مقال بهآرتس: إسرائيل تسمح بقتل 100 مدني لأجل اغتيال قائد بحماس
تاريخ النشر: 1st, June 2025 GMT
في مقال لاذع نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية، وجّه الكاتب الإسرائيلي ياجيل ليفي نقدًا حادًا لخطابي النخبة السياسية والعسكرية في إسرائيل بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
واعتبر المقال المعنون بـ"شباشبهم، هواياتنا" أن كلا من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والجنرال السابق يائير غولان يتقاسمان تجاهلا متعمدا لطبيعة العنف المنظم الذي استهدف المدنيين الفلسطينيين في تلك الحرب، في محاولة منهم لإعفاء أنفسهم من المسؤولية التاريخية والأخلاقية.
واستهل ليفي، الذي سبق وكشف عن السرقات التي ينفذها جنود الاحتلال خلال عملياتهم بغزة، مقاله بالعودة إلى ما وصفه بـ"زلات لسان" السياسيين، قائلا إن نتنياهو اختار في أعقاب الهجوم أن يُركّز على تفاصيل سطحية تفتقر للعمق التحليلي، حين قال: "لقد هاجمونا بالنعال وبنادق الكلاشينكوف والشاحنات الصغيرة"، بينما صرّح يائير غولان بأن "الدولة العاقلة.. لا تقتل الأطفال كهواية".
ورأى الكاتب أن بين هاتين العبارتين المتناقضتين في الظاهر، قاسما مشتركا عميقا يتمثل في "ما تجاهله الطرفان، وما يخدمه هذا التجاهل"، معتبرا أن ذلك يمثل شكلا من أشكال "التناسي المصمَّم" الذي يخدم غايات سياسية وشخصية.
إعلان
وحسب ليفي، فإن كلا من نتنياهو وغولان تجاهلا الطبيعة المنظمة للعنف الذي انخرط فيه الطرفان. فنتنياهو، من جهته، تجاهل حقيقة أن حماس بنت على مدى سنوات آلة حرب منظمة وقوية، دون أن يتخذ أي إجراءات سياسية أو عسكرية لوقف تنامي هذه القوة التي تمكنت في صباح الهجوم من تحقيق تفوق على الجيش الإسرائيلي.
وأضاف أن نتنياهو فضّل التركيز على "الهجوم العفوي" الذي نفذته "الموجة الثالثة" من هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، والتي جاءت عقب نداء من يحيى السنوار لجمهور غزة باجتياز السياج والاستفادة من النجاح الأولي، وهو ما ساعد في تسويق صورة المهاجمين كـ"متقلبين حفاة" بدلًا من مقاتلين ضمن تنظيم مدرب.
ولم يستثن الكاتب زعيم حزب الديمقراطيين الإسرائيلي يائير غولان، الذي كان قد شغل منصب نائب رئيس الأركان، فاتهمه بتجاهل الجانب المنظم لآلة الحرب الإسرائيلية، مشددًا على أن "الجيش لا يقتل المدنيين كهواية أو عبثا"، بل يفعل ذلك ضمن منظومة محسوبة "تعتبر القتل ضروريا لخدمة أهداف معينة".
وسلط ليفي الضوء على سياسة اعتمدها الجيش في بداية الحرب، كانت تقضي بالسماح بقتل ما يصل إلى 20 مدنيًا خلال غارة تستهدف عنصرا في حماس، وبقتل 100 مدني إذا كان المستهدف قائدا بارزا، وقال إن هذه الأرقام لم تكن نتيجة انفلات أو انحراف، بل هي تعبير عن "تخطيط منظم" تم تحت غطاء قانوني وعسكري، وهو ما لا يمكن تبريره تحت غطاء "الهواية" كما لمح غولان.
وذكّر الكاتب بأن غولان نفسه كان شريكا في تأسيس هذه الآلة العسكرية، مشيرًا إلى أن من يتحدث اليوم عن "طهارة السلاح" كان في الماضي جزءًا من القيادات التي أرست قواعد تلك السياسات، ومنها الهجمات المتكررة على مناطق مأهولة بالسكان في الحروب السابقة على غزة.
إعلانويلفت ليفي النظر إلى محاولة معسكر يسار الوسط، الذي ينتمي إليه غولان، التنصّل من مسؤولية الانتهاكات عبر تحميلها لـ"المحاربين ذوي الياقات الزرقاء"، في إشارة إلى الجنود القادمين من خلفيات يمينية ودينية شعبية، والذين يشكلون اليوم العمود الفقري للقوات البرية.
ويضيف أن الليبراليين في إسرائيل ينسبون الوحشية في الميدان إلى هؤلاء المقاتلين، بينما يتناسون أن القيادة العسكرية العليا، التي تضم شخصيات من الوسط واليسار، هي من وضعت أسس هذا النهج العسكري، بما في ذلك قواعد الاشتباك والسياسات المتعلقة باستهداف المدنيين.
فشل الجيش
وفي نقده للخطاب السياسي السائد بعد الحرب، يربط الكاتب بين ما يسميه "نسيانا مقصودا" وانعدام الرغبة في تحمّل المسؤولية. ويرى أن الخطاب العام يركز على زلات اللسان ويهمل "نواة الحقيقة" التي تحتويها تلك التصريحات، مما يؤدي إلى تغييب النقاش الجاد حول إخفاقات الجيش وفقدانه السيطرة على قواته، خاصة في المراحل الأولى للهجوم.
وقال إن فقدان السيطرة، وتعاظم نفوذ القيادات القومية، عزز مظاهر "إطلاق النار بدافع الانتقام أو لخلق بطولات شخصية"، وهو ما تثبته مقاطع الفيديو التي ينشرها الجنود أنفسهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وختم ليفي مقاله بالقول إن عبارة نتنياهو عن "الشباشب"، رغم كونها مهينة في ظاهرها، يجب أن تستدعي تأملًا في الإخفاق الحقيقي الذي مُني به الجيش في السابع من أكتوبر/تشرين الأول. فالجيش، كما يوضح، لم يُفاجأ فحسب، بل فشل في صد الهجوم أو إجلاء قواته في الوقت المناسب من البلدات التي اجتاحها المقاتلون الفلسطينيون.
ووصف "الموجة الثالثة من هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول" بأنها "تعبير رمزي مؤلم عن فشل الجيش"، مشددًا على أن هذا الفشل لا يقع على كاهل القيادة السياسية فقط، بل يُعد "مسؤولية الجيش بالدرجة الأولى"، وهو ما يُصرّ الخطاب الإسرائيلي الرسمي على إنكاره أو تغطيته بزلات لسان إعلامية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات أکتوبر تشرین الأول وهو ما
إقرأ أيضاً:
الجار الذي لا يخالط جيرانه
أصبح الناس لا يهتمون كثيرًا بتوطيد علاقاتهم بجيرانهم، بل يحاولون وضع الحواجز المرتفعة التي تحجب عنهم الاحتكاك بمن حولهم، على الرغم من أننا ندرك بأن ليس كل الجيران "سيئين"، فالأغلب قد يكونون سندًا وعونًا لمن يستنجد بهم، لكن السؤال: لماذا لا يختلط البعض بجيرانهم كعلاقة اجتماعية بناءة؟
منذ أيام كان يتحدث لي أحد الزملاء عن سر القطيعة التي تغلب على بعض علاقته بجيرانه، سرد لي بعض المواقف التي حاول فيها إقامة علاقة ود معهم، لكن كل محاولاته باءت بـ"الفشل".
تحدث عن مساعيه، ثم عقد مقارنة بسيطة ما بين الطابع الغالب على الناس في المدينة والمناطق البعيدة، واعترف بأن أغلب القرى، أو لنقل المناطق والولايات، تؤسس معنى العائلة الواحدة بحكم أنهم أقرباء، ولذا فإن جسور التواصل الأسري ممتدة في جذورها، ولكن اختفاء هذا الأمر في المدينة لا بد أن له أسبابًا ومسببات، لكنه عاد ليتساءل عن نشوء حالة من عدم تقبل بعض الجيران الحديث مع جيرانهم.
أكد بأن البعض يعيش حالة الانعزال التام، ليس فقط على مستواه الشخصي، ولكن تمتد حتى إلى أطفاله وأفراد عائلته.
قال بأنه أمضى وقتًا طويلًا منذ أن أتى إلى المدينة في حقبة التسعينيات من القرن الماضي، ثم تنقل في أماكن عيش عديدة، لكنه استقر في مسكنه الحالي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وحتى اليوم لا يعرف أسماء الأشخاص الذين يسكنون إلى جانبه، رغم أنها منازل لعائلات وليست شققًا يسكنها الغرباء فترة ويرحلون.
قال بأن الصدف هي من تجمعه ببعض جيرانه، البعض يرد عليه التحية، والبعض الآخر لا يعيره أي اهتمام!
لم أكن مستغربًا مما قاله، فحياة المدن كما أعلمها جيدًا لها طابعها المختلف عن القرى، لكن السؤال: لماذا ينفر الجيران من بعضهم البعض؟
في نظري، بعض الجيران في المدن يدركون بأنهم خليط تجمعوا في نقطة معينة، ولكل منهم ثقافته وسماته وأفكاره التي استمدها من طابع حياته الماضية، لذا يؤثرون عدم الاحتكاك بالآخرين.
أما البعض الآخر فيرى بأن مستواه الاجتماعي لا يسمح له بالتجانس مع الذين يسكنون إلى جانبه، حتى لا يسألوه في خدمة أو يثقلوا عليه في أمر، والنوع الآخر من الجيران يرى بأن من مقتضيات الخصوصية قطع أي علاقة إنسانية مع الجيران، لذا فهو لا يتداخل أو يتواصل معهم نهائيًا.
وسواء كانت النظرة الأولى أو الثانية أو الثالثة صحيحة، فإن الواقع يتحدث عن نظرة بعض الناس إلى بعضهم البعض، ليست بمستوى واحد، وهي ما تجعلهم لا يتقبلون فكرة الاختلاط مع الجيران أو التداخل على المستوى العائلي، وهذه النتيجة التي توصلت إليها ينفيها الكثير ممن تحدثت معهم حول هذه النقطة، والذين يؤكدون بأنه طبع في بعض البشر، يفضلون العزلة دون سواها.
زميل آخر طرح مبررًا مختلفًا، معتبرًا أن القطيعة في العلاقات ما بين الجيران ترجع إلى كثرة المشاغل اليومية لبعض الناس، وعدم وجود فرصة للالتقاء بالجيران أو التواصل معهم، ولكن هذه النظرة لم تقنعني كثيرًا، لأن الواقع الذي أعرفه من زملاء آخرين يؤكد بأنهم يلتقون بجيرانهم بشكل مستمر، حتى ولو على فترات متقطعة، حتى إن بعضهم يحرص على السؤال عن جيرانه إذا افتقد وجودهم في المكان.
من الملاحظ أن المناسبات الدينية لم تعد لها مكانة عند بعض الجيران، فمثلًا في رمضان لا يتبادلون الأطباق الرمضانية، فالكل متقوقع على نفسه، وكأنه يعيش في عالم منعزل، بينما العادات والتقاليد القديمة كانت تؤصل فكرة التزاور، وتبادل الأطعمة، والسؤال عن الجيران والاطمئنان عليهم بشكل دائم.