لبنان ٢٤:
2026-06-03@07:32:18 GMT

انطباعات شخصية...مش ماشي الحال

تاريخ النشر: 10th, June 2025 GMT

لم تكن زياتي للبنان هذه المرّة زيارة سياحية كما يفعل جميع اللبنانيين المغتربين. هي جزء من ضمن عملي الإعلامي المهني. فعلى رغم أنني أعيش يومياتي الاغترابية في مونتريال فأنا ما زلت أعيش في وطني الساكن في كل مسامي. أتابع دقائق الحياة السياسية وتفاصيلها لحظة بلحظة، ولكن هذه المتابعة تبقى ناقصة، لأن الناظر إلى الأمور من بعيد لديه انشغالات أخرى تختلف عن ذاك الذي يعيش في خضمّ الأحداث اللبنانية اليومية.

صحيح أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تترك شاردة أو واردة حتى تنقلها بأدّق تفاصيلها إلى العالم كله. لكن هذا النقل يبقى غير كافٍ ما لم يصحبه عيش الحدث.
ولكي لا تبقى الأمور مبهمة أورد ما شعرت به عندما أغارت الطائرات الحربية الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية من بيروت ليلة عيد الأضحى المبارك. وهذا الشعور لم يخالجني وأنا بعيد عن الحدث آلاف الأميال. عندما سمعت أزيز القذائف التي استهدفت المباني، التي سبق لإسرائيل أن أنذرت بقصفها، حاولت أن أضع نفسي، ولو معنويًا، مكان سكّان هذه المباني المحدَّدة كأهداف إسرائيلية. كيف اضطّروا إلى ترك منازلهم واللجوء إلى أقرب مكان للاحتماء، وهم يعرفون أن ما تركوه لن يعودوا إليه مرّة ثانية بعد أن يصبح كومة من الحجارة والحديد والأثاث المهشّم، مع ما في هذه المنازل من ذكريات الطفولة ورائحة الأباء والأجداد.
عندما أتيت قبل شهر واسبوعين تقريبًا تكّون لدي انطباع أولي بأن البلاد سائرة، ولو بخطى وئيدة، نحو التحسّن التدريجي بعد انتخاب رئيس للجمهورية، وبعد تشكيل حكومة فيها من التناقضات السياسية ما أفسح في المجال أمام المحللين ليبنوا على هذه التناقضات السياسية ما يمكن التفاؤل به، خصوصًا أن خطاب القسم رسم خارطة طريق تفاؤلية اعتقد كثيرون أنه إذا استطاع الرئيس جوزاف عون، مع كل ما لاقاه من دعم خارجي وتأييد داخلي، تحقيق عشرة في المئة مما تعهد به في هذا الخطاب لأمكنه أن يحقّق نقلة نوعية في مسيرة النهوض. ويضاف إلى هذا الخطاب ما جاء في البيان الوزاري من خطوط عريضة لخطة التعافي ونقل لبنان من ضّفة الانهيار إلى ضفة أخرى يمكن أن تكون بمثابة الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل الإصلاحية. لكن شيئًا من هذا لم يحصل حتى الآن، وقد انقضى ما يقارب الثلاثين في المئة من عمر حكومة "الإصلاح والإنقاذ". وهذا الأمر أعادني إلى الواقع المعيوش غير المتطابقة مواصفاته مع ما تكّون لدي من انطباعات أولية ما لبثت أن تبخرت كفقاقيع صابون.
فالحركة السياسية تدور حول نفسها من دون تحقيق أي خرق يُذكر في جدار يقف حائلًا دون الوصول إلى الغايات المرجوة، خصوصًا أن انكفاء الولايات المتحدة الأميركية عن التدخل مباشرة أو عبر لجنة الرقابة الدولية المشرفة على تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار لدى إسرائيل لمنعها من توسيع غاراتها، كما حصل أخيراً في الضاحية الجنوبية لبيروت، بدأ يُقلق المسؤولين، الذين أملوا في أن تقف واشنطن إلى جانب لبنان في مطالبته بإلزام إسرائيل بتطبيق اتفاق وقف النار تمهيدًا لتطبيق فعلي للقرار 1701.
وعلى رغم ما تبّلغته المراجع الأميركية المعنية من معلومات تنفي استخدام "حزب الله" المباني، التي استهدفتها إسرائيل في الضاحية الجنوبية لتصنيع المسيَّرات، فإن مجرد توجيه واشنطن لتل أبيب اللوم لا يعيد إلى سكّان هذه المباني ما هدّمته الطائرات الحربية من تعب السنين وشقاء العمر في لحظات من الجنون.
إلا أن هذا اللوم الأميركي لإسرائيل لن يعفي واشنطن من مسؤوليتها الأدبية عن ممارسة أقصى الضغوط على حكومة نتنياهو لكي توقف اعتداءاتها في ضوء المخاوف من توسيعها بغياب الضوابط الرادعة لها التي تتلازم مع عدم تحرك لجنة الرقابة في مواكبتها للخروق لثني إسرائيل عن المضي فيها، خصوصاً بعدما اتخذ "حزب الله" قراره بالوقوف وراء الدولة اللبنانية في خيارها الديبلوماسي لإلزام إسرائيل بالانسحاب، ويمتنع عن الرد على خروقها لوقف إطلاق النا لألف سبب وسبب، ومن بينها على حدّ ما يقوله خصومه السياسيين عدم قدرته على الردّ لعلمه المسبق أن أي ردّ من قبله يعني عودة الحرب المفتوحة، التي يردّد أنه لا يخشاها ولكنه لا يسعى إليها.
فلبنان الرسمي يتمسك ببقاء لجنة الرقابة المشرفة على تطبيق وقف إطلاق النار، على رغم ما جاء في بيان قيادة الجيش، التي لوحّت بالامتناع عن مواكبتها للجنة بالكشف على المواقع لتفكيكها في حال تأكد أنها تستخدم من قِبَل الحزب لتخزين السلاح كجزء من بنيته العسكرية. فهذا البيان، وفق مصادر رسمية، يأتي في سياق حث قيادة الجيش على التدخل لدى إسرائيل لوقف خروقها ومنعها من توسيعها، في ظل المخاوف المشروعة من أنها تصب في خانة تسميم الأجواء وتعكيرها مع حلول فصل الصيف، الذي يتطلع إليه اللبنانيون لإعادة تحريك العجلة الاقتصادية وانتشال لبنان من حال الركود التي يتخبط فيها. المصدر: خاص "لبنان 24" مواضيع ذات صلة الأوراق انكشفت مسيحياً وقانون البلديات "مش ماشي" Lebanon 24 الأوراق انكشفت مسيحياً وقانون البلديات "مش ماشي" 10/06/2025 09:01:41 10/06/2025 09:01:41 Lebanon 24 Lebanon 24 مسؤول إسرائيلي: نتنياهو لديه انطباع بأن المفاوضات استنفدت Lebanon 24 مسؤول إسرائيلي: نتنياهو لديه انطباع بأن المفاوضات استنفدت 10/06/2025 09:01:41 10/06/2025 09:01:41 Lebanon 24 Lebanon 24 مسؤولون أميركيون: نشر نحو 700 عنصر من مشاة البحرية في لوس أنجلوس Lebanon 24 مسؤولون أميركيون: نشر نحو 700 عنصر من مشاة البحرية في لوس أنجلوس 10/06/2025 09:01:41 10/06/2025 09:01:41 Lebanon 24 Lebanon 24 شرطة لوس أنجلوس: وصول عناصر مشاة البحرية الأميركية يمثل تحدياً لوجستياً وعملياً كبيراً Lebanon 24 شرطة لوس أنجلوس: وصول عناصر مشاة البحرية الأميركية يمثل تحدياً لوجستياً وعملياً كبيراً 10/06/2025 09:01:41 10/06/2025 09:01:41 Lebanon 24 Lebanon 24 لبنان خاص مقالات لبنان24 قد يعجبك أيضاً أيوب ممثلة جعجع في العشاء السنوي للقوات -لندن: علينا المسارعةُ في حصرِ السلاحِ بيدِ الدولةِ والدولةِ فقط Lebanon 24 أيوب ممثلة جعجع في العشاء السنوي للقوات -لندن: علينا المسارعةُ في حصرِ السلاحِ بيدِ الدولةِ والدولةِ فقط 01:47 | 2025-06-10 10/06/2025 01:47:36 Lebanon 24 Lebanon 24 رفضا لزيادة أسعار المحروقات..قطع طرق الخميس! Lebanon 24 رفضا لزيادة أسعار المحروقات..قطع طرق الخميس! 01:45 | 2025-06-10 10/06/2025 01:45:00 Lebanon 24 Lebanon 24 مسيّرة إسرائيلية تستهدف أطراف شبعا وسقوط شهيدين Lebanon 24 مسيّرة إسرائيلية تستهدف أطراف شبعا وسقوط شهيدين 01:39 | 2025-06-10 10/06/2025 01:39:27 Lebanon 24 Lebanon 24 "التيار" لن يرشح حايك "تجنبا للانتحار" Lebanon 24 "التيار" لن يرشح حايك "تجنبا للانتحار" 01:30 | 2025-06-10 10/06/2025 01:30:00 Lebanon 24 Lebanon 24 الضغوط مستمرة بعد اورتاغوس Lebanon 24 الضغوط مستمرة بعد اورتاغوس 01:15 | 2025-06-10 10/06/2025 01:15:00 Lebanon 24 Lebanon 24 الأكثر قراءة بعدما أُدخِلَ إلى المستشفى للمرّة الثالثة وتدهورت صحّته... هذا وضع الفنان الشهير Lebanon 24 بعدما أُدخِلَ إلى المستشفى للمرّة الثالثة وتدهورت صحّته... هذا وضع الفنان الشهير 05:21 | 2025-06-09 09/06/2025 05:21:00 Lebanon 24 Lebanon 24 مُجدداً راغب علامة يُثير الجدل.. شاهدوا ماذا فعل مع المُعجبات (فيديو) Lebanon 24 مُجدداً راغب علامة يُثير الجدل.. شاهدوا ماذا فعل مع المُعجبات (فيديو) 03:20 | 2025-06-09 09/06/2025 03:20:06 Lebanon 24 Lebanon 24 بحفل بسيط.. ممثلة معروفة تحتفل بخطوبتها وتُطلق الزغاريد (فيديو) Lebanon 24 بحفل بسيط.. ممثلة معروفة تحتفل بخطوبتها وتُطلق الزغاريد (فيديو) 03:57 | 2025-06-09 09/06/2025 03:57:32 Lebanon 24 Lebanon 24 هو قياديّ... توقيف عميل في لبنان وهذا ما أبلغه إلى إسرائيل Lebanon 24 هو قياديّ... توقيف عميل في لبنان وهذا ما أبلغه إلى إسرائيل 06:27 | 2025-06-09 09/06/2025 06:27:39 Lebanon 24 Lebanon 24 ضابط إسرائيلي دخل لبنان.. هكذا تحدّث عن "حزب الله" ومصيره Lebanon 24 ضابط إسرائيلي دخل لبنان.. هكذا تحدّث عن "حزب الله" ومصيره 14:15 | 2025-06-09 09/06/2025 02:15:55 Lebanon 24 Lebanon 24 أخبارنا عبر بريدك الالكتروني بريد إلكتروني غير صالح إشترك عن الكاتب اندريه قصاص Andre Kassas أيضاً في لبنان 01:47 | 2025-06-10 أيوب ممثلة جعجع في العشاء السنوي للقوات -لندن: علينا المسارعةُ في حصرِ السلاحِ بيدِ الدولةِ والدولةِ فقط 01:45 | 2025-06-10 رفضا لزيادة أسعار المحروقات..قطع طرق الخميس! 01:39 | 2025-06-10 مسيّرة إسرائيلية تستهدف أطراف شبعا وسقوط شهيدين 01:30 | 2025-06-10 "التيار" لن يرشح حايك "تجنبا للانتحار" 01:15 | 2025-06-10 الضغوط مستمرة بعد اورتاغوس 01:00 | 2025-06-10 عون في الاردن للتشاور مع الملك عبدالله.. ولودريان في بيروت تحضيرا لـ "مؤتمر باريس" فيديو دموع الأسطورة.. رونالدو يبكي فرحًا بعد التتويج بلقب دوري الأمم الأوروبية (فيديو) Lebanon 24 دموع الأسطورة.. رونالدو يبكي فرحًا بعد التتويج بلقب دوري الأمم الأوروبية (فيديو) 01:39 | 2025-06-09 10/06/2025 09:01:41 Lebanon 24 Lebanon 24 حاسب جديد من Xiaomi .. هذه مواصفاته (فيديو) Lebanon 24 حاسب جديد من Xiaomi .. هذه مواصفاته (فيديو) 04:30 | 2025-06-08 10/06/2025 09:01:41 Lebanon 24 Lebanon 24 كانت تصرخ وتبكي بشكل هستيري وتستغيث.. زوجة فنان معروف تتهمه بسرقة ذهبها وأموالها (فيديو) Lebanon 24 كانت تصرخ وتبكي بشكل هستيري وتستغيث.. زوجة فنان معروف تتهمه بسرقة ذهبها وأموالها (فيديو) 03:15 | 2025-06-08 10/06/2025 09:01:41 Lebanon 24 Lebanon 24 Download our application مباشر الأبرز لبنان خاص إقتصاد عربي-دولي بلديات 2025 متفرقات أخبار عاجلة Download our application Follow Us Download our application بريد إلكتروني غير صالح Softimpact Privacy policy من نحن لإعلاناتكم للاتصال بالموقع Privacy policy جميع الحقوق محفوظة © Lebanon24

المصدر

المصدر: لبنان ٢٤

كلمات دلالية: مشاة البحریة لوس أنجلوس حزب الله

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • مصطفى الفقي: صعود الصين يحقق «توازن الرعب».. وسُمعة إسرائيل بلغت مستوى غير مسبوق من التراجع|فيديو
  • عن قصف الضاحية واستراتيجيّة إسرائيل في لبنان... ماذا أعلنت صحيفة أميركيّة؟
  • 500 شخصية دولية تدعم وثيقة «الاتحاد من أجل إيطاليا» لتعزيز الديمقراطية والحوار
  • بعد إعتقاله عصراً... إسرائيل تُطلق سراح يوسف علي يحي
  • إسرائيل تهدّد الحي المسيحي في صور...إليكم التفاصيل!
  • إسرائيل مستاءة... هذه كواليس الجلسة الأولى من المُفاوضات اللبنانيّة - الإسرائيليّة
  • غارات وقصف مدفعيّ... إسرائيل استهدفت هذه البلدات
  • على وقع نيران الجنوب.. إسرائيل تفاوض لبنان في واشنطن
  • بشأن لبنان... ماذا طلب المستشار الألماني من إسرائيل؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش