مدبولي: نستهدف خفض نسبة دين أجهزة الموازنة العامة وتحقيق نمو اقتصادي واضح
تاريخ النشر: 13th, May 2025 GMT
ألقى الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، اليوم، كلمة مسجّلة تمت إذاعتها في المؤتمر العلمي السنوي لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، الذي ينعقد بالتعاون مع كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ويأتي تحت عنوان «الإصلاحات الهيكلية والمؤسسية في مصر: الطريق إلى نمو مستدام».
واستهل رئيس الوزراء كلمته بالإعراب عن سعادته بمشاركته بكلمة في «الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العلمي السنوي الثاني لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» والذي يمثل شراكة متميزة ما بين واحدة من أعرق المؤسسات الأكاديمية في مصر وبين مركز فكر حكومي رائد.
وقال مدبولي: تنعقد فعاليات المؤتمر العلمي السنوي لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في ظرف عالمي دقيق، في ظل ما يشهده الاقتصاد العالمي من تباطؤ ملحوظ لمعدلات النمو الاقتصادي، نتيجة تزايد التوترات التجارية والارتفاعِ غير المسبـوقِ لمستويات عـدم اليقين بشأن السياسات، وهــو ما ينعكس بشكل كبير على قدرة حكومات دول العالم على التعامل مع تلك التحديات المركبة.
وأشار إلى أن النظـام الاقتصادي العالمي، الذي عمـلت في إطاره دولُ العالم على مدار الثمانين عاما الماضية، والقائم على أسس التعاون الاقتصادي والتعددية الدولية، يُعادُ تشكيله الآن، إيذانًا بدخول الاقتصاد العالمي حقبة جديدة لا تزال ملامحها الاقتصادية غيـر واضحة حتى الآن.
وأضاف: «لعلكم تابعتُم ما انتهت إليه مؤخرًا اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والتي عُقدت في واشنطن نهايةَ شهر أبريل الماضي، وسلسلة نقاشات الخبراء الاقتصاديين خلالها، وما أشارت إليه من عدد من التوقعات والمؤشرات المهمة بشأن ملامحِ أداء الاقتصاد العالمي خلال الفترة المقبلة، والتي يتعين الوقوف عندها».
وفي هذا الإطار، سرد رئيس الوزراء عددًا من تلك المؤشرات، منها: قيام صندوقِ النقد الدولي بخفض تراكمي لتوقعاته للنمو الاقتصادي العالمي بنحو 0.8 نقطة مئوية، مقارنة بتوقعاتِه السابقة الصادرة في شهر يناير 2025 وصولًا إلى 2.8% العام الجاري، و3.0% العام المقبلِ، بما يُعود إلى عددٍ من الأسباب التي يأتي على رأسها التأثيرات المحتملة للحرب التجارية العالمية.
كما أشار مدبولي لمؤشر آخر يتعلق بالتباطؤ المتوقع لنمو الأسواقِ الناشئة والاقتصادات النامية، وخفض معدلات نمو المجموعة لتصل إلى 3.7% في عام 2025، و3.9% في عام 2026، مع تخفيضات كبيرة في التصنيفات الائتمانية للدول الأكثر تضررًا من التدابير التجارية الأخيرة.
وتزايد توقعات المستثمرين بتوجه البنوك المركزية نحو تيسير السياسات النقدية في الأسواق الناشئة، والتي سينتج عنها تزايد موجات تدفق رؤوس الأموال إلى الخارجِ، وحاجةُ اقتصادات تلك الدول، والتي تواجه بالفعل أعلى تكاليف تمويل حقيقية منذ عقد كامل، إلى إعادة تمويل ديونها وموازناتها العامة بكلفة أعلى.
وفي الوقت نفسه، نوه رئيس الوزراء، خلال حديثه عن التوقعات والمؤشرات المهمة بشأن ملامحِ أداء الاقتصاد العالمي، إلى أن السياسة المالية تواجه الآن مفاضلة أكثر حدة بين خفض الديون، وبناء الحيز المالي لمواجهة حالات عدم اليقين، واستيعاب ضغوط الإنفاق، موضحًا أن كل ذلكَ يأتي في ظل ضعف آفاق النمو، وارتفاعِ تكاليف التمويل، وتزايد المخاطر.
كما تتضمن المؤشرات التي ساقها الدكتور مصطفى مدبولي الارتفاع المتوقع لمستويات الدين العام العالمي بمقدار 2.8 نقطة مئوية إضافية من الناتجِ المحلي الإجمالي بحلول عام 2025، واقترابه من مستوى 100% من الناتجِ المحلي الإجمالي بحلول نهاية العقد الجاري، متجاوزًا ذروة الجائحة، فضلًا عن التوقع بأن يشهد أكثر من ثلث بلدان العالم زيادة في الديون في عام 2025 مقارنة بعام 2024.
وتمثل هذه الاقتصـادات مجتمعة نحـو 75% مــن الناتجِ المحليِّ الإجمالي العالمي، وتشمل دولًا فاعلة رئيسة مثل الصين والولايات المتحدة، بالإضافة إلى أستراليا والبرازيل وفرنسا وألمانيا وإندونيسيا وإيطاليا والمكسيك وروسيا والمملكة العربية السعودية وجنوب إفريقيا والمملكة المتحدة.
صندوق النقد الدولي والاقتصاد في مصروقارن رئيس الوزراء، خلال كلمته هذه التوجهات الاقتصادية المستقبلية المتوقعة بوضعية الاقتصاد المصري في مقابلِ هذا المنعطف الاقتصادي العالمي الحاسم، فأوضح أنه في حينِ تم تخفيض توقعاتُ النموِ الاقتصادي للعديد من البلدانِ النامية واقتصادات السوقِ الناشئة، قام صندوق النقد الدولي برفعِ توقعاته لنمو الاقتصاد المصري للعام الجاري إلى 3.8%، وإلى 4.2% العام المقبل، مع توقعه ارتفاع وتيرة نمو الاقتصاد المصري إلى 5.5% في عام 2030.
واستطرد: وفي حينِ تأثرت العديد من الأسواقِ الناشئة بالتقلبات التي طالت الأسواق الماليةَ العالميةَ وأسعار الأصول عقب «يوم التحرير» وإعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن رفعٍ مرتقبٍ لمعدلات التعريفة الجمركية لتسجل أعلى مستوياتها في غضون قرن كامل وتأثر عدد من الاقتصادات الناشئة بتلكَ التقلبات وخروجِ رؤوس الأموال الأجنبية، التزمت مصر بسياستها المرنة لسعر الصرف في مواجهة تلك التقلبات، وهو ما انعكس إيجابًا على سوقِ الصرف الأجنبي.
خفض نسبة دين أجهزة الموازنة العامةوفي الإطار ذاته، أضاف رئيس الوزراء: وبينما تشير التوقعات الدولية إلى زيادة معدلات المديونية في ثلث بلدان العالم، تسعى مصر إلى خفض نسبة دين أجهزة الموازنة العامة والوصول بها إلى معدلات أكثر استدامة إلى نحو 80% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية العام المالي 2026/2027 عبر تبني إصلاحات مالية جادة على جانبي الموازنة من أهمها تبني إصلاحاٍت ضريبية تستهدفُ توسيع القاعدة الضريبية وتيسير الإجراءات الضريبية على الممولين.
وأوضح أن تلك الإصلاحاتُ أسهمت في نمو الإيرادات الضريبية لتحقق أعلى مستوياتها منذ سنوات، بارتفاع بلغت نسبته 38% خلال فترة الأشهر التسعة الماضية، كما تم تحقيق فائض أولى بنسبة 2.5% من الناتج المحلي رغم تراجع إيرادات قناة السويس.
النمو الاقتصاديوخلال كلمته أيضًا، قال الدكتور مصطفى مدبولي: تُدرك الحكومة المصرية جيدًا أن تحسين نوعية النمو الاقتصادي لا يقل أهمية عن رفعِ وتيرة النمو الاقتصادي. فبلوغ مستويات شاملة ومتوازنة ومستدامة وأكثر عدالةً وإنصافًا من النمو الاقتصادي يعد الهدف الأسمى للحكومة المصرية من خلالِ برنامجِ عملها للفترة (2025/2024-2027/2026) بعنوان "معًا نبني مستقبلًا مستدامًا"، الأمر الذي لن يتأتى بدون مواصلة مسيرة الإصلاحِ الاقتصادي التي بدأتها مصر في عام 2016، ولا سيما فيما يتعلق بمواصلة البرنامجِ الوطني للإصلاحِ الاقتصادي والاجتماعي وما يشتمل عليه من إصلاحات هيكلية ومؤسسية مهمة لدفعِ مقدرات الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.
وأكد أنه من المهم في هذا السياقِ الإشارة إلى سمات نهجِ الإصلاحِ الاقتصادي الذي تحرص مصرُ على تبنيه حاليًا ومستقبلًا بما يشمل: التركيز على دعم وتمكين القطاعِ الخاص وتيسير بيئة الأعمالِ، فقد تبنَّت الحكومةُ المصريةُ، وعلى مدار الفترة (2022-2024) نحو 500 إصلاحٍ داعم للقطاعِ الخاص في ستة محاور رئيسية يتركز نحو 64% منها في مجالي دعم الاستثمار وتشجيعِ القطاعِ الصناعي. وقد أسهمت مُختلف تلك الإصلاحات في رفعِ نسبة مساهمة القطاعِ الخاص في الاستثمارات الكلية المنفذة إلى 43% في عام 2023/2024 ومن المخطط أن تُواصل الارتفاع إلى نحو 50% في العام المالي الحالي 2024/2025.
فضلا عن تنفيذ ما التزمت به مصر في إطار وثيقة سياسة ملكية الدولة للأصول، والتي تعد بشهادة البنك الدولي الأولى من نوعها في منطقة الشرقِ الأوسط وشمال إفريقيا بالتركيز على دعم القطاعِ الخاص وحوكمة الأصولِ المملوكة للدولة، حيثُ تم اتخاذ قرارات فعلية تسهم في حوكمة الشركات الحكومية وتعزيز التنافسية، علاوة على مساعي الحكومة المصرية لاستمرار تنفيذ برنامجِ الطروحات بالتركيز على عدد من القطاعات الاستراتيجية الجاذبة للمستثمرين بدعمٍ فني من مؤسسة التمويل الدولية.
ولفت رئيس الوزراء أيضًا إلى مساندة عدد من التكتلات والمؤسسات الدولية لبرنامجِ الإصلاحِ الاقتصادي في مصر سواء فيما يتعلق بتنفيذِ مصر للإصلاحات المتضمنة في التسهيل الممدد لصندوقِ النقد الدولي بقيمة 8 مليارات دولار على مدارِ 46 شهرًا، أو مجموعة الإصلاحات المنفذة في سياقِ الشراكة الاستراتيجية بين مصر والمفوضية الأوروبية في إطار حزمة دعم أوروبية بقيمة 7.4 مليار يورو حتى عام 2027، لتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وضمان بيئة اقتصادية مستقرة وجاذبة للاستثمار، وتشجيعِ الاستثمار والتجارة.
وتابع حديثه قائلًا: هذا بالإضافة إلى حِرص الدولة المصرية على تعزيز أُطر الحماية الاجتماعية لدعم الفئات الهشة، وتقليل تبعات الإصلاحِ الاقتصادي عليها من خلال تبني العديدِ من السياسات والبرامجِ التي تستهدفُ وبدقة الفئات المستحقةَ، وليس هناك أدلُّ على ذلك من ارتفاعِ الإنفاقِ المخصص للحماية الاجتماعية في موازنة العام المالي 2025/2026 بنسبة 16.8% ليصلَ إلى 742.5 مليار جنيه وارتفاعِ مخصصات برنامجِ تكافل وكرامة بنسبة 35% في العام نفسه لتصل الى 54 مليار جنيه.
وأخيرًا يشمل نهج الإصلاح الاقتصادي، حسبما قال الدكتور مصطفى مدبولي، صياغة برامجِ الإصلاحِ الاقتصادي وفق أطر تشاركية تجمع كل أصحاب المصلحة وتشركُهم في فلسفة تبنّي تلكَ الإصلاحات بما يُسهمُ في رفعِ مستوياتِ كفاءة الإصلاحات المنفذة ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك تحرك وزارة المالية المصرية، والتي تبنَّت مؤخرًا العديد من الإصلاحات المالية لزيادة مستويات الكفاءة والعدالة الضريبية، وتوسيعِ القاعدة الضريبية، ونجحت في النزول بها لمستوى المواطنِ العادي وكسب تأييده لها. إضافة إلى التركيز على بناء الإنسانِ المصري، والذي يعد الغايةَ الأسمى لكافة الإصلاحات التي تتبناها الدولةُ المصريةُ. ففي هذا الإطار تقوم الحكومةُ المصرية بتبني برامج وسياسات داعمة لقطاعِ التعليم والصحة وتحسين مستويات المعيشة عبر محورٍ كامل في برنامجِ عمل الحكومة المصرية يتضمن 16 برنامجًا رئيسيًا ونحو 33 برنامجًا فرعيًا.
ونوّه رئيس الوزراء، خلال كلمته، إلى أنه في ضوء ما سبق، من المتوقعِ أن تُسهم جلسات المؤتمر والإسهاماتُ البحثيةُ المتعددةُ التي سيناقشُها في دعم مسيرة الدولة المصرية تجاه تبني سياسات اقتصادية من شأنها التغلب على التحديات والاختلالات التي يواجهها الاقتصاد المصري، والمُضي قدمًا باتجاه سياسات اقتصادية أكثر فعالية وكفاءة، بهدف دعم مسارات النهضة الاقتصادية لبلدنا الحبيب مصر.
واختتم الدكتور مصطفى مدبولي كلمته بتوجيه خالصِ الشكر والتقدير لجميع القائمين على انعقاد هذا المؤتمر من مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وإلى الحضور كافة، معربًا عن تمنياته بالنجاحِ والتوفيقِ لأعمال المؤتمر، مؤكدًا تطلع الحكومة المصرية إلى التوصيات الداعمة لصنعِ القرار، والتي ستنبثق عن هذا المؤتمر.
اقرأ أيضاًبمعدل نمو 39.5%.. صافي أرباح البنك التجاري الدولي 16.63 مليار جنيه
390 مليون جنيه صافي أرباح بنك saib الفصلية
«البنك الأوروبي» لإعادة الإعمار يمول الطاقة المتجددة في مصر بقيمة 30 مليون دولار
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: صندوق النقد الدولي مصطفي مدبولي مركز المعلومات النمو الاقتصادي الاقتصادي العالمي المعلومات ودعم اتخاذ القرار الدکتور مصطفى مدبولی الاقتصاد العالمی النمو الاقتصادی النقد الدولی رئیس الوزراء فی مصر عدد من
إقرأ أيضاً:
النفط يعود إلى الواجهة.. هل تنجح الشرعية في كسر حصار التصدير وإنقاذ الاقتصاد؟
مع تصاعد المؤشرات الرسمية نحو إعادة تشغيل أحد أهم شرايين الاقتصاد اليمني، تتجه الأنظار إلى قرار الحكومة باستئناف تصدير النفط الخام بعد توقف دام قرابة أربع سنوات، في خطوة تراهن عليها السلطات لمعالجة أزمة مالية غير مسبوقة، واستعادة جزء من التوازن الاقتصادي الذي فقدته البلاد منذ الهجمات الحوثية على موانئ التصدير أواخر عام 2022.
ففي تأكيد جديد على جدية الحكومة في المضي بهذا المسار، ترأس رئيس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، الثلاثاء، في العاصمة عدن، اجتماع اللجنة العليا لتسويق النفط الخام، لمناقشة الإجراءات التنفيذية والفنية واللوجستية اللازمة لاستئناف عمليات التصدير، تنفيذاً لقرار مجلس الدفاع الوطني الذي أُعلن عنه مؤخراً.
وشارك في الاجتماع محافظ البنك المركزي أحمد غالب وعدد من المسؤولين المختصين، حيث جرى استعراض آليات التنسيق بين المؤسسات الحكومية المعنية، ووضع خارطة طريق لتسريع استكمال الترتيبات المطلوبة بما يضمن عودة الصادرات النفطية بأعلى قدر من الكفاءة.
وأكد الزنداني أن الحكومة تعمل على ترجمة توجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي إلى خطوات عملية، مشدداً على أن استئناف تصدير النفط يمثل استحقاقاً وطنياً وسيادياً لا يمكن تأجيله، باعتباره المورد الرئيسي القادر على إعادة تنشيط الاقتصاد وتمكين الدولة من الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين.
وأوضح رئيس الوزراء أن عائدات النفط ستوجه لخدمة المواطنين في مختلف المحافظات، وفي مقدمة ذلك صرف المرتبات وتحسين الخدمات الأساسية ودعم الاستقرار الاقتصادي والنقدي، مؤكدًا ضرورة الإسراع في استكمال كافة الإجراءات التنفيذية والفنية ورفع تقارير دورية حول مستوى الإنجاز.
النفط.. شريان الاقتصاد المفقود
منذ توقف الصادرات النفطية نتيجة الهجمات الحوثية على موانئ التصدير في حضرموت وشبوة في أكتوبر 2022، فقدت الحكومة اليمنية أهم مصدر لإيراداتها العامة، ما انعكس بصورة مباشرة على قدرتها في تمويل الموازنة العامة وتغطية النفقات التشغيلية والخدمية.
وتؤكد الحكومة أن النفط كان يمثل نحو 70% من إجمالي الإيرادات العامة، الأمر الذي جعل توقف التصدير ضربة قاسية للمالية العامة، ودفع الدولة للاعتماد على مصادر محدودة وغير مستقرة في ظل تزايد الاحتياجات والالتزامات.
وأصبحت أزمة الموارد إحدى أبرز التحديات التي تواجه الحكومة، خصوصًا مع ارتفاع فاتورة دعم الكهرباء وتراجع قيمة العملة المحلية واتساع فجوة العجز المالي.
أرقام تكشف حجم الأزمة
ويعكس التقرير السنوي الأخير للبنك المركزي اليمني في عدن حجم التداعيات الاقتصادية الناجمة عن توقف الصادرات النفطية.
فبحسب التقرير، بلغت الإيرادات العامة خلال عام 2025 نحو 1.435 تريليون ريال، مقابل نفقات حكومية وصلت إلى 2.773 تريليون ريال، ما أدى إلى تسجيل عجز نقدي يقدر بنحو 1.338 تريليون ريال، أي ما يعادل 48.2% من إجمالي الإنفاق العام.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الحكومة واجهت عاماً مالياً بالغ الصعوبة، في ظل استمرار غياب الإيرادات النفطية للعام الثالث على التوالي، وهو ما تسبب في اتساع الفجوة بين الموارد والنفقات وأضعف قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها الأساسية.
ويرى مراقبون أن استعادة تدفقات النفط تمثل اليوم الخيار الأكثر واقعية أمام الحكومة لمعالجة الاختلالات المالية، خصوصاً في ظل محدودية البدائل الاقتصادية الأخرى.
فرص واعدة لإعادة التصدير
وتعزز تصريحات وزير النفط والمعادن الدكتور محمد بامقاء من حالة التفاؤل بإمكانية تحقيق عائدات مهمة فور استئناف التصدير.
ووفقاً للوزير، فإن الحقول النفطية في محافظات شبوة وحضرموت ومأرب قادرة حالياً على إنتاج ما بين 51 و 63 ألف برميل يومياً، إضافة إلى وجود مخزون نفطي جاهز للتصدير في منشأة الضبة يقدر بنحو 1.7 مليون برميل.
كما أشار إلى أن عودة عمليات التصدير بصورة مستقرة ستسمح بزيادة الإنتاج بنسبة تتراوح بين 25 و30%، بعد معالجة التحديات الفنية التي واجهت القطاع خلال فترة التوقف الطويلة.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية إضافية في ظل ارتفاع أسعار النفط العالمية مقارنة بما كانت عليه قبل توقف التصدير، حيث كان متوسط سعر البرميل آنذاك يدور حول 60 دولاراً، بينما يقترب حالياً من 80 دولاراً للبرميل.
وباحتساب مستويات الإنتاج الحالية والأسعار العالمية السائدة، يمكن أن تحقق الحكومة إيرادات سنوية تصل إلى نحو 1.7 مليار دولار، وهو رقم من شأنه إحداث فارق ملموس في قدرة الدولة على تمويل الموازنة وتحسين الخدمات العامة ودعم استقرار العملة الوطنية.
بين القرار السياسي والتحدي الأمني
ورغم التفاؤل الحكومي، فإن نجاح عملية استئناف التصدير يظل مرتبطاً بقدرة الدولة على تأمين المنشآت النفطية وموانئ التصدير وخطوط النقل، ومنع تكرار الهجمات التي أدت إلى توقف الصادرات في المقام الأول.
كما يتطلب الأمر تنسيقاً عالياً بين المؤسسات الاقتصادية والأمنية والعسكرية، لضمان استدامة عمليات الإنتاج والتصدير وعدم تعرضها لأي انتكاسات جديدة.
وفي هذا السياق، جاء إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي باستئناف تصدير النفط، باعتباره رسالة سياسية واقتصادية تؤكد تمسك الدولة بحقها في استثمار مواردها السيادية وتسخيرها لخدمة المواطنين.
وأكد العليمي أن عائدات النفط ستخصص للوفاء بالالتزامات الأساسية للدولة، وفي مقدمتها صرف المرتبات وتحسين الخدمات ودعم الاستقرار الاقتصادي، داعيًا مختلف القوى الوطنية إلى دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة وتعزيز الأمن والاستقرار.
اختبار حاسم للحكومة
تمثل عودة صادرات النفط اليوم أكثر من مجرد قرار اقتصادي، فهي اختبار لقدرة الحكومة على استعادة أحد أهم مصادر القوة المالية للدولة بعد سنوات من التراجع.
وفي حال نجحت هذه الخطوة، فإنها قد تشكل نقطة تحول في مسار الاقتصاد اليمني، وتوفر للحكومة متنفساً مالياً طال انتظاره، بينما يبقى التحدي الأكبر في ضمان استدامة التصدير وحماية المنشآت النفطية من أي تهديدات قد تعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.