الخرطوم – بدأ اقتصاد السودان يستفيق من صدمة الحرب التي اندلعت قبل عامين، غير أن خبراء ومستثمرين لحق الدمار بمؤسساتهم يرون أن إعادة الإعمار وإنعاش الإنتاج ودورة الحياة الاقتصادية يحتاج رؤية وخطة فاعلة واستقطاب تمويل ضخم لا يتوفر في داخل البلاد.

وحسب صندوق النقد الدولي، بأن الناتج المحلي الإجمالي في السودان انكمش 18% في عام 2023، وتوقع وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم أن يصل الانكماش في الاقتصاد السوداني إلى حوالي 28% بنهاية العام 2024 قبل أن يرتد ليحقق نموًا بنحو 0.

3%، ثم 0.7% في العامين المقبلين.

وانهارت العملة الوطنية في السودان بشكل كبير منذ 15 أبريل/ نيسان 2023، فصار الدولار يُتداول بنحو 2700 جنيه سوداني في السوق الموازي حاليًا، مقارنة بحوالي 600 جنيه سوداني قبل الحرب.

حقائق وأرقام

وحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء في السودان، تراجع معدل التضخم في فبراير/شباط الماضي إلى 142.34% مقارنة مع 145.14% في يناير/ كانون الثاني الماضي.

وانخفضت قيمة كل من الصادرات والواردات خلال العام الماضي، لكنّ مقدار الانخفاض في الوارد كان أكبر بكثير:

تراجعت قيمة الصادرات السودانية إلى 3.13 مليارات دولار في 2024 من 4.35 مليارات دولار في 2022، بانخفاض بنحو 28%. انخفضت قيمة الواردات إلى 4.91 مليارات دولار من 11.09 مليار دولار بتراجع 66%، وفق وزارة التجارة. إعلان

يرى الباحث الاقتصادي إبراهيم صالحين أن الاقتصاد السوداني تأثر سلبيًا بشكل كبير جراء الحرب، الأمر الذي يجعل إصلاحه يتخذ مسارات عدة، أولها إنهاء الحرب بشكل كامل وإعادة الاستقرار السياسي إلى البلاد، وإنعاش القطاع الزراعي.

ويقول صالحين لـ (الجزيرة نت) إن القطاع الزراعي يتمتع بإمكانات وفرص كبيرة تُمكن الاقتصاد من الانتعاش، إلى جانب في الاستثمار في البنية التحتية والخدمات الأساسية، مثل الكهرباء وإمدادات المياه ما يدفع نحو التعافي في العام الثالث لتفجر النزاع.

ورغم الدمار الواسع في الصناعة بولاية الخرطوم التي تستخوذ على أكثر من 80% من الصناعات، عادت بعض المصانع في العمل، إذ استأنفت مطاحن روتانا للغلال نشاطها الشهر الماضي على أن تتبعها مطاحن أخرى بنهاية الشهر الجاري.

مصنع روتانا للغلال باشر الشهر الماضي نشاطه في الخرطوم بعد عامين من الحرب (مواقع التواصل)

من جهته، يقول محمد عبد المنعم صاحب مصنع بالخرطوم بحري دمرته الحرب، إن الحرب أفقرت أصحاب الصناعات بعدما فقدوا الأجهزة والمعدات بالإضافة إلى بنية الصناعة، ويحصل غالبيتهم في تمويل من البنوك ما يتطلب إعادة جدولة ديونهم ومنحهم إعفاءات حتى يعودوا للإنتاج.

وشكك المستثمر في تصريح لـ (الجزيرة نت) في إمكانية عودة من نقلوا استثماراتهم إلى خارج البلاد بسبب حالة عدم اليقين والامتيازات التي صاروا يستفيدون منها، فضلا عن انتقال الحرب إلى غرب البلاد التي عدها مصدرا رئيسيا للحبوب الزيتية والثروة الحيوانية، بالإضافة إلى انهيار البنية التحتية وأزمة الطاقة (الكهرباء) التي تعتمد عليها الصناعة.

رؤية للإعمار

أقرت اللجنة العليا للإعمار التي شكلها مجلس السيادة السوداني رؤية إطارية تستهدف توجيه الطاقات نحو إعادة بناء النسيج الاجتماعي والعمراني بأفضل مما كان قبل الحرب، وتوظيف واقع التدمير لإعادة بناء المؤسسات والأمكنة بجودة معمارية وهندسة اجتماعية واقتصادية.

إعلان

وأوضحت الخطة، التي حصلت الجزيرة نت على نسخة منها، أن تنفيذها سيكون بمشاركة الدولة والمجتمع والقطاع الخاص والمنظمات الإقليمية والدولية، عبر 4 مداخل استراتيجية تشمل الإداري والتشريعي، والسياسي، والعمراني، والاجتماعي.

وحددت الخطة 3 مراحل للإعمار كالتالي:

الأولى: الاستجابة الأولية التي تلي توقف الحرب وتشمل الخدمات الإنسانية الطارئة ودعم الاستقرار وحالة السلام. الثانية: الفترة الانتقالية وتركز على تطوير قدرات المجتمع وإنشاء آليات للإعمار الاقتصادي والسياسي. الثالثة: مرحلة تعزيز الاستدامة بتفعيل خطط إعادة الإعمار وترسيخ كل كوابح عدم العودة للصراع.

وقدّرت الخطة خسائر القطاع الاقتصادي بنحو 108.8 مليار دولار، وحددت مصادر التمويل كالتالي:

فرض ضريبة إعمار على المقتدرين من السودانيين في داخل البلاد وخارجها (المغتربين). خفض الإنفاق الحكومي، وتقديم صيغ التمويل بالصكوك. التمويل الخارجي بالقروض والمنح من الدول والصناديق العربية والأفريقية والاسلامية.

واقترحت الخطة التركيز على القطاعات المؤثرة  والبدء بالقطاع الزراعي الذي يساهم في الناتج المحلي الاجمالي بنسبة 28.9% ثم قطاع الخدمات الذي يساهم بـ 56.7% والصناعي 14.4%، وكان الزراعي أقل تضرراً والأسرع نمواً.

ودعت الرؤية إلى فتح نوافذ للقطاع الخاص والمحلي والأجنبي للمشاركة في إعادة الإعمار وفق صيغ التمويل ونظام البناء والتشغيل ثم إعادة الملكية، وتأسيس صناديق صكوك في السوق العالمية والتوسع في الاستثمار الحلي والأجنبي.

ولتعويض المواطنين والمستثمرين الذين فقدوا منازلهم وممتلكاتهم واستثماراتهم، تقترح الرؤية تأسيس صندوق تعويضات إقليمي وعالمي، وتوفير تمويل ميسر للمتضررين للقطاع الخاص حتى يعود للإنتاج، وإصلاح النظام المصرفي للمساهمة في إنعاش الاقتصاد عبر صيغ تمويل مرنة.

متاعب الخدمات

من جانبه، يقول وزير الصحة السوداني هيثم محمد إبراهيم إن الخسائر في قطاع الصحة فادحة، إذ تبلغ قيمة الأجهزة والمعدات الطبية التي فقدتها المستشفيات العامة والخاصة بالنهب والتدمير بولاية الخرطوم فقط 2.2 مليار دولار.

إعلان

ويقول إبراهيم لـ (الجزيرة نت) إن المؤسسات المعنية استطاعت خلال فترة الحرب استيعاب 13 ألف طبيب، كما سمح مجلس الأدوية والسموم لـ 19 مصنعاً للأدوية طالها التدمير، بالصناعة التعاقدية خارج البلاد وتوريد أدويتهم بذات علاماتها التجارية، مما ساهم في توفر الأدوية.

ووفقاً لوزير الصحة فإن خطة للنهوض بالقطاع تستند إلى الجهود والمبادرات الداخلية، كما تلقت الحكومة تعهدات من السعودية وقطر بدعم الصحة في المرحلة الإسعافية، واستقبلت مدينة بورتسودان خلال الأسبوع الماضي وفودًا فنية من الدولتين، بجانب منظمات دولية تساهم حاليًا في إنعاش القطاع.

بدوره، يقول الخبير الاقتصادي محمد الناير إن القطاع الصناعي أكثر القطاعات تضررًا بنسبة تتجاوز 80% يليه القطاع التجاري، بجانب تدهور سعر صرف الجنيه في مقابل العملات الأجنبية بسبب التأخر في استبدال العملة الوطنية وتفشي التزوير.

وفي حديث لـ (الجزيرة نت) يرى الناير أن الشهور الأخيرة شهدت استقرارا نسبيا في سعر صرف العملة بعد زيادة عائدات تصدير الذهب إلى أكثر من ملياري دولار في 2024، بالإضافة إلى عودة السيولة للجهاز المصرفي والتعامل الإلكتروني في الخدمات ما يدعو للتفاؤل باستقرار اقتصادي في حال انحسرت الحرب.

وتوقع الخبير تراجعًا في البطالة التي تجاوزت 40% قبل الحرب، بعد تحرك عجلة الاقتصاد بإعادة الإعمار وتدفق استثمارات داخلية بعد هجرة مستثمرين للخارج وانتعاش القطاع الخاص مما يساهم في تشغيل الأيدي العاملة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات إعادة الإعمار

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • أسعار النفط تسجل أعلى مستوى لها في أسبوع
  • دراسة تبحث في كيفية إعادة إنتاج المجتمع تحت النار في غزة
  • السجن 10 سنوات لمالك مصحة المريوطية والحبس عامين لـ3 مشرفين في قضية هروب النزلاء
  • سازان..الجزيرة الخفية لـ إيفانكا ترامب
  • جدعون ليفي: هكذا تسير إسرائيل في تنفيذ خطتها لما بعد الحرب على غزة
  • ونيس: نحتاج مشروعاً سياسياً يرفض إعادة إنتاج تجارب الماضي
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • فريق طبي بمستشفى بنها الجامعي ينجح في استخراج قطعة خشبية من وجه مريض وإنقاذ العصب السابع
  • مهارة تُنقذ حياة.. قلب جامعة قناة السويس ينجح في تدخل قسطري بالغ الدقة لإنقاذ مسنة
  • «كونسنتركس مصر» توفر 11 ألف وظيفة جديدة و5 مراكز تشغيل خلال عامين