يشهد عالمنا اليوم استخداما قويًا ومتزايدا للذكاء الاصطناعي في شتى مجالات الحياة، رغم أن روبوتات الدردشة القادرة على إنجاز العديد من المهام، تماما مثل البشر، لم تكمل سنتين بعد.
وقد أحدث ظهورها تحولات جذرية كنا نعتبرها في الأمس القريب ضربا من الخيال العلمي. لكن الطريق إلى هذه النهاية لم يكن مفروشا بالورود.


الجذور الأولى
ظهرت عبارة "الذكاء الاصطناعي" لأول مرة عندما صاغها العالم الأميركي في مجال الكمبيوتر جون مكارثي John McCarthy (2011-1927)‏، في عام 1955، ونظم مؤتمر دارتموث الشهير في صيف 1956. لذا، يعتبر مكارثي أحد الآباء المؤسسين للذكاء الاصطناعي.
منذ تلك اللحظة، انطلقت رحلة طموحة نحو بناء آلات قادرة على محاكاة القدرات الذهنية للبشر. لم تكن الرحلة  متواصلة، بل تخللتها فترات من الانقطاع والاستئناف، لتصل بنا اليوم إلى عصر نشهد فيه ثورة حقيقية بفضل روبوتات الدردشة مثل "تشات جي بي تي" و"جيميناي".
شهدت السنوات الأولى للذكاء الاصطناعي تفاؤلًا كبيرًا. حيث تصور الباحثون إمكانية حل المشكلات المعقدة، وترجمة اللغات، وحتى بناء آلات تفكر مثل الإنسان في غضون سنوات قليلة. ظهرت برامج رائدة مثل "لوجيك ثيوريست" و"جنرال بروبلم سولفر" التي أظهرت قدرة الآلات على التفكير المنطقي وحل بعض المشكلات. كانت هذه الفترة بمثابة وضع البذور الأولى لهذا المجال الواعد.
لكن سرعان ما تبدد هذا التفاؤل مع اصطدام الواقع بتعقيد المشكلات الحقيقية. فقد تبين أن بناء أنظمة ذكية حقًا يتطلب قدرات حاسوبية وبيانات لم تكن متاحة آنذاك. تراجعت التمويلات البحثية، ودخل المجال في فترة سبات.
الأنظمة الخبيرة والتعلم الآلي
شهدت ثمانينيات القرن العشرين عودة الاهتمام بالذكاء الاصطناعي مع ظهور "الأنظمة الخبيرة"، وهي برامج تحاكي خبرة الإنسان في مجالات محددة. كانت الفكرة الأساسية هي بناء برامج حاسوبية يمكنها محاكاة قدرات وخبرات الإنسان الخبير في مجال معين لاتخاذ القرارات وحل المشكلات. 
من أمثلة تطبيقات الأنظمة الخبيرة: التشخيص الطبي وهي أنظمة تساعد الأطباء في تشخيص الأمراض بناءً على الأعراض والمعلومات الطبية، وأنظمة تقدم نصائح حول الاستثمار وإدارة الأموال.
وقد حققت الأنظمة الخبيرة بعض النجاحات وكانت تعتبر من أوائل التطبيقات الناجحة للذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، كانت محدودة النطاق وتتطلب إدخالًا يدويًا للمعرفة من الخبراء، مما جعل تحديثها وتوسيعها أمرًا صعبًا.
كما بدأ التعلم الآلي، في هذه المرحلة من تاريخ الذكاء الاصطناعي، يكتسب زخمًا، حيث  أصبحت البيانات الأساس الذي تتعلم منه الخوارزميات. أما الخوارزميات، فهي الإجراءات الحسابية التي تسمح للآلة بتحليل البيانات. 
في التسعينيات، برز التعلم الآلي كنهج واعد. وبدلاً من برمجة الآلات بشكل صريح لحل المشكلات، يركز التعلم الآلي على تطوير خوارزميات تسمح للآلات بالتعلم من البيانات وتحديد الأنماط واتخاذ القرارات أو التنبؤ دون أن تتم برمجتها بشكل مباشر لكل مهمة.
 أما النماذج، فهي الناتج النهائي لعملية التعلم، وهي تمثل المعرفة التي اكتسبتها الآلة من البيانات ويمكن استخدامها لاتخاذ قرارات أو عمل تنبؤات جديدة.
البيانات الضخمة والتعلم العميق
شهدت بداية الألفية الجديدة تحولًا جذريًا بفضل توفر كميات هائلة من البيانات (البيانات الضخمة) والتطور الهائل في قوة الحوسبة. أدى هذان الأمران إلى تطور كبير في "التعلم العميق"، وهو فرع من التعلم الآلي يستخدم لتحليل البيانات المعقدة. حقق التعلم العميق نجاحات باهرة في مجالات مثل التعرف على الصور والكلام ومعالجة اللغة الطبيعية.
ثورة روبوتات الدردشة
مثّل ظهور روبوتات الدردشة التوليدية الكبيرة مثل "تشات جي بي تي" من شركة OpenAI و"جيميناي" من شركة جوجل نقطة تحول جديدة في تاريخ الذكاء الاصطناعي. هذه النماذج، المدربة على كميات هائلة من النصوص والبيانات، أظهرت قدرة مدهشة على توليد نصوص وصور بمجرد إدخال وصف بسيط بلغة عادية والإجابة على الأسئلة بطريقة تبدو شبيهة بالبشر.
لم تعد روبوتات الدردشة مجرد أدوات للإجابة على الأسئلة البسيطة، بل أصبحت قادرة على كتابة المقالات، وتلخيص النصوص، وإنتاج صور وترجمة اللغات، وكتابة الأكواد البرمجية، وغيرها من الأمور المعقدة. هذا التطور يفتح آفاقًا واسعة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، من التعليم والرعاية الصحية إلى خدمة العملاء والإبداع.
آفاق المستقبل
وبما أننا ما زلنا في المراحل الأولى من هذه التقنية المذهلة، تتوجب معالجة التحديات التي تطرحها مثل ضمان احترام الذكاء الاصطناعي للأخلاق واحترام حقوق الملكية الفكرية والتعامل مع التحيزات المحتملة. اليوم، للذكاء الاصطناعي استخدامات واسعة النطاق، فهو يدخل في مجالات مثل الطب لتشخيص الأمراض، وفي السيارات ذاتية القيادة لتسهيل التنقل، وفي خدمة العملاء لتقديم الدعم، وفي الصناعة لتحسين الكفاءة. 
أما عن الآفاق المستقبلية، فيُتوقع أن يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في تطوير حلول للتحديات العالمية كالتغير المناخي والأمراض المستعصية، بالإضافة إلى إحداث ثورة في مجالات الإبداع والبحث العلمي وغيرها.

أخبار ذات صلة علماء يبتكرون طائرات مسيّرة تعمل لمنع الصواعق باحثون يطورون تقنية لرصد تخثر الدم دون تدخل جراحي المصدر: الاتحاد - أبوظبي

المصدر

المصدر: صحيفة الاتحاد

كلمات دلالية: الذكاء الاصطناعي روبوتات الدردشة البيانات الضخمة التعلم الآلي الذکاء الاصطناعی للذکاء الاصطناعی روبوتات الدردشة التعلم الآلی فی مجالات

إقرأ أيضاً:

هل يهدد الذكاء الاصطناعي أرباح صناع المحتوى على يوتيوب؟

بين كتابة النصوص، والتعليق الصوتي، والمونتاج، وتصميم الصور المصغرة، أصبح الذكاء الاصطناعي حاضراً في معظم مراحل إنتاج الفيديوهات على يوتيوب، الأمر الذي أثار مخاوف صناع المحتوى بشأن مصير إيراداتهم من الإعلانات.

أصدرت يوتيوب توضيحات جديدة لسياسات تحقيق الدخل التي بدأ تطبيقها منتصف يوليو (تمًّوز)، وأكدت خلالها أن الذكاء الاصطناعي ليس سبباً مباشراً لفقدان الأرباح، ويرتبط الأمر بطريقة استخدامه.

القنوات التي تقدم رؤية خاصة وتحليلاً وتجارب يصعب تكرارها ستظل الأقدر على الحفاظ على عائداتها، ويرتفع خطر فقدان الإعلانات عندما يتحول الذكاء الاصطناعي من وسيلة مساعدة إلى بديل كامل عن الإبداع البشري.

ولحسم هذا الجدل، أصدرت المنصة توضيحات جديدة لسياسات تحقيق الدخل التي بدأ تطبيقها منذ منتصف يوليو (تموز) الجاري، أكدت خلالها أن الذكاء الاصطناعي ليس سبباً مباشراً لفقدان الأرباح، وإنما يرتبط الأمر بطريقة استخدامه؛ فالفيديوهات التي تعتمد على قوالب متكررة وإنتاج واسع النطاق من دون قيمة مضافة أو معالجة أصلية من صانع المحتوى نفسه قد تصبح غير مؤهلة لتحقيق الدخل.

لهذا، أعادت المنصة تسمية سياسة "المحتوى المتكرر" إلى "المحتوى غير الأصيل"، في خطوة تستهدف توضيح المعايير المطبقة بالفعل، وليس استحداث قواعد جديدة.

كما أشارت إلى أن التقييم لا يكون لفيديو بعينه، إنما تنظر إلى القناة بوصفها وحدة متكاملة، فتراجع موضوعها الرئيسي، وأكثر المقاطع مشاهدة، وأحدث الفيديوهات المنشورة، إضافة إلى العناوين والوصف والبيانات التعريفية، لرصد ما إذا كان المحتوى يعكس مساهمة حقيقية من صاحبه، أم يعتمد على إنتاج آلي متكرر.

3 أنواع من المحتوى تحت المجهر

وحددت يوتيوب ثلاثة أنماط رئيسية من المحتوى تعرّض القنوات لفقدان الإعلانات، يأتي في مقدمتها المحتوى النمطي أو المتكرر، مثل الفيديوهات التي تعتمد على قالب واحد مع تعديلات طفيفة، أو عروض الشرائح المصحوبة بتعليق محدود، أو النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي من دون إضافة رأي أو تحليل أو تجربة يقدمها صاحب القناة.

وتضم الفئة الثانية المحتوى الذي يعتمد على الإثارة أو الصدمة لجذب المشاهدات، بما في ذلك القصص المتشابهة، والصور المضللة، والمقاطع التي تفتقر إلى تسلسل منطقي أو سرد متماسك. والفئة الثالثة، تتعلق باستخدام شخصيات أو مقدمي برامج مولدين بالذكاء الاصطناعي في موضوعات حساسة مثل الصحة، القانون، المال والسياسة، إذا جرى تقديمهم على أنهم خبراء حقيقيون، بما يضلل المشاهدين ويؤثر بالسلب على حياتهم الشخصية.

لذلك توصي المنصة بعدم استخدام الألقاب أو الملابس أو التصاميم التي تمنح المشاهد انطباعاً خاطئاً بشأن حقيقة هذه الشخصيات، مع ضرورة توضيح أنها شخصيات خيالية إذا كانت تستخدم لأغراض تعليمية أو ترفيهية.

الإبداع للإنسان.. والأداة للتنفيذ

ولم تغفل يوتيوب التأكيد على أن استخدام قالب ثابت أو هوية بصرية موحدة للقناة لا يمثل مخالفة في حد ذاته، فالكثير من القنوات الناجحة تعتمد أسلوباً ثابتاً في التقديم والإخراج، لكن الفارق يكمن في مضمون كل فيديو. لهذا تنصح المنصة صناع المحتوى بمراجعة مقاطعهم المصورة بصورة دورية، ومقارنة الحلقات الحديثة ببعضها، للتأكد من أن كل فيديو يبدأ بسؤال مختلف، أو يناقش فكرة جديدة، أو يقدم تجربة أو معلومة لا يمكن استبدالها بسهولة بفيديو آخر.

أيضاً لا ترى يوتيوب مشكلة في استخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة في إعداد الأفكار، أو كتابة المسودات الأولية، أو تصميم الصور، أو إعداد الترجمة والرسوم التوضيحية، طالما بقيت مسؤولية البحث والتحقق والتحرير النهائي في يد صانع المحتوى.

وتشدد المنصة على أن العنصر البشري يظل العامل الحاسم في تقييم أهلية الفيديو لتحقيق الدخل، سواء من خلال التحليل، أو الشرح، أو التصوير الأصلي، أو التجارب، أو المقابلات، أو أي إضافة تجعل المحتوى مختلفاً عن المواد التي يمكن إنتاجها بصورة آلية.

مستر بيست يدخل التاريخ.. أول صانع محتوى يتجاوز 500 مليون مشترك على يوتيوب - موقع 24سجّل صانع المحتوى الأمريكي الشهير مستر بيست (جيمي دونالدسون) إنجازاً تاريخياً جديداً على منصة يوتيوب، بعدما أصبح أول صانع محتوى يتجاوز حاجز 500 مليون مشترك، في رقم قياسي غير مسبوق يعكس حجم شعبيته العالمية وتأثيره المتنامي في صناعة المحتوى الرقمي.

في الوقت ذاته، توضح يوتيوب أن الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يحسم مصير الإعلانات على الفيديو؛ فلا يؤدي وحده إلى حرمانه من تحقيق الدخل، كما لا يضمن له الاحتفاظ به، إذ يخضع المحتوى في النهاية لمعايير التقييم المعتمدة لدى المنصة.

في المقابل، يؤدي عدم الإفصاح عن المحتوى الاصطناعي إلى اتخاذ إجراءات ضد القناة، خاصة إذا تعلق الأمر بموضوعات مثل الانتخابات أو الكوارث أو النزاعات أو القضايا الصحية والمالية، لما قد يترتب عليها من تضليل للمشاهدين.

كيف تتجنب فقدان الإعلانات؟

ولتجنب فقدان أهلية تحقيق الدخل، تنصح يوتيوب صناع المحتوى بمراجعة القناة بشكل منتظم، وعدم التركيز فقط على الفيديوهات الجديدة، إذ يعتمد تقييم المنصة على الصورة العامة للمحتوى وطبيعة النمط الذي تتبعه القناة بالكامل.

كما تشجع على الاعتماد على مصادر موثوقة وتوثيق المعلومات المستخدمة، مع إضافة قيمة واضحة في كل فيديو من خلال التحليل أو التعليق أو التجارب الأصلية، إلى جانب التأكد من أن العناوين والصور المصغرة تعكس مضمون المحتوى بدقة، بعيداً عن المبالغة أو تقديم وعود لا يقدمها الفيديو فعلياً.

لأول مرة.. يوتيوب يزيح نتفليكس من صدارة وقت المشاهدة اليومية عالمياً - موقع 24سجّل موقع يوتيوب إنجازاً جديداً في سوق الفيديو الرقمي بعدما تفوّق للمرة الأولى على منصة نتفليكس من حيث متوسط وقت المشاهدة اليومي عالمياً، ليصبح المنصة الأكثر استحواذاً على انتباه المستخدمين حول العالم خلال عام 2025.

وتولي المنصة اهتماماً خاصاً بالمقاطع الأكثر مشاهدة، باعتبارها جزءاً أساسياً من الصورة التي تُقيّم على أساسها القناة، لذلك توصي بمراجعة هذه الفيديوهات وإعادة تطوير أو حذف المحتوى الذي يعتمد على التكرار أو يفتقر إلى إضافة تحريرية واضحة.

وفي النهاية، تؤكد يوتيوب أن الذكاء الاصطناعي سيظل أداة مهمة في مستقبل صناعة المحتوى، لكنه لا يمكن أن يحل محل دور صانع المحتوى؛ فالقنوات التي تقدم رؤية خاصة وتحليلاً وتجارب يصعب تكرارها ستظل الأكثر قدرة على الحفاظ على عائداتها، بينما يرتفع خطر فقدان الإعلانات عندما يتحول الذكاء الاصطناعي من وسيلة مساعدة إلى بديل كامل عن الإبداع البشري.

مقالات مشابهة

  • تعزيز أمن وخصوصية البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي بالمجلس القومي للمرأة
  • الذكاء الاصطناعي الخفي يهدد بتسريب بيانات الشركات
  • حرب الرقائق تشعل سباق الذكاء الاصطناعي بين الصين وأمريكا
  • تبخر 800 مليار دولار بيوم واحد.. الذكاء الاصطناعي يهز عرش عمالقة التكنولوجيا
  • بأكثر من 2%.. تراجع مؤشر نيكي بفعل مخاوف الإنفاق على الذكاء الاصطناعي
  • ماسك يتوقع تفوق الذكاء الاصطناعي على البشرية خلال عقد
  • ماذا لو فشل برشلونة في ضم ألفاريز؟.. الذكاء الاصطناعي يحدد 5 بدائل
  • هل يهدد الذكاء الاصطناعي أرباح صناع المحتوى على يوتيوب؟
  • جامعة الدول العربية وملف الذكاء الاصطناعي
  • بنك إسرائيلي يتخلص من مدرائه بعد اعتماده على الذكاء الاصطناعي