كيف تحاول إسرائيل استغلال الملف الدرزي لتقسيم سوريا؟
تاريخ النشر: 20th, June 2025 GMT
منذ سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، بدأت تظهر على السطح المشكلة الدرزية في المشهد السياسي كجزء من المشاكل الطائفية والعرقية المركبة التي يواجهها النظام الجديد في سوريا.
(1) النشأة والعقيدة والوجود
الموحدون أو الدروز، مصطلح يطلق على الطائفة الدينية التي نشأت في عام 1017 ميلادي في عهد الدولة الفاطمية على يد محمد بن إسماعيل الدرزي.
تعتبر الطائفة الدرزية من الفرق الباطنية التي انشقت عن المذهب الإسماعيلي الشيعي، وكتابهم المقدس هو رسائل الحكمة أو الرسائل المقدسة وهي 111 رسالة تنسب كتابتها إلى قادة الطائفة الأوائل وعلى رأسهم حمزة بن محمد بن علي الدرزي، وهي رسائل سرية تحتوي على عقائد الطائفة الدرزية ولا يطلع عليها إلا عقّال الطائفة ورجال دينها. كما تم تقسيم المجتمع الدرزي إلى فئة العقّال وهم القادة الروحانيون الملمون بالعلوم الدينية للطائفة الدرزية، وفئة الجهال وهم عوام الناس الذين لم يتلقوا العلوم والمعارف الدينية الدرزية، كما يعتبر الدروز القرآن الكريم أحد الكتب المقدسة ويرون أن له تفسيرات ظاهرية وتفسيرات باطنية.
يتواجد الدروز في بلاد الشام، ويعتبر أكبر وجود لهم في سوريا، إذ يبلغ عددهم ما بين 700 إلى 800 ألف نسمة، ويشكلون تقريبا 3 في المئة من الشعب السوري، ويتمركزون بشكل رئيس في السويداء (جبل العرب) ومنطقة صحنايا وجرمانا في ريف دمشق. كما يعتبر ثاني أكبر تجمع لهم في لبنان، ويبلغ عددهم ربع مليون نسمة تقريبا ويشكلون أقل من 7 في المئة من عدد السكان في لبنان. كما يتواجدون في الداخل الفلسطيني المحتل ويبلغ عددهم 143 ألف نسمة تقريبا ويمثلون 1.6 في المئة من التركيبة السكانية الإسرائيلية، وجميعهم يحمل الجنسية الإسرائيلية. ويتواجد في الجولان السوري المحتل ما يقارب 25 ألف نسمة تقريبا يرفض معظمهم الحصول على الجنسية الإسرائيلية، إذ تقدر أن نسبة من حصل على الجنسية الإسرائيلية لا يتجاوز 20 في المئة من دروز الجولان المحتل منذ أن احتلته إسرائيل في حرب عام 1967، كما يتواجد الدروز في الأردن بأعداد تقدر ما بين 12 إلى 25 ألف نسمة وهم أقل من نصف في المئة من المجتمع الأردني.
(2) كيف تحاول إسرائيل استغلال الوجود الدرزي في سوريا؟
للكيان الصهيوني كثير من المطامع في سوريا، تريد منها تحقيق أهدافها بما يحقق مصالح إسرائيل ويحقق لها مزيدا من الأمن والتوسع الجغرافي والسياسي والاقتصادي في المنطقة.
في الوقت الذي أعلنت فيه قوات الثورة في دمشق إسقاط نظام الأسد، كان للجيش الإسرائيلي بنك من الأهداف العسكرية ضد الجيش السوري، إذ نفذ سلاح الجو الإسرائيلي أكثر من 300 غارة جوية دمرت أكثر من 70 في المئة من مقدرات الجيش السوري في كل القطاعات البرية والجوية والبحرية. فإسرائيل تعلم تماما أن هناك فرقا بين أن تملك الأسلحة وبين أن تملك القدرة على استخدامه، وأن النظام الجديد ذا المرجعية الإسلامية يمكن أن يستخدم تلك الأسلحة ضدها وبما يهدد أمنها واستقرارها، على خلاف النظام السابق الذي كان يستخدم فكرة معاداة إسرائيل لغايات الخطاب الداخلي وإحكام السيطرة على السلطة.
لكن تدمير قوات الجيش السوري لا يكفي من وجهة نظر إسرائيل لتوفير الحماية الكافية من النظام السوري الجديد، فهي تريد تحقيق المزيد من الأهداف التي تضعف الدولة السورية وتجعل لإسرائيل دورا كبيرا ومؤثرا في الداخل السوري، فوجدت إسرائيل في المكون الدرزي والكردي فرصة لتحقيق أكثر من هدف سياسي وعسكري، فعمدت إلى إدارة الملف بالعبث بالمكونات الطائفية والعرقية السورية..
قامت إسرائيل بتغذية شعور عدم الثقة بين بعض رجال الدين (العقّال) الدروز والإدارة السورية الجديدة، كما عملت على محاولة تعزيز الثقة بين المكون الدرزي السوري ودولة إسرائيل من خلال تسهيل الزيارة لرجال الدين من دروز سوريا إلى مقام النبي شعيب قرب طبريا، وقد شارك في تلك الزيارات التي نُظمت في آذار/ مارس من هذا العام 150 رجل دين درزيا، وشارك في زيارة نيسان/ أبريل أيضا أكثر من 600 رجل دين درزي بدعوة من الشيخ الدرزي الإسرائيلي موفق طريف.
ترافق ذلك مع تصريحات لقيادات عسكرية وسياسية إسرائيلية بأن إسرائيل معنية بحماية الأقلية الدرزية في الجنوب السوري، وقامت بقصف مواقع قرب القصر الرئاسي في دمشق كرسالة من إسرائيل للدروز أننا قادرون على حمايتكم ورعاية مصالحكم في وجه النظام الجديد، مما انعكس على تصريحات الشيخ الدرزي البارز في سوريا حكمت الهجري والذي صرح بأن إسرائيل ليست عدوا.
كما تسعى إسرائيل إلى دعم أي حركة انفصال أو حكم ذاتي للدروز في السويداء، رغم وجود مناطق سورية تفصل بينها وبين السويداء، إذ ترى إسرائيل أن إقامة مثل تلك الدويلة الطائفية سوف يغذي الطموح الكردي في المطالبة بحكم ذاتي في شمال شرق سوريا، وتقسيم سوريا إلى دويلات عرقية وطائفية، ويربط بين تلك الدويلات ممر بري يطلق عليه ممر ديفيد الذي تحدثت عنه الصحافة الأجنبية، والذي يسعى إلى ربط إسرائيل عبر هضبة الجولان مرورا ببعض مناطق درعا والسويداء ومنطقة التنف على الحدود السورية العراقية، وصولا إلى المناطق التي يسيطر عليها الكرد، وبذلك يكون لإسرائيل اتصال جغرافي بدولة أو حكم ذاتي درزي وحكم ذاتي كردي يربط بينهما ممر بري تسيطر عليه وتحميه إسرائيل، مما يشكل مناطق جغرافية طبيعية عازلة بينها وبين النظام السوري الجديد، ويعطي لإسرائيل تفوقا عسكريا كبيرا في مواجهة النظام الجديد ومحاولات تركيا في توسيع نفوذها في سوريا الجديدة.
من المفارقات السياسية في المنطقة أن إسرائيل وإيران تتفقان في تغذية شعور الانفصال أو الحكم الذاتي الدرزي والكردي والعلوي، إذ تعتبر إيران أن الدروز هم امتداد للمذهب الشيعي وأن إثارة النزعات الطائفية في سوريا هو جزء من مخطط لإفشال النظام السوري الجديد، وهذا ما كشفت عنه دراسة استقصائية منشورة لـ"BBC" تتحدث عن شبكات خارجية تغذي الطائفية وخطاب الكراهية في سوريا، إذ كشفت الدراسة عن تحليل 400 ألف منشور متعلقة بحملات تضليل وخطاب كراهية من قبل منتقدي الإدارة السورية وتبين الدراسة أن 60 في المئة من تلك المنشورات صادرة من حسابات موقعها الجغرافي العراق واليمن ولبنان وإيران.
(3) كيف تتعامل الإدارة السورية مع تلك التحديات؟
تسعى الإدارة السورية الجديدة للبلاد إلى محاولات دمج محافظة السويداء ضمن مؤسسات الدولة السورية، وذلك من خلال دعم اندماج التشكيلات العسكرية الدرزية، وأبرزها رجال الكرامة بقيادة ليث البلعوس ولواء الجبل بقيادة شكيب عزام، كجزء من 5 تشكيلات عسكرية بارزة نشأت أثناء الثورة السورية لحماية الطائفة الدرزية في السويداء وعدم مشاركة أبنائها في جيش النظام ضد الثورة، وهي تشكيلات مسلحة تملك قطعا من السلاح الخفيف والمتوسط.
كما تسعى الإدارة السورية الجديدة إلى تعزيز الثقة بينها وبين الطائفة الدرزية؛ من خلال تعزيز مشاركة أبناء الطائفة في الحياة السياسية ودمجهم في الدولة السورية والتأكيد على عروبة الطائفة الدرزية باعتبارها جزءا من الجمهورية العربية السورية. هذه السياسة أفضت قبل أيام إلى إصدار القيادات الروحية ممثلة بالشيخ حكمت الهجري والشيخ يوسف الجربوع والشيخ حمود الحناوي بيانا جماعيا، إذ أكد الشيخ الجربوع بأن السويداء تتبع للدولة السورية وأن التدخل الأجنبي والحماية الخارجية لا يحقق الاستقرار وأن طلب الحماية الخارجية هو رأي شخصي لا يمثل الطائفة الدرزية، وأن الدروز سيكونون جزءا من الدولة ونظامها السياسي سواء كانت دولة مركزية أو فيدرالية، وأن الفصائل المسلحة سوف تنتظم في الجيش السوري في مراحل لاحقة، وأن إسرائيل تحاول أن تستخدمهم الدروز مظلة وورقة ضغط لتحقيق أهدافها السياسية في سوريا.
كما عملت الإدارة السورية لقطع الطريق أمام أي حركات انفصالية أو حكم ذاتي في سوريا تمهيدا لتقسيمها، فوقعت في آذار/ مارس الماضي على اتفاق مع القوات الكردية المسيطرة على شمال شرق سوريا بدمج المؤسسات المدنية والعسكرية التي تديرها القوات الكردية ضمن إدارة الدولة السورية الجديدة، بما في ذلك حقول النفط والغاز والمطارات والحدود التي تربطها مع الدول المجاورة، لتكون تلك المناطق جزءا من الجمهورية العربية السورية.
كما أعلن الرئيس أحمد الشرع عن فتح خط تفاوض غير مباشر مع إسرائيل فيما يتعلق بالتوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري وسيطرتها على بعض المناطق، وأكد الشرع في مؤتمره الصحفي في باريس وأن المفاوضات تجري لمحاولة امتصاص الوضع المتوتر بينهما وفقدان السيطرة بعد انتهاك إسرائيل لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
النظام السوري الجديد يمشي على حبل مشدود محفوف بالمخاطر في محاولته توحيد الدولة السورية تحت إدارة واحدة وإفشال كل مخططات التقسيم إلى كيانات طائفية وعرقية؛ تحاول إسرائيل وإيران أن تستغلها لتحقيق وحفظ مصالحهما ونفوذهما في سوريا.
نجاح النظام السوري أو فشله في توحيد سوريا يعتمد على عدة عوامل؛ أهمها مدى الدعم العربي لقيام سوريا موحدة، ودعم دولي لاستقرار سوريا، ورفع العقوبات عنها بعد حرب أهلية دامية، والأهم من كل ذلك مدى وعي المكونات السورية الطائفية والعرقية بحجم المؤامرة التي تقودها إسرائيل وإيران في استغلال الطوائف السورية واستخدامها كأوراق لتحقيق مصالحهم ونفوذهم في المنطقة.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء سوريا الدروز تقسيم الإسرائيلية سوريا إسرائيل تقسيم الدروز قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات رياضة سياسة سياسة سياسة سياسة تكنولوجيا سياسة سياسة اقتصاد مقالات سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة النظام السوری الجدید السوریة الجدیدة الإدارة السوریة الطائفة الدرزیة الدولة السوریة النظام الجدید الجیش السوری فی المئة من أن إسرائیل فی سوریا ألف نسمة أکثر من
إقرأ أيضاً:
تركيا تستهدف حجم تجارة مع سوريا بقيمة 10 مليارات دولار
أنقرة (زمان التركية)_ كشف مسؤول أن تركيا تهدف إلى زيادة حجم تجارتها مع سوريا إلى 10 مليارات دولار، حيث ارتفع حجم التجارة الثنائية بأكثر من 40% على أساس سنوي ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 3.75 مليار دولار في عام 2025.
وفي كلمة ألقاها في اجتماع بعنوان “التجارة الحرة والمناطق الصناعية في سوريا وبيئة الاستثمار في أنقرة”، قال وزير التجارة التركي عمر بولات إن البلدين لا يزالان ملتزمين بتحقيق الهدف التجاري من خلال تعزيز الإنتاج والاستثمار.
وأضاف أن الحكومتين تعملان أيضاً على تعزيز وتحديث المعابر الحدودية البرية وطرق النقل البحري لدعم المزيد من النمو في التجارة الثنائية، حسبما ذكرت وكالة الأنباء العربية السورية نقلاً عن وكالة الأناضول.
في وقت سابق من هذا العام، خففت تركيا القيود التجارية مع سوريا عن طريق إزالة القيود المفروضة منذ فترة طويلة على الصادرات والواردات والعبور والتي كانت مفروضة على الإدارة السابقة، مع مواءمة الإجراءات الجمركية مع تلك المطبقة على الشركاء التجاريين الآخرين.
ساهمت هذه التغييرات بالفعل في تعزيز التجارة الثنائية، حيث ارتفع حجم التبادل التجاري في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 بنسبة 24% على أساس سنوي ليصل إلى أكثر من 1.35 مليار دولار أمريكي، وفقًا لبيانات مديرية الاتصالات الرئاسية التركية. وفي يونيو/حزيران، اتفق البلدان أيضًا على استئناف النقل البري التجاري المباشر بموجب اتفاقية ثنائية أُبرمت عام 2004، مما ساهم في تحسين التجارة والخدمات اللوجستية عبر الحدود.
وقال بولات: “تستمر التجارة وحركة المسافرين عبر المعابر الحدودية بين البلدين دون انقطاع”، مضيفاً أن العمل يتقدم بسرعة لفتح معبر نصيبين-قامشلي الحدودي، الواقع في أقصى الطرف الشرقي للحدود، أمام التجارة وحركة المسافرين والعبور قبل نهاية العام.
وقال الوزير: “إن بدء حركة المرور العابرة بين تركيا وسوريا منذ أبريل الماضي قد ساهم في تعزيز التجارة مع لبنان والأردن والعراق، وكذلك المملكة العربية السعودية والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان والبحرين”، واصفاً هذه الخطوة بأنها “تطور إيجابي”.
ممرات نقل جديدةأكد بولات على أهمية توسيع وإنشاء ممرات نقل بري جديدة، بالإضافة إلى خطوط أنابيب النفط والغاز الطبيعي الممتدة من تركيا عبر سوريا إلى الأردن والعراق ودول الخليج، وسط الاضطرابات الإقليمية الناجمة عن الصراع والإغلاق المؤقت لمضيق هرمز.
وأشار الوزير التركي إلى أن “الحكومتين أحرزتا تقدماً في تسريع التجارة العابرة مع دول الخليج”، مذكراً بأن “حركة المرور العابرة عبر المملكة العربية السعودية، والتي توقفت لمدة 14 عاماً تقريباً، وكذلك عبر سوريا والأردن، استؤنفت بانتظام بدءاً من 15 أبريل”.
وقّع وزراء النقل في سوريا والأردن وتركيا مذكرة تفاهم في العاصمة الأردنية عمّان في السابع من أبريل/نيسان لتطوير قطاعي النقل والخدمات اللوجستية. ويهدف الاتفاق إلى إرساء دعائم مشاريع استراتيجية كبرى من شأنها تعزيز حركة البضائع والركاب، وزيادة الصادرات وعائدات الترانزيت، وتنشيط الموانئ، وتوسيع نطاق الوصول إلى الأسواق، وتعزيز الربط البحري الإقليمي.
Tags: التبادل التجاري بين تركيا وسورياالتجارة الحرةتركياتركيا وسورياسوريا