على نحو مفاجئ، أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على منطقة المثلث الحدودية بين السودان ومصر وليبيا بالتزامن مع بيان من القوات المسلحة السودانية تؤكد فيه انسحابها من الموقع تمهيدا لإعادة السيطرة عليه، متهمة قوات تابعة لحكومة شرق ليبيا بالهجوم على المنطقة والتوغل داخل الحدود السودانيةـ في تجاوز صريح للقانون الدولي، فما هي أهمية المثلث الحدودي بين السودان وليبيا ومصر؟

تبلغ مساحة جبل عوينات حوالي 490 كلم مربع، وهو جبل صغير منفصل داخل السودان في الناحية الجنوبية، ولكن المنطقة فيها سلسلة من الجبال تسمي العوينات؟ والاسم الجغرافي المسجل رسميا هو هضبة حسنين، على اسم الضابط المصري محمد بك حسنين الذي قام في 1923م برحلة استكشافية من الكفرة إلى دارفور.



وتتوزع المساحة بنسبة 10 في المئة في مصر، 50 في المئة في ليبيا، وبقية المساحة داخل السودان. وتتصل هذه الجبال بعدد من المراكز الحدودية. ففي مصر مركز الثعلب الحدودي شرق خط العرض 22 درجة، وفي ليبيا مركز شرطة عين زوية في الجانب الجنوبي الغربي من الجبل. أما في السودان فتسمى قرية المثلث في الجانب الجنوبي الشرقي، ولكنها بعيدة نسبيا من خط 22 الحدودي مع مصر.

النزاع الحديث في منطقة المثلث جزء من الصراع الإقليمي والدولي في المنطقة، وهو صراع مباشر بين حلفاء الدعم السريع وأصدقاء السودان، وصراع بالوكالة بين الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما وروسيا والصين؛ وسط مخاوف غربية من سيطرة روسيا على شواطئ بورتسودان والمناطق الغنية بالنفط والذهب في شمال وشرق السودان
وتعتبر قرية المثلث مركزا تجاريا للتعدين الأهلي المزدهر في المنطقة، تتوافر فيها استراحات ومطاعم وخدمات الإنترنت الفضائي ومحطات الخدمة العامة وصيانة السيارات والمتاجر البسيطة، ويمارس التجار فيها التجارة الحدودية والتواصل مع مناطق الشريط النيلي في شمال السودان؛ من وادي حلفا ودنقلا والدبة. ومع تطور التعدين الأهلي أصبحت منطقة اقتصادية جاذبة غنية بالذهب، وهدفا لقوات الدعم السريع التي كانت تتمركز في قاعدة "الشفرليت" قبل أن يسيطر عليها الجيش السوداني في الأسابيع الأولى لحرب الخامس عشر من نيسان/ أبريل، كما أنها ليست بعيدة عن الفاشر؛ حيث تفرض قوات الدعم السريع حصارا على المدينة وفشلت في إسقاطها بفضل الصمود الأسطوري للقوات المسلحة والقوات المشتركة والمقاومة الشعبية.

وظل قائد الدعم السريع حميدتي يتهم الجيش المصري بمساندة الجيش السوداني منذ هجومه في الثالث عشر من نيسان/ أبريل 2023 على مطار مروى شمال السودان بحجة وجود طيران مصري يستعد لمهاجمة قواته في الخرطوم، وبالفعل أسرت قوات الدعم السريع ضباطا مصريين كانوا ينفذون بروتكولا تدريبيا مع الجيش السوداني، ونقلتهم إلى الخرطوم قبل أن يتم إطلاق سراحهم لاحقا بواسطة الصليب الأحمر الدولي، وما زال قوات الدعم السريع تجدد اتهاماتها لمصر، حيث أشار حميدتي إلى ذلك في خطابه الأخير عدة مرات.

والواقع أن مصر لم تخف وقوفها مع مؤسسات الدولة السودانية وفي مقدمتها القوات المسلحة، الضامن الوحيد لسلامة أمن السودان وحدود مصر الجنوبية التي أصبحت مهددة بهجمات تحالف "حميدتي- حفتر"؛ التي وصفها مساعد وزير الخارجية المصري السابق السفير حسام عيسى بأنها محاولة لجر مصر لحرب السودان، وفتح جبهة جديدة على حدودها الجنوبية بالتزامن مع الحرب المدمرة في حدودها مع غزة.

من ناحيتها، أدانت حكومة الدبيبة المعترف بها دوليا في طرابلس تورط جماعات ليبية مسلحة في حرب السودان إلى جانب الدعم السريع، فيما نفت حكومة شرق ليبيا علاقتها بالهجمات رغم الاعترافات الموثقة لجنود ليبيين يتبعون للكتيبة السلفية تم أسرهم بواسطة الجيش السوداني في المعارك الأخيرة، كما أن الجيش السوداني أكد مشاركة "الجيش الوطني الليبي" بقيادة حفتر في الاعتداء على قواته في المثلث، متوعدا بالرد عليها في أقرب وقت.

وتبحث قوات الدعم السريع المتمردة عن جبهات جديدة للقتال وتهيئة مسارح جديدة للحرب لمنع متحركات الجيش السوداني المتأهبة من داخل إقليم كردفان للتقدم نحو الفاشر وفك الحصار عن المدينة التي تشهد أوضاعا مأساوية بالغة التعقيد بسبب الحصار والقصف المستمر من جانب الدعم السريع للمرافق الخدمية ومعسكرات النازحين والمستشفيات والاعتداءات المتكررة على القوافل الإنسانية التي تسيرها المنظمات الدولية لإغاثة سكان المدينة.

النزاع الحديث في منطقة المثلث جزء من الصراع الإقليمي والدولي في المنطقة، وهو صراع مباشر بين حلفاء الدعم السريع وأصدقاء السودان، وصراع بالوكالة بين الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما وروسيا والصين؛ وسط مخاوف غربية من سيطرة روسيا على شواطئ بورتسودان والمناطق الغنية بالنفط والذهب في شمال وشرق السودان.

وبنظرة سريعة على مواقف جوار السودان من الحرب المستمرة في عامها الثالث نجدها متباينة بين الحياد والانحياز لصالح الدعم السريع، بل إن بعضها أنشأ مواقع عسكرية له على الحدود السودانية تحت غطاء إنساني، بينما جاهرت مصر وإرتريا فقط بمواقفهما الداعمة للجيش والحكومة السودانية منذ انطلاق الحرب الحالية، في حين تتهم الحكومة السودانية تشاد صراحة بفتح أراضيها لقوات الدعم السريع لاستخدامها كقاعدة عسكرية ومستشفى لعلاج منسوبيها، وتشهد علاقة البلدين تدهَورا غير مسبوق في السنوات الأخيرة.

وليس بعيدا من تشاد فإن جمهورية النيجر كانت في صف الداعمين للدعم السريع نظرا للعلاقة الشخصية بين حميدتي والرئيس السابق محمد بازوم الذي حصل على دعم كبير من حميدتي لحملته الانتخابية، قبل أن تطيح به قيادة الجيش وتضعه قيد الإقامة الجبرية، ولم تفلح الضغوط الدولية والإقليمية بقيادة فرنسا والاتحاد الأفريقي ودول الجوار في إعادته للسلطة. وتتأرجح مواقف إثيوبيا التي كانت أول المستقبلين للمبعوث الشخصي لقائد الدعم السريع ثم استضافتها لحميدتي شخصيا وحلفائه في تحالف "صمود"، فضلا عن اجتماعات ومؤتمرات تغيبت عنها الحكومة السودانية لمساواتها بين الحكومة الشرعية والمتمردين.

وبنظرة سريعة على ردود الفعل في الدول الثلاث، ليبيا ومصر والسودان، فقد التأم مجلس الدفاع السوداني للوقوف على الأوضاع الأمنية في البلاد، وهو اجتماعه الأول بعد قطع العلاقات مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وغالبا ما تكون اجتماعاته مرتبطة بتطورات خارجية في مسار الحرب. ولم يصدر من الجانب الرسمي في مصر أي تعليق على الأحداث، وعلقت وزارة خارجية شرق ليبيا بالنفي على اتهامات الجيش السوداني بالانتشار داخل أراضيه، بينما يعتبر بعض مناصري حفتر أن ما يجري في الحدود السودانية الليبية محاولة لتشتيت جهود قوات حفتر التي تحاول دون جدوى الوصول إلى طرابلس منذ سنوات.

توغل قوات حفتر داخل الأراضي السودانية، يعرض المنطقة لحرب إقليمية بين دول المثلث وربما أكثر في القريب العاجل
وبالعودة إلى المواقف الإقليمية قبل اندلاع الحرب في السودان، تعد مصر حليفا استراتيجيا لخليفة حفتر في مشروعه الرامي للسيطرة على طرابلس وكامل التراب الليبي ضمن الصراع الإقليمي المستمر في المنطقة، لذا فإن التدخل العسكري المصري في منطقة المثلث مستبعد حاليا؛ كون الجيش السوداني قادر على استعادة السيطرة عليه، نظرا لأهميته الاقتصادية إلى جانب أنه المنفذ الرئيس لعمليات الهجرة غير الشرعية من مناطق القرن الأفريقي تجاه القارة الأوروبية، مما دفع الدول المستقبلية للمهاجرين لتوقيع اتفاق عُرف بعملية الخرطوم (Khartoum poroses) للحد من تدفق المهاجرين عبر السودان.

ويعبر كثير من السودانيين عن قلقهم من مشاركة قوات خليفة حفتر إلى جانب الدعم السريع في حرب السودان، ويعتبرونها محاولة لإعادة الروح لقوات الدعم السريع بعد الهزائم المتكررة التي منيت بها، حتى أصبحت تقاتل على الحدود السودانية الليبية بعد أن كانت قواتها تتمركز في القصر الجمهوري وسط الخرطوم قبل نحو شهرين، كما تواجه الحملة التي يقودها نائب حميدتي وشقيقه عبد الرحيم دقلو لإعادة بناء قواته؛ صعوبات تتمثل في رفض الإدارات الأهلية وزعماء العشائر في دارفور الزج بأبنائهم في العام الثالث من الحرب بعد المصير المجهول للمئات من قوات الدعم السريع الذين قتلوا في معارك العامين الماضيين؛ إلى جانب الآلاف من المصابين الذين يعانون الإهمال والوعود الكاذبة بالعلاج خارج السودان.

عموما، فإن توغل قوات حفتر داخل الأراضي السودانية، يعرض المنطقة لحرب إقليمية بين دول المثلث وربما أكثر في القريب العاجل.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الدعم السريع السودان ليبيا المصري حفتر ليبيا مصر السودان حفتر الدعم السريع قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد صحافة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة قوات الدعم السریع الحدود السودانیة الجیش السودانی منطقة المثلث فی المنطقة إلى جانب

إقرأ أيضاً:

منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات بالسودان

يكافح النازحون السودانيون يوميا لتأمين احتياجاتهم الأساسية، فيما لا يتمكن  برنامج الأغذية العالمي  من سد احتياجات سوى 50% من المحتاجين، بينما تحذر منظمات الأمم المتحدة من النقص الحاد في الغذاء والمياه والرعاية الصحية.

ووفقا لمداخلة مراسل الجزيرة أسامة سيد أحمد فإن مئات الآلاف من النازحين في مخيمات السودان يعيشون أوضاعا إنسانية "مأساوية"، وسط نقص حاد في مياه الشرب والغذاء والدواء، موضحا أن استمرار تدفق النازحين من مناطق القتال على المخيمات المكتظة أصلا يزيد الوضع سوءا.

وأشار إلى أن النازحين يعانون من نقص حاد في كل مقومات الحياة، خاصة مياه الشرب النقية التي تفتقر إليها كل المخيمات، رغم استمرار تحذيرات المنظمات الإنسانية والأممية من تفاقم الأوضاع.

وتطرق سيد أحمد إلى تقرير غرفة الطوارئ في منطقة طينة – المتاخمة للحدود التشادية – الذي يؤكد أن عشرات الآلاف من النازحين يتعرضون لأزمات إنسانية متلاحقة، بينما لا تتمكن المنطقة من توفير أكثر من 200 برميل فقط من مياه الشرب الصالحة، وهو رقم لا يلبي سوى جزء ضئيل من الاحتياجات اليومية للنازحين.

عجز برنامج الأغذية العالمي

ومن جهته، أعلن برنامج الأغذية العالمي عن عجزه عن توفير الغذاء إلا لنحو 50% من المحتاجين، بسبب تراجع الدعم الدولي وتزايد أعداد النازحين.

ويعكس هذا الرقم – وفقا لسيد أحمد – كارثة إنسانية تلوح في الأفق، حيث يتضاعف عدد الجائعين في مخيمات السودان مع استمرار الحرب وتدفق النازحين من جبهات القتال في عدة ولايات.

ويضيف مراسل الجزيرة أن الحرب في السودان تسببت في نزوح 9 ملايين شخص داخليا، وتدفق مليونين آخرين إلى دول الجوار، مما يجعل الأزمة السودانية واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، كما وصفتها منظمات دولية.

ويخلص سيد أحمد إلى أن المجتمع الدولي يواجه اختبارا حقيقيا في التزامه بمعايير حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، وأن غياب الاستجابة الدولية الفاعلة لهذه الأزمة يهدد بتحويل الوضع إلى مأساة إنسانية لا تحمد عقباها، خاصة مع تعثر جهود الوساطة واستمرار الحرب التي تزيد من معاناة المدنيين وتعمق جراح السودان.

عودة طوعية

وفي إطار الجهود المبذولة لإعادة بعض النازحين إلى قراهم التي هربوا منها، تمكنت نحو 5 آلاف أسرة من مغادرة مدينة الدمازين بإقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان – في منتصف الشهر الحالي – والعودة إلى ديارهم رغم وصول نازحين جدد فروا من بيوتهم بسبب المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

إعلان

ووفقا لمسؤول تحدث للجزيرة، فقد عاد نحو 80 ألفا إلى المدينة من أصل 100 ألف غادروها إبان هجوم الدعم السريع عليها عام 2024، فيما يترقب آخرون بحذر العودة إلى مدينتي قيسان والكرمك بعد إعلان الجيش مؤخرا استعادة السيطرة عليهما.

لكن آخرين لم يتمكنوا من العودة إلى ديارهم، ولا يزالون عالقين في مخيم الكرامة بالدمازين التي قالت مفوضة العون الإنساني بإقليم النيل الأزرق قسمة عبد الكريم للجزيرة، إنها لا تزال تستقبل نازحين جددا.

ويشهد السودان وضعا صحيا حرجا يتفاقم يوما بعد يوم، إذ تشير التقارير الأممية إلى حاجة نحو 30 مليون سوداني إلى المساعدة الصحية العاجلة، في وقت تواجه فيه المنظمات صعوبة في الوصول الإنساني ونقصا في التمويل.

مقالات مشابهة

  • الخارجية الأمريكية : الجيش السوداني استخدم الكيماوي في العام 2024
  • منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات بالسودان
  • 1.5 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد السوداني.. تفاصيل صفقة مرتقبة
  • وزير الدفاع السوداني: الجيش يحقق تقدماً في 3 ولايات والدعم السريع يعيش حالة تشظٍ
  • إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «7-10»: نحو جيل جديد من الأحزاب
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان
  • لقاء سري في بريطانيا يجمع الإمارات بـالدعم السريع.. الخرطوم تحتج
  • مقتل 6 سودانيين بينهم طفلان بغارة على سوق شمالي كردفان
  • السودان.. انتقال القتال إلى الأُبَيِّض يفاقم المخاطر العسكرية والإنسانية