لجريدة عمان:
2026-07-24@14:49:54 GMT

الاقتصاد الأمريكي معروض للبيع

تاريخ النشر: 16th, April 2025 GMT

لقد وقع «التراجع المفاجئ» الذي سمع صداه العالم بأسره. فبعد أن أصر الرئيس دونالد ترامب على أنه لن يتراجع عن فرض الرسوم الجمركية، ونعَت كل من نصحه بذلك بـ«الضعفاء والحمقى»، فاجأ الجميع وتراجع عن موقفه، موقِفًا العمل برسومه الضخمة لمدة 90 يومًا، باستثناء الصين، ريثما يتفاوض مع الدول الأخرى على اتفاقيات تجارية.

لكن لا يمكن التنبؤ بما قد يحدث. فعلى الرغم من التجميد المؤقت، لا تزال الرسوم الجمركية الأمريكية عند أعلى مستوياتها منذ أكثر من قرن، حسب تقديرات مختبر الميزانية التابع لجامعة ييل، وهو ما سيُكلّف الأمريكيين كثيرًا. والأهم من ذلك، أن هذه المفاوضات التجارية ستؤدي حتمًا إلى موجة من الفساد؛ فالاقتصاد الأمريكي يتحول من كونه السوق الحرة الرائدة في العالم إلى النموذج الأبرز لرأسمالية المحسوبية.

الاقتصاد السوقي يعمل بكفاءة حين تكون القيود عليه قليلة، ولكن الأهم أن تكون هذه القيود واضحة، وعادلة، وتنطبق على الجميع. فكلما زادت تعقيدات الضرائب واللوائح، ازدادت حالات الخلل والبيروقراطية، كما أثبتت الدراسات في دول متعددة من الهند إلى نيجيريا إلى المغرب. ولكن الأخطر من ذلك، أن هذا التعقيد يغذي الفساد.

فمع فرض الرسوم الجمركية، تظهر استثناءات من الرسوم، تُمنح بالمئات لقطاعات أو شركات أو حتى منتجات بعينها. في عامي 2018 و2019، أعلنت إدارة ترامب سلسلة رسوم، بينها 25% على الحديد، إلى جانب برنامج منح إعفاءات جمركية؛ وقد تلقت نحو 500 ألف طلب إعفاء. وعندما سُئل ترامب مؤخرًا كيف سيقرر تلك الإعفاءات، أجاب ببساطة: «بناء على الحدس».

وقد أظهرت الدراسات أن «حدس» السياسيين عادة ما يميل إلى من يدعمهم ماليًا، ما يُشجّع على تفشي الفساد. هذا ما كان سائدًا طوال التاريخ الأمريكي فيما يخص السياسات الجمركية، حتى جاء الرئيس فرانكلين روزفلت وأصلح النظام، لينتقل، كما وصفه بول كروغمان، من «الأقذر إلى الأنظف على الإطلاق».

لكن الأمور تعود الآن إلى التلوث من جديد. فقد وجدت دراسة أكاديمية مفصلة عن رسوم ترامب خلال ولايته الأولى، أن «الشركات التي استثمرت بكثافة في بناء علاقات سياسية مع الجمهوريين، كانت الأوفر حظا في الحصول على استثناءات من الرسوم. أما الشركات التي ساهمت في دعم سياسيين ديمقراطيين، فقد تقلصت فرصها بشكل واضح».

وقد استعرضت الدراسة أكثر من 7.000 طلب إعفاء من الرسوم على الصين، وخلصت إلى أن مجرد تبرع بـ4.000 دولار لصالح مرشحين ديمقراطيين قلّص فرصة الحصول على الإعفاء إلى أقل من 1 / 10. كما أشار تيموثى كارنى، من معهد «إنتربرايز» المحافظ، إلى أن «الانتخابات الأولى لترامب أطلقت طفرة هائلة في نشاط جماعات الضغط التجاري»، حيث قفز عدد عملاء الضغط في مجال التجارة من 921 إلى 1.419 بحلول عام 2019.

ومع فرض أمريكا أعلى رسوم جمركية بين الدول الصناعية، فالسوق الأمريكية باتت سوقًا مفتوحة للمساومة. ستتوافد البلدان والشركات إلى واشنطن لتوقيع صفقات، وانتزاع استثناءات، وشروط خاصة. وفي الأسابيع الأخيرة، أعلنت فيتنام مجموعة من التسهيلات ترضيةً لإدارة ترامب، سعيًا لاتفاق تجاري. منها: الموافقة على تشغيل خدمة «ستارلينك» التابعة لإيلون ماسك في فيتنام، وخطة لتسريع مشروع عقاري لشركة ترامب.

وفي الواقع، هناك ما لا يقل عن 19 مشروعًا عقاريًا يحمل اسم ترامب قيد التطوير حول العالم خلال فترة رئاسته، وربما العديد غيرها في الطريق. لقد أطلق ترامب شركته الخاصة في مجال التواصل الاجتماعي، وأصدر «عملة ميم» رقمية خاصة به؛ وبالتأكيد ترى الدول الأخرى في ذلك كله دعوة مفتوحة للاستثمار، وللتأثير على السياسة الخارجية والاقتصادية الأمريكية.

لقد كان من المؤسف حقًا أن نشاهد بعض رموز الرأسمالية الأمريكية، أسماء كبرى من وول ستريت، وهم يباركون هذه المنهجية التي ستشوّه السوق الحرة الأمريكية بالرسوم، والضرائب، والاستثناءات، والصفقات الخاصة.

ويجدر هنا التذكير بكلمات ميلتون فريدمان المتكررة: «يمكنك أن تطلب من أي رجل أعمال بارز أن يلقي خطابًا رائعًا عن مزايا السوق الحرة. لكن عندما يتعلق الأمر بمصلحته الخاصة، فإنه يهرول إلى واشنطن طالبًا رسمًا خاصًا لحماية أعماله. يريد خصمًا ضريبيًا خاصًا. يريد دعمًا ضريبيًا خاصًا».

الهند التي نشأتُ فيها كانت تعج بالرسوم والحواجز العالية لحماية صناعتها المحلية من المنافسة الأجنبية، فنتج عن ذلك ركود وفقر وفساد سياسي متجذر. لم يكن بالإمكان لأي شركة كبيرة أن تنجح دون علاقات جيدة مع الحكومة.

وعندما قدمت إلى أمريكا، أبهرني كيف أن معظم الشركات كانت تعمل دون أن تعبأ كثيرًا بمن هو في البيت الأبيض. لكني اليوم أشاهد رواد التكنولوجيا وهم يُغدقون الإطراء على عبقرية ترامب، وشخصيات وول ستريت تتسابق لمدحه وكأنه «منقذ للاقتصاد»، وأتساءل: في أي بلد أعيش الآن؟

فريد زكريا كاتب رأي في صحيفة واشنطن بوست، ومقدم برنامج يتناول القضايا الدولية والشؤون الخارجية على شبكة «سي.إن.إن».

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

ترامب يفرض رسومًا جمركية جديدة على 60 دولة.. الصين والاتحاد الأوروبي ضمن القائمة

أعلنت الولايات المتحدة فرض رسوم جمركية جديدة على 60 شريكًا تجاريًا، بحجة التصدي لمخاوف مرتبطة بالعمل القسري، لتدخل هذه الإجراءات حيز التنفيذ الجمعة بدلًا من تعرفات سابقة فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وانتهت صلاحيتها.

وتتراوح الرسوم الجديدة بين 10% و12.5%، وتشمل اقتصادات كبرى من بينها الصين والهند والاتحاد الأوروبي، في خطوة جديدة ضمن سياسة واشنطن التجارية خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وقال الممثل التجاري الأمريكي جيميسون غرير إن “الولايات المتحدة تفرض منذ نحو قرن حظرًا على استيراد السلع المنتجة بالعمل القسري وتنفذه بصرامة، وحان الوقت الآن كي يحذو شركاؤنا التجاريون حذونا”.

وجاء القرار بعد تحرك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحفاظ على سياستها الجمركية، عقب قرار المحكمة العليا الأمريكية الذي ألغى جزءًا كبيرًا من الرسوم التي فرضها ترامب سابقًا، معتبرة أن استخدامه للقانون لتبرير تلك الإجراءات تجاوز الصلاحيات الممنوحة له.

وبعد ذلك القرار، لجأت إدارة ترامب إلى فرض رسوم مؤقتة بنسبة 10% استنادًا إلى قانون آخر يسمح بفرض هذه الرسوم الإضافية لمدة تصل إلى 150 يومًا، قبل أن تنتهي صلاحيتها الجمعة.

وتدخل الآن حزمة الرسوم البديلة التي طُرحت للمرة الأولى في يونيو، والتي ترى الإدارة الأمريكية أنها أكثر قدرة على الصمود أمام الطعون القانونية.

وبموجب القرار الجديد، تخضع الدول التي طبقت حظرًا على استيراد السلع المنتجة بالعمل القسري، أو التزمت بهذه الإجراءات، للمعدل الأقل من الرسوم البالغ 10%، وتشمل هذه الفئة كندا والاتحاد الأوروبي والهند والمملكة المتحدة.

أما الصين واليابان وكوريا الجنوبية وعدد من الدول الأخرى، فتخضع للرسوم الأعلى البالغة 12.5%.

وحصل الاتحاد الأوروبي وتايوان واليابان وكوريا الجنوبية وسويسرا على إجراءات مخففة، بما يتماشى مع الاتفاقيات التجارية التي أبرمتها هذه الدول سابقًا مع الولايات المتحدة.

وأعربت الحكومة اليابانية عن “أسفها لفرض هذا الإجراء”، وفق ما قال المتحدث باسم الحكومة مينورو كيهارا.

كما وصف وزير التجارة الأسترالي دون فاريل الرسوم الأمريكية الجديدة بأنها “غير مبررة وتتعارض مع اتفاقية التجارة الحرة التي أبرمناها، ويجب إلغاؤها”.

من جهته، انتقد رئيس وزراء نيوزيلندا كريستوفر لوكسون الرسوم، واصفًا إياها بأنها “مخيبة للآمال”، وقال عبر منصة “إكس” إن الولايات المتحدة لم تقدم “أدلة جوهرية تدعم المزاعم المتعلقة بالعمل القسري”.

وتأتي هذه الخطوة في إطار سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الهادفة إلى إعادة صياغة العلاقات التجارية مع شركاء الولايات المتحدة عبر استخدام الرسوم الجمركية كأداة ضغط اقتصادي.

مقالات مشابهة

  • رسوم أميركية جديدة على 60 شريكا تجاريا في ظل إعادة صوغ أجندة ترامب التجارية
  • ترامب يفرض رسومًا جمركية جديدة على 60 دولة.. الصين والاتحاد الأوروبي ضمن القائمة
  • بعد الرسوم الأمريكية الجديدة.. اليابان تصف القرار بـ«المؤسف» وتتمسك بالاتفاق
  • كوريا الجنوبية تؤكد التزام الولايات المتحدة بسقف الرسوم الجمركية البالغ 15%
  • ترامب يفرض رسوماً جديدة وسط "صدمة" أوروبية و"تهديد" كندي
  • الجيش الأمريكي يكشف الأهداف التي قصفها بإيران لليلة الـ13 تواليا
  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • الإدارة الأمريكية تفرض رسوما جمركية جديدة مرتبطة بممارسات العمل القسري
  • رسوم الأدوية الجنيسة.. اختبار جديد للمنافسة الأمريكية الصينية
  • صحيفة أمريكية تكشف حجم الخسائر الثقيلة التي تعرضت لها القوات الأمريكية بسبب الهجمات الإيرانية