنوك التي خضعت للعقوبات الأميركية (الفرنسية)

وبناءً على هذه الإجراءات، يخضع أكثر من 700 فرد ومؤسسة إيرانية، إضافة إلى طائرات وسفن، للعقوبات بما فيها أكثر من 70 بنكًا ومؤسسة مالية إيرانية وشركاتها التابعة، وفقًا لوزارة الخزانة الأميركية.

إعلان

كما فرضت الوزارة عقوبات على بنك غافامين لدعمه المالي والمادي قوات إنفاذ القانون الإيرانية، وبنك سيباه على تقديمه دعمًا لوجستيًا لوزارة الدفاع الإيرانية.

وشملت العقوبات أيضًا بنك الصناعة والتعدين وبنك بوست، بسبب تقديمهما خدمات مالية لبنك سيباه، بما فيها تحويلات مالية كبيرة من الريال الإيراني إلى اليورو.

وتؤكد الوزارة، أن هذه الإجراءات تأتي ضمن جهود الولايات المتحدة للحد من قدرة إيران على تطوير سلاح نووي وصواريخ بالستية، فضلًا عن ردع الأنشطة التي وصفها المسؤولون الأميركيون بـ"الخبيثة" في المنطقة.

وفي هذا السياق، صرح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، أن "النظام الإيراني لا يزال يركز على استغلال عائداته النفطية لتمويل تطوير برنامجه النووي وإنتاج الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة، إلى جانب دعم الجماعات الإرهابية الإقليمية التابعة له".

وأضاف، أن بلاده ملتزمة باستهداف أي محاولة من جانب إيران لتأمين التمويل لهذه الأنشطة الخبيثة.

بيسنت: النظام الإيراني لا يزال يركز على استغلال عائداته النفطية لتمويل تطوير برنامجه النووي  (رويترز) التفاف أم تكيف مع العقوبات؟

تحاول إيران باستمرار تطوير أساليب جديدة للالتفاف على العقوبات الأميركية، من خلال التهريب، واستخدام ناقلات "شبحية" لا يمكن تعقبها بسهولة.

ورغم الجهود المبذولة لكشف هذه العمليات، إلا أن طهران تمكنت من بيع جزء من نفطها في السوق السوداء، وأقرّ مسؤولون إيرانيون بوجود أساليب غير تقليدية للتغلب على العقوبات الأميركية.

واعتمدت طهران على عدة إستراتيجيات للالتفاف على العقوبات، أبرزها:

تهريب النفط في ناقلات شبحية:

كشف تقرير لوكالة رويترز في فبراير/شباط الماضي، أن إيران تستخدم ناقلات نفط تُعرف بـ"الناقلات الشبحية" في عمليات التهريب لتفادي العقوبات الدولية. هذه الناقلات لا ترفع أعلامًا واضحة، وتغير هويتها دوريا، بما فيها أسماء السفن وأرقام التعريف البحرية، بهدف التهرب من أنظمة التتبع والرصد.

إعلان

وتعتمد بعض هذه السفن أيضًا على التحايل باستخدام أعلام دول أخرى، أو بنقل شحنات النفط إلى سفن أخرى في المياه الدولية، ما يزيد من صعوبة تعقب المصدر الحقيقي للنفط.

استخدام العملات المشفرة:

اتجهت إيران إلى استخدام العملات المشفرة لتجاوز القيود على التحويلات البنكية، إذ يؤكد خبراء، أن العملات المشفرة ساعدت في تحويل الأموال بين إيران ودول مثل الصين وروسيا، بعيدًا عن النظام المصرفي العالمي المراقب.

وفي فبراير/شباط الماضي، أفادت وكالة رويترز، أن الريال الإيراني تراجع إلى مستويات قياسية مقابل الدولار الأميركي، مما دفع الإيرانيين إلى اللجوء لشراء العملات الأجنبية والذهب والعملات المشفرة لحماية مدخراتهم. ويُعتقد أن هذا التوجه يمثل وسيلة للتحايل على العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد.

وأضافت الوكالة، أن إيران قامت في 9 أغسطس/آب 2022 بأول طلب استيراد رسمي باستخدام العملات المشفرة، وهو خطوة قد تساعدها على تجاوز العقوبات.

ووفقًا لتحليلات رويترز، فإن إيران تستحوذ على نحو 4.5% من عمليات تعدين البيتكوين العالمية، مما يسمح لها بجني مئات الملايين من الدولارات من العملات المشفرة، والتي يمكن استخدامها لشراء الواردات وتخفيف تأثير العقوبات.

إيران تستحوذ على نحو 4.5% من عمليات تعدين البيتكوين العالمية (غيتي) تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين وروسيا:

عملت إيران على تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الصين وروسيا، اللتين لم تلتزما بشكل كامل بالعقوبات الأميركية. ومع ذلك، لم تتمكن إيران من تعويض السوق الغربية كاملا، حيث لا يزال النفط الإيراني يواجه قيودًا في الوصول إلى أسواق رئيسية.

وفقًا لوكالة بلومبيرغ، استأنفت بعض المحطات الخاصة في موانئ الصين استقبال شحنات النفط من إيران وروسيا، مما ساعد على تجاوز العقوبات النفطية.

كما أشارت الوكالة في تقريرها الذي نشرته في فبراير/شباط الماضي إلى أن مدينة دونغ ينغ في مقاطعة شاندونغ أصبحت واحدة من الموانئ الرئيسية لاستقبال شحنات النفط من إيران وروسيا.

جناح شركة تبريز لتكرير النفط الإيراني في معرض الصين الدولي للواردات في شنغهاي (غيتي)

ومع ذلك، تراجعت صادرات النفط الإيرانية من 2.7 مليون برميل يوميًا إلى أقل من 500 ألف برميل بفعل العقوبات الأميركية، لكن إيران نجحت في تجاوز هذه القيود بأساليب مثل "الناقلات الشبحية"، وفقًا لمعهد واشنطن للدراسات.

إعلان

وتظهر تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، أن إيران حققت صادرات نفطية بقيمة 53 مليار دولار في 2023 مقارنة بـ54 مليار دولار في 2022، بينما بلغ إنتاجها في 2024 أعلى مستوياته منذ 2018.

وفي هذا السياق، أعلنت شركة "تانكر تراكرز" المتخصصة في تتبع الشحنات البحرية، أن صادرات النفط الإيراني التي شهدت تباطؤًا في النصف الأول من ديسمبر/كانون الثاني 2024، قد شهدت زيادة كبيرة بعد ذلك، مما يعكس فاعلية الأساليب التي اتبعتها إيران في تجاوز العقوبات.

ومع ذلك، كان لهذه الإجراءات تبعات اقتصادية قاسية، حيث انهارت قيمة الريال الإيراني إلى مليون و39 ألف ريال مقابل الدولار في مارس/آذار 2025، وارتفع التضخم إلى 236.3% في أبريل/نيسان 2024.

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي العراقي واثق الجابري، أن "إيران جعلت من إستراتيجيات الالتفاف على العقوبات أكثر إبداعا".

الريال الإيراني انهارت قيمته إلى مليون و39 ألف ريال مقابل الدولار في مارس/آذار 2025 (رويترز) تداعيات العقوبات على العراق

على الطرف المقابل، وجدت الحكومة العراقية نفسها في موقف حساس للغاية في ظل العقوبات الأميركية المفروضة على إيران. فمن جهة، تعتمد بغداد اعتمادا كبيرا على طهران في إمدادات الغاز والكهرباء والتجارة الحدودية، ومن جهة أخرى، تواجه ضغوطًا أميركية كبيرة تدعوها إلى تقليص هذا التعاون.

ومنذ عام 2017، أصبح استيراد الغاز الإيراني جزءًا أساسيًا من تأمين إمدادات الطاقة في العراق، وفي مارس/آذار 2025، وقع العراق اتفاقًا جديدًا مع إيران لاستيراد 50 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا لمدة 5 سنوات.

ومع وصول إدارة ترامب إلى السلطة، أصبح الوضع أكثر تعقيدًا، حيث أضافت العقوبات الأميركية تحديات جديدة للعراق في كيفية التعامل مع إيران، خاصة في مجال الطاقة، فقد تسببت هذه العقوبات في انقطاع الغاز الإيراني بشكل متكرر، مما أثر تأثيرا كبيرا على إنتاج الكهرباء في العراق، وهدد بتفاقم الأزمة في الصيف المقبل.

وفي هذا الصدد، تجد بغداد نفسها في مواجهة صعوبة حقيقية في الحفاظ على توازن علاقاتها مع طهران وسط هذه الضغوط الدولية، وأكدت التزامها بتطبيق العقوبات، ونفت أي صلة رسمية لها بمحاولات إيران تجاوزها.

إعلان

وبينما تراقب الولايات المتحدة هذه العمليات، فإنها تحذر من فرض عقوبات على أي طرف يتعاون مع إيران في هذا المجال، مما يزيد من تعقيد الموقف بالنسبة للعراق.

ويوضح الباحث في الشؤون السياسية والإستراتيجية، زياد العرار، أن العراق يتأثر تأثرا كبيرا بالعقوبات الأميركية على إيران، لا سيما في قطاع الطاقة، ولم تتمكن بغداد من إيجاد بدائل فعالة للطاقة الإيرانية، مما قد يؤدي إلى أزمة في الصيف المقبل نتيجة نقص إمدادات الغاز.

وأضاف العرار، في حديثه للجزيرة نت، أن "العقوبات الأميركية أضعفت نفوذ إيران في لبنان وسوريا، لكن في العراق، لا يزال النفوذ الإيراني قويًا بفضل العلاقات الوثيقة التي تربط إيران بعدد من الشخصيات المؤثرة في السلطة العراقية. وبذلك، فإن العراق لا يزال في قلب الصراع الأميركي الإيراني".

في ضوء ما سبق، تظهر العقوبات الأميركية على إيران كأداة رئيسية للضغط على طهران ومع مرور الوقت، أصبح تأثيرها عابرا للحدود، وخاصة إلى العراق.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات فی فبرایر شباط الماضی العقوبات الأمیرکیة الولایات المتحدة الریال الإیرانی العملات المشفرة النفط الإیرانیة النفط الإیرانی هذه الإجراءات فی هذا السیاق على العقوبات عقوبات على على طهران فی العراق على إیران مع إیران وفی هذا لا یزال

إقرأ أيضاً:

أبوبكر الديب يكتب: إيران بين رهان "المفاجأة الكبرى" وثمن "المكابرة الاستراتيجية"

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

تقف إيران اليوم أمام مفترق طرق قد يكون الأخطر منذ قيام الجمهورية الإسلامية فإما أن تكون القيادة الإيرانية بصدد انتهاج سياسة استنزاف الزمن وكسب الوقت بانتظار مفاجأة استراتيجية كبرى تعيد رسم قواعد الاشتباك وتفرض معادلات جديدة على الولايات المتحدة وإسرائيل والمجتمع الدولي وربما يكون الرهان على امتلاك قدرة نووية عسكرية أو الاقتراب منها إلى الحد الذي يجعل أي مواجهة مباشرة مكلفة للجميع وإما أن تكون طهران قد دخلت بالفعل في دائرة المكابرة الاستراتيجية التي تدفعها إلى الاستمرار في تحدي الضغوط الدولية مهما بلغت كلفتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وهو خيار قد يقود إلى إنهاك الدولة من الداخل قبل أن يحقق أي تحول حقيقي في ميزان القوى الخارجي وبين هذين الاحتمالين تقف إيران وهي تواجه حقيقة لا يمكن تجاهلها وهي أن الاقتصاد أصبح ساحة الحرب الأكثر قسوة وأن الخسائر التي تتكبدها لا تقل خطورة عن الخسائر العسكرية لأنها تضرب قدرة الدولة على الاستمرار وتمويل سياساتها الإقليمية والمحافظة على تماسكها الداخلي.
لقد دخلت إيران الحرب وهي تعاني أصلا من اقتصاد مثقل بالعقوبات وتضخم مرتفع وعملة منهارة واستثمارات أجنبية شبه غائبة وبنية تحتية تحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات لإعادة التأهيل ولذلك فإن أي مواجهة عسكرية لم تكن سوى عامل تسريع لانهيار كان يتشكل تدريجيا منذ سنوات.. وتشير أحدث التقديرات الاقتصادية إلى أن الناتج المحلي الإيراني انكمش بصورة ملحوظة بينما توقع البنك الدولي تراجعا يقترب من 3 %  خلال السنة المالية الأخيرة في ظل استمرار العقوبات وتراجع الإنتاج وتعطل النشاط الاقتصادي كما استمرت معدلات التضخم فوق 40 % مع ارتفاع أسعار الغذاء والسلع الأساسية إلى مستويات أضعفت القوة الشرائية للمواطن الإيراني بصورة غير مسبوقة وأصبح الريال الإيراني يفقد قيمته بوتيرة متسارعة حتى تجاوز سعر الدولار في السوق الموازية أكثر من مليون و300 الف ريال في بعض الفترات وهو ما أدى إلى موجة جديدة من هروب رؤوس الأموال وتآكل المدخرات واتساع دائرة الفقر.
ولم تكن الحرب مجرد عامل نفسي أثر في الأسواق بل تحولت إلى نزيف مالي مباشر فقد تعرضت منشآت عسكرية وصناعية ونفطية ومراكز اتصالات وبنى تحتية حيوية لضربات ألحقت بها أضرارا بمليارات الدولارات واضطرت الحكومة إلى تخصيص موارد إضافية لإعادة الإعمار والصيانة بدلا من توجيهها إلى الاستثمار والتنمية كما تسببت الضربات في تعطيل أجزاء من سلاسل الإمداد الداخلية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين وانخفاض الإنتاج الصناعي في عدد من القطاعات الحيوية وهو ما انعكس مباشرة على معدلات التشغيل والدخل والإيرادات الضريبية.
أما القطاع النفطي الذي يمثل المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية فقد تلقى ضربة قاسية خلال المواجهات إذ هبطت الصادرات النفطية في ذروة الحرب من نحو مليون و700 ألف برميل يوميا إلى ما يقارب 100000 برميل فقط نتيجة المخاطر الأمنية وصعوبة حركة الناقلات وتعطل بعض المنشآت وهو ما يعني فقدان مئات الملايين من الدولارات يوميا من الإيرادات كما قدرت الخسائر المباشرة في عائدات النفط خلال فترة الحرب القصيرة بما تجاوز مليار دولار بينما كان الأثر الحقيقي أكبر بكثير بسبب العقوبات اللاحقة وتشديد الرقابة على عمليات التهريب والتصدير غير الرسمي واستمرار عزوف المستثمرين عن قطاع الطاقة الإيراني.
وإذا كانت خسائر النفط ضخمة فإن فاتورة الإنفاق العسكري بدورها كانت هائلة إذ إن إطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة يتطلب مخزونا صناعيا معقدا وتكاليف إنتاج ونقل وتشغيل مرتفعة وتقدر قيمة الذخائر المستخدمة خلال المواجهات بعدة مليارات من الدولارات فضلا عن خسارة معدات ومنظومات دفاعية ومواقع عسكرية احتاج بناؤها سنوات طويلة واستثمارات ضخمة وبذلك وجدت إيران نفسها تدفع ثمن الحرب مرتين مرة عبر خسارة الإيرادات ومرة عبر الإنفاق العسكري المتزايد لإدامة المواجهة وتعويض الخسائر.
كما تعرض الاقتصاد الرقمي الإيراني لضربة غير مسبوقة عندما فرضت السلطات قيودا واسعة على الإنترنت والاتصالات بدعوى حماية الأمن القومي وهو ما أدى إلى توقف آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية وخسارة مئات الملايين من الدولارات خلال أيام قليلة إضافة إلى تعطل التحويلات المالية وأعمال البرمجيات والخدمات التقنية التي كانت تمثل أحد القطاعات القليلة القادرة على النمو رغم العقوبات وأدى ذلك إلى زيادة البطالة بين الشباب وهجرة المزيد من الكفاءات التقنية إلى الخارج.
ولم تقتصر آثار الحرب على المؤشرات الاقتصادية المباشرة بل امتدت إلى ثقة المستثمرين التي تعد العنصر الأهم في أي اقتصاد إذ أصبحت إيران بيئة مرتفعة المخاطر يصعب على الشركات الأجنبية ضخ استثمارات جديدة فيها كما فضلت شركات كثيرة تأجيل مشاريعها أو الانسحاب الكامل خشية العقوبات أو التصعيد العسكري ومع تراجع الاستثمار تتراجع فرص العمل ويضعف الإنتاج ويزداد الضغط على الموازنة العامة التي تعاني أصلا من عجز مزمن.
وتواجه الحكومة الإيرانية أيضا أزمة تمويل متفاقمة فالعقوبات تحد من قدرتها على الاقتراض الخارجي بينما تؤدي طباعة المزيد من العملة لتمويل الإنفاق إلى تغذية التضخم بصورة أكبر ولذلك أصبحت الدولة عالقة بين خيارين كلاهما مكلف إما تقليص الإنفاق بما يحمله من مخاطر اجتماعية وسياسية أو الاستمرار في التوسع النقدي بما يقود إلى مزيد من انهيار العملة وارتفاع الأسعار وفي الحالتين يدفع المواطن الإيراني الثمن الأكبر عبر تراجع مستوى المعيشة واتساع رقعة الفقر.
وتشير تقديرات اقتصادية حديثة إلى أن نسبة كبيرة من الإيرانيين أصبحت تعيش تحت خط الفقر بدرجات متفاوتة بينما ارتفعت معدلات سوء التغذية في بعض المناطق وتراجعت القدرة على شراء السلع الأساسية وأصبحت الطبقة الوسطى التي كانت تمثل عنصر الاستقرار الاجتماعي الأكثر تضررا بفعل التضخم وانخفاض قيمة الأجور وتآكل المدخرات وهو ما انعكس في تزايد الاحتجاجات والإضرابات والضغوط الشعبية على الحكومة.
ومن زاوية أخرى فإن استمرار التوتر الإقليمي ألحق أضرارا كبيرة بدول الجوار وأسواق الطاقة والتجارة البحرية لكنه في الوقت نفسه لم يمنح إيران مكاسب استراتيجية تعادل حجم الخسائر التي تكبدتها فبدلا من كسر العزلة الدولية واجهت طهران مزيدا من العقوبات والضغوط وتشديد الرقابة على صادراتها النفطية وتحركاتها المالية كما ازدادت تكلفة التأمين على السفن المرتبطة بها وارتفعت كلفة التجارة الخارجية بصورة أضعفت القدرة التنافسية للاقتصاد الإيراني.
ورغم أن القيادة الإيرانية تراهن على عامل الوقت وعلى تغير مواقف القوى الكبرى أو تبدل الإدارات السياسية فإن الاقتصاد لا يتحمل الانتظار إلى ما لا نهاية فكل شهر إضافي من العقوبات والتوتر يعني مزيدا من تآكل الاحتياطيات وتراجع الاستثمار وارتفاع الدين الداخلي وانخفاض القدرة الإنتاجية وهو ما يجعل استعادة النمو لاحقا أكثر صعوبة حتى لو رُفعت العقوبات في المستقبل.
ويبقى السؤال الأهم هل تمتلك إيران بالفعل مفاجأة استراتيجية تستحق كل هذه الكلفة أم أن ما يحدث ليس سوى إطالة لأمد أزمة تزداد تعقيدا يوما بعد يوم فإذا كانت هناك بالفعل ورقة قادرة على تغيير موازين القوى فإن القيادة الإيرانية قد ترى أن تحمل الخسائر الحالية يمثل ثمنا مؤقتا لتحقيق هدف تاريخي أما إذا لم تكن تلك الورقة موجودة فإن الاستمرار في سياسة التحدي سيعني استنزافا اقتصاديا مفتوحا قد يستغرق سنوات ويقود إلى إضعاف الدولة من الداخل بصورة يصعب تعويضها.
إن التجارب التاريخية تثبت أن الدول تستطيع تحمل الحروب عندما تمتلك اقتصادا قويا ومجتمعا متماسكا وتحالفات واسعة أما عندما تدخل الحرب وهي تعاني تضخما مرتفعا وعملة منهارة واستثمارات هاربة وعقوبات خانقة فإن كلفة الصمود تصبح أكبر بكثير من كلفة المواجهة العسكرية نفسها وهذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه إيران اليوم إذ إن معركتها لم تعد تقتصر على الصواريخ والطائرات المسيّرة بل أصبحت معركة للحفاظ على اقتصاد قادر على البقاء وعلى مجتمع يستطيع تحمل أعباء الصراع وعلى دولة قادرة على تمويل سياساتها دون أن تنهار مواردها المالية ومع مرور الوقت قد يتضح أن الخطر الأكبر على إيران لا يتمثل في الضربات العسكرية وحدها بل في التآكل الاقتصادي البطيء الذي يستنزف قدراتها عاما بعد عام ويجعل أي انتصار سياسي محتمل فاقدا لقيمته إذا جاء فوق اقتصاد منهك وشعب يدفع وحده فاتورة المكابرة الاستراتيجية.

مقالات مشابهة

  • إندونيسيا تدين الهجمات على ناقلات النفط في البحر الأحمر
  • ناقلة واحدة فقط.. تراجع عدد ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز
  • أبوبكر الديب يكتب: إيران بين رهان "المفاجأة الكبرى" وثمن "المكابرة الاستراتيجية"
  • 673 سفينة و94 بنكا تحت العقوبات.. الاتحاد الأوروبي يصعد ضغوطه على روسيا
  • محلل سياسي: حالة من التشرذم داخل النظام الإيراني
  • إيران: 55 قتيلاً و629 مصاباً في الهجمات الأميركية منذ 27 حزيران
  • حالة من القلق في واشنطن إزاء الهجمات الحوثية على ناقلات نفط سعودية
  • أمريكا تتوعد إيران والحوثيين بعد ضرب ناقلات النفط
  • بريطانيا تندد بهجمات الحوثيين على ناقلات النفط وتصفها بأنها "انتهاك خطير"
  • الحصار بالحصار.. استهداف ناقلات النفط السعودية يؤكد سقوط رهان العدوان على إخضاع اليمن