تمثّل مقولة الفيلسوف والمفكر السوداني أبو القاسم حاج حمد: "النخب السودانية جاءت إلى السلطة بعد خروج الإنجليزية منهكة"، مدخلًا نقديًا لفهم أزمة الدولة الوطنية في السودان بعد الاستقلال. فهي لا تكتفي بتوصيف الحدث السياسي، بل تُسائل البنية المعرفية التي بُنيت عليها هذه الدولة، وتحفر عميقًا في تشريح النخبة السودانية وعلاقتها بالإرث الاستعماري.

ويمكن تعزيز هذا الطرح باستدعاء مفهوم "الشيطان المعرفي" لفهم كيف أنتجت هذه النخب وعيًا مضلِّلًا، أعاق تشكل مشروع وطني تحرري حقيقي.
أولًا: السياق التاريخي للانتقال المهزوز خرجت بريطانيا من الحرب العالمية الثانية مُنهكة، فبدأت بمنح الاستقلالات الشكلية لمستعمراتها، ومن بينها السودان. كانت اتفاقية 1953 بين مصر وبريطانيا لتقرير مصير السودان لحظة مفصلية، حيث تم إعداد المسرح لانتقال السلطة إلى نخب محلية، لكنها نخب تشكلت في حضن المستعمر وتبنت أدواته.
هذا الاستقلال لم يكن ثمرة ثورة شعبية أو مقاومة منظمة، بل نتيجة لتسوية دولية، جعلت من لحظة الاستقلال استمرارًا ناعمًا للهيمنة الاستعمارية.
ثانيًا: النخبة السودانية كوارثة معرفية للاستعمار غالبية النخب السودانية آنذاك كانت من خريجي المؤسسات التعليمية التي أنشأها الإنجليز، ككلية غوردون التذكارية، وتولوا مناصب بيروقراطية ضمن جهاز الدولة الاستعمارية. وعند تسلمهم مقاليد السلطة، لم يُحدثوا قطيعة معرفية أو بنيوية مع تلك المنظومة، بل حافظوا عليها واستنسخوها.
في هذا السياق، يمكن الحديث عن "الشيطان المعرفي" بوصفه التشوه أو الخداع المعرفي الذي جعل النخبة تتوهم أنها تقود مشروع استقلال، بينما كانت في الحقيقة تعيد إنتاج السيطرة ولكن بأدوات محلية.
ثالثًا: الاستلاب بين تقليد الحداثة والانكفاء على الماضي وقع السودان في فخ استقطاب مزدوج:
• نخبة تبنت الحداثة الغربية شكلًا لا مضمونًا.
• ونخبة أخرى انكفأت إلى الطائفية والجهوية والماضوية.
كلا المسارين لم يُنتج مشروعًا وطنيًا عقلانيًا جامعًا، بل عززا من التجزئة الاجتماعية والسياسية. كانت النتيجة دولة مركزية عاجزة عن الاستيعاب، وهامش يغلي بالغضب.
رابعًا: الميراث الاستعماري في البيروقراطية والسيادة استمرت البيروقراطية البريطانية المركزية كما هي، دون تفكيك أو إصلاح، فأصبحت الدولة السودانية بعد الاستقلال جسدًا استعمارياً بروح وطنية مزعومة. وهو ما يفسر لماذا استمر التهميش الجغرافي، والتمييز العرقي، والاقتصاد الاستخراجي (مثل مشروع الجزيرة)، بدون مراجعة بنيوية.
خامسًا: أزمة الشرعية والصراع على الغنيمة بغياب شرعية تحررية حقيقية، تحولت السلطة إلى غنيمة، وجرى تقسيمها على أسس طائفية وجهوية. لم تكن هناك برامج وطنية، بل تحالفات قائمة على الولاءات الضيقة، مما مهّد لهيمنة المؤسسة العسكرية، وصعود الحركات المسلحة كردّ فعل على التهميش.
سادسًا: حاج حمد والنقد الجذري للحداثة الوهمية يرى أبو القاسم حاج حمد أن الحداثة التي تبنتها النخب لم تكن حداثة حقيقية، بل قشرة سطحية؛ تقليد للغرب دون امتلاك لروح الحداثة القائمة على العقلانية والعدالة والمعرفة الحرة. فكانت النتيجة استنساخ الدولة الاستعمارية بشعارات وطنية.
سابعًا: شيطان المعرفة... حين تُضلَّل النخب ذاتها "الشيطان المعرفي" هنا لا يعني فقط الجهل، بل هو وعي زائف يتلبّس النخبة ويجعلها تعيد إنتاج القهر باسم الاستقلال. فالدولة لم تكن عقلًا جماعيًا بل جهازًا تكنوقراطيًا بلا روح، والنخبة لم تكن طليعة للتغيير بل ظلًّا للنظام الذي خلَّفه المستعمر.
ثامنًا: هل ما زال هذا التشخيص صالحًا؟ نعم، فالحرب الحالية (بين الجيش والدعم السريع) ليست سوى نتاج مباشر لتاريخ النخب المعطوبة معرفيًا:
• المؤسسة العسكرية تمثل الامتداد الطبيعي لتقاليد السلطة الاستعمارية.
• قوات الدعم السريع تمثل الردّ المتأخر للهامش على منطق الإقصاء.
• التدخلات الخارجية ما كانت لتتعمق لولا غياب المشروع الوطني المستقل.
ما العمل؟ لا يكفي تغيير الوجوه أو استبدال النخب القديمة بأخرى جديدة من ذات المنظومة. المطلوب هو تفكيك الشيطان المعرفي الذي يسكن بنية التفكير السياسي والاجتماعي.
إن إعادة تأسيس الدولة السودانية ينبغي أن تنطلق من:
• عدالة جغرافية تُنهي التمركز حول الخرطوم.
• اقتصاد إنتاجي يحرر البلاد من التبعية.
• عقد اجتماعي يعترف بالتنوع ويوحد على أساس المواطنة.
كما قال حاج حمد: "المشكلة ليست في من يحكم، بل في طبيعة النظام الذي يَحكُم". ولكننا نضيف: "ولا في طبيعة النظام فقط، بل في المعرفة التي يُنتج بها النظام نفسه".

zuhair.osman@aol.com  

المصدر

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: مشروع ا لم تکن

إقرأ أيضاً:

هل يصمد الطرب زمن الخوارزميات؟ قراءة في تجربة لطفي بوشناق

لا شكّ في أنّ المنصّات الرقمية والخوارزميات تعيد تشكيل علاقة الجمهور بالموسيقى وتحديدا الطرب، خاصّة وأنّها قد غيّرت معايير الانتشار في ظلّ هيمنة الثّقافة الاستهلاكيّة وظهور أنماط موسيقيّة أخرى أكثر انسجاما مع منطق المنصّات و"التّرند".

ولكن هذا التحوّل لا يعني بالضّرورة أنّ الأغنية الطّربيّة قد فقدت قدرتها على استقطاب الجمهور. فيوجد دائما التّجارب الاستثناء التي يمكن أن تكون مرجعا في صمود الطرب والمحافظة على مكانته وفي مقدّمتها تجربة الفنان التونسي لطفي بوشناق: أحد أبرز الأصوات التي ارتبطت بالذاكرة الغنائية العربيّة. وهي تجربة جديرة بالتأمّل لنفهم كيف يمكن للفنّان المحافظة على مكانته وجماهيريته في عصر تعيد فيه الخوارزميات تشكيل الذائقة الموسيقية وتفرض معايير جديدة للانتشار؟

اللاّمرئي في تجربة لطفي بوشناق

لا يُختزل شغف لطفي بوشناق بالموسيقى في حضوره الآسر على المسرح، حيث يمسرح الكلمة ويمنحها بعدا دراميا يجعل الأغنية تبدو وكأنها قضيته الشخصية بل يتجلّى أيضا في ذلك الفضاء الخفيّ الذي تتشكّل فيه أعماله قبل أن تصل إلى الجمهور. في خلوته الإبداعية، حيث ترافقه آلاته الموسيقية ونوتاته ومسودات أغان جديدة وتسجيلات لأعمال لم ترَ النور بعد. هناك نرى صورة أخرى للفنان. وهناك أدركنا أنّنا لا نزور مكتب موسيقي فحسب بل أرشيفا حيّا لتجربة امتدت أكثر من أربعة عقود. في كل زاوية تتراكم الكؤوس والدروع والشهادات والجوائز، حتى يخال الزائر أنه في متحف صغير. غير أنّ أكثر ما يلفت الانتباه ليس هذا الرصيد من التكريمات، وإنما ذلك العدد الكبير من الأغاني المسجّلة والمصوّرة التي بقيت حبيسة الأدراج، رغم اكتمالها الفني.

استطاع بوشناق أن يزاوج بين المقامات العربية التقليدية والإنشاد الصوفي والموشحات وبعض التوزيعات الموسيقية الحديثة في أسلوب لا يشعر معه المستمع بأي تعارض بين الأصالة والتجديد بل يلمس انسجاما يجعل الحداثة امتدادا للتراث لا قطيعة معه.لا يعود ذلك إلى تراجع في الإنتاج أو فتور في الإبداع، بل إلى اختلالات في منظومة الإنتاج والتوزيع والبث وإلى خيارات إعلامية انحازت منذ سنوات إلى أنماط موسيقية أكثر انسجاما مع منطق السوق والمنصات على حساب الأغنية الطربية. ومع ذلك، كان بوشناق يتحدث عن كل مشروع جديد بالحماسة نفسها التي يتحدث بها فنان في بداية الطريق، لا صاحب تجربة تجاوزت أربعين عاما.

وربما يكمن هنا أحد أسرار استمرارية هذه التجربة: فالعلاقة التي تربط بوشناق بالموسيقى ليست علاقة مهنة بفن، وإنما علاقة وجودية تجعل الغناء جزءا من إيقاع حياته اليومية لا مجرّد منتج يقدّمه إلى الجمهور. لذلك يبدو شغفه متجدّدا، غير خاضع لحسابات السوق أو لمنطق الانتشار السّريع وهو ما يفسّر، في المقابل، ذلك الوفاء النادر الذي يحظى به من جمهوره. فالفن الذي يمارس بالشغف له قدرة لا حدّ لها على بناء علاقة طويلة الأمد مع المتلقّي حتى في زمن تتبدّل فيه الأذواق بسرعة وتعيد فيه المنصات الرقمية رسم خرائط النجاح والانتشار.

الكلمة قضيّة..!

لم يتعامل لطفي بوشناق مع الأغنية بوصفها "سلعة" تخضع لمنطق السوق، بل بوصفها رسالة فنية وإنسانية تقوم على التّكامل بين الكلمة واللحن والأداء. لذلك يصعب أن نعثر في رصيده على أعمال تقوم على عبارات مستهلكة أو كلمات أُنتجت فقط لإرضاء ذائقة عابرة أو لمجاراة ما تفرضه الخوارزميات. ولعلّ هذا ما يفسّر استمرار تداول أغانيه عبر الأجيال، في الوقت الذي تختفي فيه عشرات الأغنيات حققت ملايين المشاهدات وذلك بمجرد انتهاء موجة "الترند". فتستطيع الخوارزميّة نشر أغنية لكنّها لا تستطيع أن تضمن لها مكانا في الذاكرة. وتستطيع نسب المشاهدات ان تفرضها على المتلقي ولكنها لا تستطيع أن تضفي عليها قيمة تخلّدها.

ولذلك ظلّ بوشناق حريصا على التعاون مع شعراء هم بدورهم أصحاب مشاريع فنية ثقافيّة من بينهم آدم فتحي وصلاح الدين بوزيان وفيصل الشريف وغيرهم في دلالة على أنّ بحثه كان دائما عن الكلمو قبل البحث عن الأغنية. ولنتأمّل مثلا أغنية "أنا المواطن"، من كلمات آدم فتحي، التي يقول فيها:" فأنا مواطن ينام جائعًا حتى يطعم الوطن.. أنا المواطن المنسي في الدفاتر، المقتول في المقابر."لقد تحوّلت هذه الكلمات إلى شهادة فنية على مرحلة كاملة من التاريخ التونسي، حتى إنّ بوشناق لم يتمالك نفسه أثناء أدائها في إحدى الحفلات وبكي وأبكى معه الجمهور. لتتحوّل لحظة الغناء إلى لحظة وجدانية جماعية امتزج فيها صوت الفنان بمشاعر الجمهور. فأصبحت الأغنية ذاكرة مشتركة تعبّر عن وجدان الناس.

وحتى في أغاني الحب، لا ينفصل الغزل عند بوشناق عن الانتماء. ففي أعمال مثل "إنت شمسي إنت" و"ريتك ما نعرف وين" تمتزج صورة المرأة بصورة الوطن ويصبح الحنين إلى الحبيبة امتدادا للحنين إلى الأرض. فلا يقدر المستمع لها الفصل بين الحب الفردي والانتماء الجمعي وكأنّ الوطن هو الشرط الأول لاكتمال تجربة الحب ذاتها.

والمثير للانتباه أنّ هذا الحرص على اختيار الكلمة المعبّرة الحاملة لمعنى لا يغيب حتى في الأغنية الشعبية كما في كلمات أغنيته:"كيف شبحت خيالك... لا وسع لا بالك... قلبي نقز مالضلوع مشالك."إنها لغة بسيطة لكنها مشحونة بصورة شعرية تمنحها قدرة على النفاذ إلى ذاكرة المستمع.

أسهم بوشناق بنفسه في تلحين جزء مهم من أعماله كما انفتح على تجارب موسيقية عربية مختلفة من خلال تعاونه مع أسماء بارزة مثل أنور إبراهيم في أغنية "ريتك ما نعرف وين" وسيد مكاوي وفتح الله أحمد من العراق وأحمد فتحي من اليمن بما يعكس إيمانه بأن التجديد يتحقّق بالحوار مع تجارب موسيقية متعدّدة.ويمتد هذا الاختيار الواعي للكلمة إلى القضايا القومية والإنسانية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي حضرت في أعمال مثل "وأمّتاه" من كلمات الشاعر الليبي فيصل الشريف، و"نشيد القدس" و"سهول فلسطين" و"من تونس للقدس" و"خليك صامد يا فلسطيني" فالفنان هنا لا يكتفي بالتعبير عن مشاعره الشخصية، بل يجعل من الأغنية خطابا يتجاوز الذات ليعبّر عن همّ جماعي وهو ما يمنح العمل قابلية للاستمرار خارج زمن إنتاجه.يصنع التّرند شهرة مؤقتة، أما المعنى فيصنع ذاكرة.

اللّحن جزء من هويّة فنيّة

إذا كانت الكلمة هي الحامل الأوّل للمعنى في تجربة لطفي بوشناق، فإن اللّحن هو الوسيط الذي يفعّل ذلك المعنى. وقد أسهم بوشناق بنفسه في تلحين جزء مهم من أعماله كما انفتح على تجارب موسيقية عربية مختلفة من خلال تعاونه مع أسماء بارزة مثل أنور إبراهيم في أغنية "ريتك ما نعرف وين" وسيد مكاوي وفتح الله أحمد من العراق وأحمد فتحي من اليمن بما يعكس إيمانه بأن التجديد يتحقّق بالحوار مع تجارب موسيقية متعدّدة. وتنوّع الملحنين هو جزء من مشروع موسيقي يقوم على تطوير اللغة اللحنية دون التفريط في الهوية الطربية.

ولذلك استطاع بوشناق أن يزاوج بين المقامات العربية التقليدية والإنشاد الصوفي والموشحات وبعض التوزيعات الموسيقية الحديثة في أسلوب لا يشعر معه المستمع بأي تعارض بين الأصالة والتجديد بل يلمس انسجاما يجعل الحداثة امتدادا للتراث لا قطيعة معه.

يتبيّن من خلال  تجربة لطفي بوشناق أنّ ما يصمد ليس ما نجحت الخوارزمية في الترويج له، بل ما نجح في أن يصبح جزءا من الوجدان الجمعي.فلهذا السبب لا يزال بوشناق، بعد أكثر من أربعة عقود، قادرا على ملء المسارح واستقطاب أجيال لم تعاصر بداياته. ففي عصر تتنافس فيه الأغاني على خطف ثوان من انتباه المتلقي يخلد من ينجح في مخاطبة الانسان وليس من يتقن منطق الخوارزمية.

مقالات مشابهة

  • هل يصمد الطرب زمن الخوارزميات؟ قراءة في تجربة لطفي بوشناق
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • مصطفى مزيرق: كلمة السيسي في ذكرى 23 يوليو عكست رؤية واضحة لمستقبل الدولة
  • ترامب: إيران أضعف مما كانت عليه قبل 4 أشهر
  • محمد ثروت: مصر لو فازت بكأس العالم الإحتفالات كانت هتستمر لمدة شهر وهيكون فيه عيد كأس العالم
  • تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • برلماني: كلمة الرئيس السيسي في ذكرى ثورة 23 يوليو تؤكد أن الجمهورية الجديدة امتداد حقيقي لمسيرة الاستقلال والبناء
  • إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب
  • تحرك مفاجئ داخل الجيش الأمريكي يشعل التساؤلات حول دور فرقة النخبة في التصعيد مع إيران