ربما تكون المجموعة القصصية "أسرار خزنة" للقاصة هدى الأحمد، الصادرة عن وزارة الثقافة الأردنية، من أوائل الأعمال الأدبية التي تتمحور حول حكايات امرأة من باديتنا، حكايات ارتكزت على قيم التضحية والوفاء، حيث تتجلى العاطفة في أجمل صورها. وترصد المجموعة في الوقت ذاته تحولات المجتمع البدوي والصراع بين الأصالة والعصرنة، وتأثير التكنولوجيا، أو بالأحرى "صدمتها"، في ثقافة بدوية ضاربة بجذورها في التاريخ، وهي تحاول التكيف مع كل ما هو جديد.

تضم المجموعة 14 قصة امتازت بالبساطة وسلاسة تطور الأحداث والشخصيات، وصيغت بلغة محكية ذات لكنة بدوية في الغالب. ورغم أنها استندت إلى مخزون تراثي لحقبة الخمسينيات على وجه التقريب، فإنها أحيت مجددا مفاهيم العفة والنقاء والشهامة، وفضيلة تخزين الأسرار، وفق ما يشي به العنوان الذي جاء موفقا ومقصودا، حفاظا على القيم الاجتماعية والإنسانية، وتحصينا للمجتمع البدوي من الفتن، أو ما سمّاه الناقد رائد الحواري "الصيام" عن كشف مثالب الناس.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2"الزمن المفقود".. الموجة الإنسانية في أدب التنين الصينيlist 2 of 2"فيلة صغيرة في بيت كبير" لنور أبو فرّاج: تصنيف خادع لنص جميلend of list

وتقع المجموعة في 95 صفحة من القطع الصغير، وتقوم على تعدد الشخصيات رغم أن بطلتها فتاة صغيرة اسمها "خزنة"، وهو اسم دارج في المجتمع البدوي. إذ استطاعت هذه الفتاة، التي تتزين بنقاء الصحراء وأخلاقيات البداوة، أن تكسب قلوب من حولها بأخلاقها وتربيتها وقدرتها على كتمان أسرار عشيرتها والمحيطين بها، فالبدوي، وفقا لتقاليده وعاداته الأصيلة، يحفظ الأسرار ولا يتلفظ بها أو يكشفها أيّا كانت الظروف.

ويحمل العنوان "أسرار خزنة"، رغم بساطته، الكثير من المعاني الإنسانية النبيلة، ففي ذاكرتنا وبيوتنا "خزنة" نحفظ فيها أسرارنا التي تبقى معنا حتى نستضاف في مساحة لا تتعدى مترا بمتر.

وتحت عنوان "تلويحة"، يرى الدكتور جروان المعاني أن "أسرار خزنة" هي حكاية فتاة من البادية، ذكاؤها فطري، وهي وحيدة والديها، تعيش دلالا لكنه ليس كدلال بنات المدينة، فهي ترعى أغنام والديها وتساعد والدتها في أعمال البيت وإنتاج مشتقات الحليب. ويقول في تقديمه للمجموعة القصصية إن "خزنة" هي قصة نساء البادية، حيث العادات والتقاليد وثقافة المجتمع السائدة. وتظهر في هذه المجموعة متمردة، لكنها في واقع الحال فتاة تحمل شقاوة الطفولة حتى تصدمها الحياة بوفاة والدتها، ملاذها ومكمن طمأنينتها، وتكبر لتكبر معها همومها.

إعلان

وحسب رأيه، فبين إرادة الكاتبة وإرادة "خزنة"، بطلة المجموعة، تجد هدى الأحمد نفسها محاصرة بما تحمله من موروثات تقيد المرأة البدوية التي تكاد تتخلص منها بحدها الأدنى لتعيش حريتها. فالمجموعة تُعد آخر متنفس لفتاة عاشت ما بين البداوة والحضر، وكأن الكاتبة كتبت نفسها.

وفي حوارها مع الجزيرة نت، تتحدث هدى الأحمد عن مجموعتها القصصية بتفصيل أكبر، وتوضح أن "أسرار خزنة" تتناول بيئة بدوية، قائلة: "لا أرى قربا بين شخصيتها التي تشكلت لتكون قوية بحكم الظروف لا متمردة، وشخصيتي، وإن التقينا في المعاناة. لذلك، أثناء كتابة المجموعة، عزفت على نوتة صحراوية بما فيها من الوحشة والسلام، والخوف والأمان".

وتؤكد أن الكتابة واحدة من أهم وسائل التغيير، مضيفة أنها تدعو للتغيير وليس للانقلاب على تاريخنا البدوي، وأن شخصية "خزنة" خيالية لكن الأحداث واقعية. وإلى تفاصيل الحوار:

هدى الأحمد تكشف من خلال "أسرار خزنة" عن الصراع بين الأصالة والحداثة في البادية وتأثير التكنولوجيا على مجتمع له جذور ثقافية عميقة (الجزيرة) شخصيات القاص أو المضمون ليست منفصلة عن ذات الكاتب، ما مدى قرب شخصية "خزنة" منكِ؟

يختار القاص الشخصيات بناء على نوع القصة وقدرته على توظيف الخيال، وبالتالي يشكل الأحداث، ويكون مدى قربها أو بعدها عن شخصية الكاتب مرتبطا بقرب الشخصية من البيئة التي يعيشها، فيرسم معالمها بما يتماشى مع الأحداث.

هنا، في مجموعة "أسرار خزنة"، نتحدث عن بيئة بدوية لها معطياتها، يتنقل فيها الناس بشكل جماعي طلبا للماء والطعام لهم ولمواشيهم. كان ذلك حتى وقت قريب، ولكن تغيرت الأحوال واستقر الناس.

وأنا ككاتبة لمجموعة "خزنة" من بنات الريف، فلا أرى قربا حقيقيّا بين شخصية "خزنة" وشخصيتي، وإن التقينا في بعض أوجه المعاناة، فالنساء في الوطن العربي يلتقين في عدد من أشكال المعاناة، خاصة فيما يتعلق بحرية الاختيار والقرار، وهنا لا أتحدث بالمُطلق.

يقال إن الأدب يشبه النوتة الموسيقية، فعلى أي نوتة عزفتِ أثناء كتابة "أسرار خزنة"؟ وما الطقوس التي تمارسينها أثناء اختيار وحركة شخصياتك؟

الكتابة بطقوسها تختلف من كاتب لآخر، فهناك من يفضل الكتابة صباحا أو ليلا، وآخر يبدع وسط الضجيج، وبعضهم يطلب الهدوء الكامل.

أنا ككاتبة أحتاج للانفراد وإغلاق هاتفي، ولا أجهز أمورا مادية للكتابة كالقهوة أو الموسيقى، فقط أحتاج للانفراد بشخصيات قصصي لأحركهم بحسب مسارات القصة، فتتداعى الكلمات لأرتبها بشكل يتلاءم ومجريات الأحداث. وفي مجموعة "خزنة"، عزفت دوما على نوتة صحراوية فيها من الوحشة والسلام، والخوف والأمان.

شخصية "خزنة" حقيقية أم متخيلة؟ يبدو أنها متمردة على تقاليد البداوة، هل من توضيح؟

بالتأكيد هي من صنع الخيال، وإن كانت الأحداث واقعية جدّا. "خزنة" لا تفضح أسرار البادية، بل تصور أمورا تتكرر في بوادينا، غير أن لخزنة خصوصيتين: الأولى أنها فقدت أمها التي تحبها كثيرا ودللتها في عمر صغير، والثانية أنها ابتعدت عن ديرتها وأبيها.

كل هذا جعلها تصرخ "بلا" كلما تعرضت للقهر، فكان لا بد لها أن تتمرد في لحظة ما، فترفض الزواج من ابن خالتها، وتقطع مسافة طويلة وتتعرض لحوادث في طريقها وهي تسير وحيدة.

إعلان

كان لا بد لها أن تكون قوية جسديّا ونفسيّا، فظهرت كمتمردة، والواقع أن شخصيتها تشكلت لتكون قوية لا متمردة. وكما تعلم، هناك فرق بين التمرد على الأعراف والتقاليد وبين التحلي بالقوة، لذا أقول لم تكن متمردة، بل فرضت عليها الظروف أن تكون قوية.

ذكرتِ لي أنكِ ناضلتِ وجاهدتِ لإخراج المجموعة إلى النور، ألقي أضواء على هذه التجربة؟

أخذت مني كتابة المجموعة ما يزيد على 5 أشهر، وحتى ترى النور مكثت في أدراج وزارة الثقافة ما يزيد على السنة، لأن هناك من رأى أن المجموعة تراثية. وكما تعلم فإن طباعة الكتب مُكلِّفة، فكان لزاما عليّ أن أنتظر عاما آخر.

وفي النهاية، تكلل صبري بالنجاح، حيث خضعت المجموعة للتحكيم وتمت الموافقة على نشرها بدعم من وزارة الثقافة الأردنية، مشكورة، مع أن الدعم بالكاد غطى تكاليف الطباعة. فكانت تجربة مرهقة نفسيّا، ولكن بالصبر والمثابرة خرجت هذه التجربة القصصية المغايرة، ولله الحمد، إلى النور.

الكتابة رحلة جمال وأداة تغيير، ماذا عن تجربتك القصصية؟ هل نلمس من مجموعتك دعوة لثورة بيضاء في باديتنا الأردنية؟

لا شك في أن الكتابة واحدة من أهم وسائل التغيير في المجتمعات، خاصة تلك التي تتناول التراث والعادات والتقاليد. فكما تعلمون، إن سطوة وسائل التواصل الاجتماعي والانفتاح على العالم وانتشار تكنولوجيا الاتصال جعلت تأثير المثقف يقل، إلا إذا وظّفنا هذه التكنولوجيا بشكلها السليم.

ودور النشر تستغل جهد الكاتب لتحقق مكسبا ماديّا، وعليه يكون التأثير قليلا. وما أراه أن الثورات عموما جلبت لبلادنا الويلات، لذا أنا لا أدعو لثورة بيضاء أو حمراء، ولكنني أسعى أن تصل أفكاري و"خزنة" إلى طلبة المدارس والجامعات ليطلعوا على جانب من جوانب حياة المرأة في البادية، ويأخذوا منها العبرة، فيصبح الشباب أكثر وعيا وانفتاحا على أمهاتهم وأخواتهم وزوجاتهم، وعلى المرأة عمومًا.

نعم، أدعو للتغيير، ولكن ليس للانقلاب الكامل على تاريخنا البدوي، ففيه من الجمال الكثير، فعفة ابنة البادية أهم بكثير من انتشارها على "تيك توك"، ودورها في استقبال ضيوف زوجها وأبيها وهم غائبون قيمة تعطي للمرأة مكانتها، وهي أهم من إظهار مفاتنها على وسائل التواصل. هي فقط دعوة للتغيير والانفتاح المضبوط.

رصدتِ في المجموعة استقبال أهل البادية للتكنولوجيا وطرق التكيف معها.. ما خلاصة عملية الرصد والتكيف؟

حتى منتصف القرن الـ20، كانت حياة أهل البادية غارقة في البساطة، فكان الجمل والدواب وسيلة التنقل الوحيدة، ثم دخلت السيارة رويدا رويدا فازداد رتم الحياة سرعة. لذا، في المجموعة، تحدثت عن أعجوبة السيارة حين جاءت زوجة مسؤول لزيارة البادية التي تسكنها "خزنة"، ورصدت الخوف واستهجان "الجني الصغير" (المذياع)، وكيف وصل الأمر بأم "خزنة" للشك بأن زوجها يحب المذيعة، فحطمته بحثا عنها ولمنعه من سماع صوتها.

ونعلم جيدا أن التكنولوجيا تسارع دخولها في بلادنا بعد منتصف السبعينيات من القرن الـ20، وبداخلي فكرة لمجموعة قصصية تتناول الفترة الانتقالية بين التنقل والاستقرار وما عانته المرأة البدوية في تلك الفترة.

الثقافة البدوية لها تقاليدها وعاداتها وأصولها وجذورها الموغلة في التاريخ العربي، هل يمكن القول بوجود صدمة من التكنولوجيا؟

كلنا يعلم أن للتكنولوجيا وجهها الإيجابي والمهم، غير أن سوء استخدامها أظهر بشاعتها. لذلك، نعم، حدثت فجوة وهوة حضارية لم نستطع التغلب على تأثيرها حتى الآن. فقد تخلينا عن كثير من مظاهر حياتنا وأصولها، فصار التواصل بين الأهل ينجزه الهاتف بدلا من لقاءات الأهل، وكثير من القيم والأصول أظهرتها التكنولوجيا الحديثة على أنها عبء على الحضارة، فتركنا لباسنا التقليدي، وأغانينا التي تتحدث عن بطولات أجدادنا، وغيرها الكثير من الأمور. صار "المِهباش" يُستعمل للزينة، وما عاد مظهرا من مظاهر الشيخة والكرم. وبعد هذه الصدمة والفجوة الحضارية، بدأنا ننخرط في الحداثة حتى نكاد ننقطع عن تاريخنا وبداوتنا.

من قصص المجموعة، قصة "البئر الغربي" والتي يستدعي مضمونها إلى ذاكرتنا قصة أوردها ابن بطوطة في رحلته، وهي قصة أهل جزيرة "ذيبة المهل" (المالديف حاليا) (شترستوك) وأخيرا، هل هناك مشروع أدبي مستقبلي؟ إعلان

"امرأة قادمة من البعيد"، هذا هو عنوان مجموعتي القصصية الجديدة التي سترى النور قريبا بإذن الله. ومن العنوان، نرى أنها تتحدث عن امرأة جاءت بأحلامها المؤجلة وعن علاقتها بالرجل، ولكن تحت عناوين مختلفة كالحب والشوق والرغبة في السفر وغيرها من الأمور. مجموعة تتناول حياة النساء بشكل أكثر وضوحا، دون المساس بكينونتها وأنوثتها.

قاصّة تحفر في تراث البادية

وعلى صعيد متصل، ترى الدكتورة إنعام زعل القيسي أن هدى الأحمد قاصّة أردنية تحفر في تراث البادية الأصيل، وتكشف لنا عن دفائن الصحراء الثمينة وخفايا رمالها الذهبية في "أسرار خزنة"، لتحيل المقروء الثقافي عن واقع عشناه وعاشه أهلنا إلى واقع جميل نعيشه في مخيلتنا. فـ"خزنة" ومن حولها كانوا يستمتعون بـ"الجني الصغير" (الساحر المسموع)، كما كنتُ ومن حولي نستمتع بـ"الساحر المرئي" في السبعينيات. إنها تعزف على وتر بعث الماضي وتراثه الأصيل، فيشدنا الحنين والشوق لحياة جميلة ساحرة مضت.

وأوضحت في حديث للجزيرة نت أن "خزنة طفلة شقيّة وجميلة بجديلتين سوداوين وعينين تتقدان ذكاء، ترعى الغنم، وفيّة للحيوان والإنسان". وأضافت أن "الفتاة السمراء الممشوقة القوام ذات الابتسامة الرقيقة" تصر على اللحاق ببنات البادية من أترابها وتتعلم كيف تحلب الأغنام لتجد عريسا يطلب يدها، وهي تحمل في صدرها أسرارا كثيرة. فجاء اسمها مقاربا لحالها ومفتاحا لفهم مضامين القصص؛ فمثلا: "خزنة" السرّ في تحطيم الراديو وغيرة والدتها من المرأة التي تتحدث داخله، و"خزنة" سر "الحنة الضائعة" ووقوع العروس مغشيّا عليها. لقد كانت "خزنة" بمثابة الصندوق المعدني الذي يستخدم لحفظ الأشياء الثمينة.

وتستعيد حكاية لابن بطوطة

وأشارت الناقدة الأكاديمية القيسي إلى غنى الموروث الثقافي الذي تتميز به بعض قصص المجموعة، ومنها قصة "البئر الغربي" التي يستدعي مضمونها إلى ذاكرتنا قصة أوردها ابن بطوطة في رحلته، وهي قصة أهل جزيرة "ذيبة المهل" (المالديف حاليّا) الذين كان يظهر لهم شهريّا عفريت من الجن يأتي من جهة البحر، ويطلب منهم تقديم قربان له من أجمل فتياتهم ويختفي بعد أن يحوزه. وعلى الرغم من اختلاف القرابين المقدمة بين أهل البادية في "البئر الغربي" وأهل جزيرة ذيبة المهل، فإن الجهل كان السمة المسيطرة على الناس.

وترى القيسي أن هدى الأحمد نجحت في "أسرار خزنة" بتقديم مشاهد من حياة المرأة البدوية وأحلامها وأمنياتها، وبيان دورها في بيئتها الاجتماعية والمشكلات التي تتعرض لها بمهارة فنية لافتة، من خلال التبئير على شخصية "خزنة" شكلا ومضمونا. كما نجحت في عرض عادات البدو وتقاليدهم ومفردات لهجتهم وعباراتهم الأصيلة، وهو أمر يعكس تشبُّع القاصة بالثقافة البدوية الأصيلة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات

إقرأ أيضاً:

بين الهوية وصناعة الوجدان.. هكذا استخدمت ثورة يوليو الكتاب والمكتبات العامة كدروع لحماية عقل الإنسان المصري

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

 «إن الثقافة حق للمواطن كالمعرفة والرغيف» لم تكن مقولة الدكتور ثروت عكاشة، أحد أهم رواد العمل الثقافي في مصر، مجرد مقولة عابرة؛ فقد كان أحد المشاركين في ثورة 23 يوليو عام 1952، والتي أعادت صياغة المشهد السياسي والاقتصادي في مصر، وأعادت الاعتبار للثقافة والعلم والعلماء والفنانين، ولم تكن مجرد ثورة على النظام الملكي قام بها الجيش وانضم إليها الشعب، بل كانت في جوهرها ثورة اجتماعية شاملة، آمنت بأن تحرير المواطن لا يكتمل إلا بتحرير عقله وتشكيل وعيه.

ومن هنا، ولدت لأول مرة في تاريخ مصر الحديث فلسفة «العدالة الثقافية»؛ تلك الفلسفة التي نقلت الثقافة والفنون من صالونات القصور والأوساط الأرستقراطية المغلقة لتصبح كالمأكل والملبس والتعليم «حقًا مشاعًا لكل مواطن». وأتذكر تلك الأغنية التى كانت تقدمها الإذاعة المصرية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى من أداء مجموعة الكورال، ويقول مطلعها: «قالت الثورة مفيش إقطاع.. أنا جيت أصلح الأوضاع».

من هنا، تحولت قصور الإقطاعيين وأصبحت ملاذًا للجميع؛ فكرًا وثقافة وفنًا ومسرحًا، وإعادة لتشكيل الوجدان الشعبي، فالتف حولها الشعب واستطاعت قصور الثقافة المساهمة في بناء العقل المصري الحديث، عبر هذا المشروع الطموح الذي قاده الوزير والفنان ثروت عكاشة في ذلك الوقت، لتحول مصر في ستينيات القرن العشرين إلى ورشة عمل ثقافية كبرى، تجسدت فيها العدالة الثقافية من خلال ركائز أساسية غيرت وجه الحياة في الريف والحضر.

 

شهادة ثروت عكاشة: ردود حاسمة من واقع المذكرات

لم تسلم ثورة 23 يوليو من توجيه بعض الانتقادات إليها، مما دفع الدكتور ثروت عكاشة للرد على منتقديها في كتابه الأشهر «مذكراتي في السياسة والثقافة» بما يملكه من وثائق تخص تلك الفترة الحرجة في تاريخ مصر الحديث، وهو الرد الذي فند فيه كل تلك الأقاويل باعتباره أحد المشاركين في الثورة والمؤسسين لها. 

يقول عكاشة في مذكراته: «نحن الضباط الأحرار لم نتفق قط قبل 23 يوليو 1952 على أن نقوم بانقلاب أو بثورة نتولى بها السلطة، وغاية ما كان قد تم الاتفاق عليه بيننا أن نقوم بحركة عسكرية إصلاحية لإنهاض الجيش من عثرته، علمًا وقيادة وتسليحًا وتدريبًا، وتوفير مناخ مصري شعبي تُقتطف فيه من بعدُ ثمرةُ الاستقلال وثمرةُ العدالة الاجتماعية، وترميم ما يمكن ترميمه من شروخ عميقة أصابت هيكل السلطة، وبخاصة المسألة الديمقراطية وضمان حقوق الأغلبية الانتخابية، ومن ثم توزيع السلطة بالعدل والقسطاس على من هم جديرون مؤهلون حقًا للمشاركة بها في إطار الحكم الملكي نفسه».

ويتابع «عكاشة» فيما يخص التفاف الجماهير المصرية حول الشعب قائلًا: «إن الثورة تتحقق نتيجة لاتفاق ضمني بين رغبة الجماهير كقوة دافعة مساندة للتغيير، وبين قيادة ثورية قادرة على تحقيق هذا التغيير بإزاحة القوى المسيطرة على مصائر الجماهير وتحقيق الأهداف العامة التي تسعى إلى الأفضل، وإذا كان ثوار يوليو قد تحركوا تلاحمًا منهم مع أحوال الشعب المصري، الذي كان يطالب علنًا بالثورة على الأوضاع وعلى الاحتلال وعلى الملك وعلى سائر الحكام الذين أخفقوا في سياساتهم وتطبيقاتها لخدمة الجماهير، فقد ناب هؤلاء الثوار عن الشعب في ترجمة طموح الشعب إلى إحداث التغيير الجذري الشامل».

وهنا نجد أن ما قاله الدكتور ثروت عكاشة ما هو إلا انعكاس للحالة الشعبية في تلك الفترة وسرد للحقائق؛ فقد كانت الغالبية العظمى من الشعب المصري تعاني الفقر والتهميش وعدم القدرة على دفع تكاليف التعليم، وكانت العدالة الثقافية وقتها غير مطروحة في الواقع الاجتماعي المصري، فكانت الثورة كما وصفها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر «ثورة شعب بأكمله»، لتبدأ فترة جديدة في حكم مصر ورسم السياسات الثقافية لبناء الوعي.

قصور الثقافة.. «منارات الوعي في عمق القرى والنجوع»

كانت قمة تجليات العدالة الثقافية لثورة 23 يوليو هي تفكيك المركزية الثقافية في فترة الستينيات، من خلال إطلاق مشروع «الثقافة الجماهيرية»، لتنتشر قصور وبيوت الثقافة داخل قرى ومراكز ومحافظات مصر، من الإسكندرية إلى أسوان.

يقول ثروت عكاشة عن تلك النهضة الفكرية إن وزارة الثقافة قد عهدت إلى الربط في مشروعات الوزارة بين النظرة الإنسانية وبين النظرة القومية إلى الثقافة، والجمع بين التراث القديم والتطور الحديث، ورفع الحواجز بين طبقات المجتمع بتطوير الثقافة الإقليمية، وإتاحة الفرصة للتفاعل بين أفراد الشعب وبين الفن رفيع المستوى، وإتاحة الحرية للفنان. كما أعدت الوزارة في تلك الفترة خطة للعمل الثقافي ومنها إقامة المتحف المصري، ودار الأوبرا الحديثة، ودار الكتب الجديدة، ومطبعة حديثة، واستكمال بناء المسارح، ومدينة الفسطاط وغيرها من المشروعات التي أقيمت في إطار الخطة الخمسية.

فلم تكن هذه القصور مجرد مبانٍ حكومية، بل تحولت في الستينيات وما بعدها إلى مراكز تنويرية يومية؛ ففيها عرف الفلاح البسيط طريقه إلى المكتبات العامة والمطالعة مجانًا، وشاهد أبناء القرى لأول مرة عروضًا مسرحية وسينمائية حية في قراهم، كما لعبت هذه القصور دورًا حاسمًا في اكتشاف الموهوبين والمبدعين من قلب الريف المصري، وتدريبهم، وتقديمهم للحركة الفنية، مما جعل الثقافة أداة للترقي الاجتماعي.

النهضة المسرحية.. «مسرح لكل مواطن»

عاشت مصر في الستينيات ما يُعرف بـ«العصر الذهبي للمسرح المصري»، وهي نهضة لم تشهدها المنطقة العربية من قبل، ولم تكن هذه النهضة فنية فحسب، بل كانت نهضة جماهيرية بامتياز تخدم العدالة الثقافية؛ حيث تأسست مسارح الدولة المتخصصة (المسرح القومي، والمسرح الحديث، ومسرح الحكيم، والمسرح الكوميدي)، ودعمت الدولة تذاكر المسرح لتصبح بأسعار رمزية للغاية، مما أتاح للعائلات والعمال والطلاب ارتياد المسارح بانتظام.

امتدت هذه النهضة لتشمل «المسرح المتجول» الذي كان ينتقل بفرق وممثلي العاصمة الكبار كجلال الشرقاوي وكرم مطاوع وغيرهما ليقدم العروض على مسارح قصور الثقافة في الأقاليم، ومصانع حلوان، والمواقع الإنتاجية، ليتلاحم الفن بالجمهور الحقيقي للثورة، وكان يتم إرسال الفنانين في بعثات خارجية، وحينما يعودون يذهبون بتجاربهم وعلمهم إلى القرى والمحافظات البعيدة عن العاصمة. ففي تلك الفترة لمعت نصوص كبار الكتاب مثل توفيق الحكيم، ونعمان عاشور، وسعد الدين وهبة، وألفريد فرج، ويوسف إدريس، والتي كانت تناقش قضايا وهموم المواطن البسيط، مما جعل المسرح مرآة للمجتمع.

أكاديمية الفنون.. الموهبة والكفاءة هما المعيار

كانت دراسة الفنون الرفيعة قبل الثورة تعتمد على البعثات الخارجية أو المعاهد المحدودة والمبادرات الفردية، وفي عام 1959، أصدرت الدولة قرارًا تاريخيًا بإنشاء «أكاديمية الفنون»، لتمثل صرحًا تعليميًا أكاديميًا فريدًا في الشرق الأوسط.

وضمت الأكاديمية: المعهد العالي للسينما، المعهد العالي للموسيقى (الكونسرفتوار)، المعهد العالي للمسرح، ومعهد الباليه. وكان فتح أبواب هذه المعاهد بالمجان للموهوبين من كافة الطبقات الاجتماعية بمثابة ثورة في حد ذاته؛ إذ لم يعد احتراف الفنون الرفيعة كالباليه أو الموسيقى الكلاسيكية أو الإخراج السينمائي حكرًا على من يملك المال، بل أصبحت «الموهبة والكفاءة» هي المعيار الوحيد للقبول. كما كان طلاب الأكاديمية هم العماد الرئيسى لفناني وممثلي مسارح الدولة، إذ كان يتم تعيينهم في الفرق المسرحية التابعة للدولة فور تخرجهم من المعهد، بما ضمن لهؤلاء الخريجين فرص عمل واستقرارًا ماديًا أتاح لهم العمل على تطوير مهاراتهم وموهبتهم.

عيد العلم.. الدولة تُكرم عقولها وتبجل مبدعيها

في إطار ترسيخ قيمة الفكر والثقافة، وضعت ثورة يوليو المثقف والأديب والعالِم في مقدمة الصفوف، وتجسد هذا التقدير الرفيع في الاحتفال السنوي بـ«عيد العلم»، الذي كان يحضره الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه، ليكون بمثابة تظاهرة وطنية لتكريم كبار الأدباء، والمفكرين، والفنانين، والعلماء.

في هذه الاحتفالات، كرمت الدولة قامات عظيمة مثل: طه حسين، وتوفيق الحكيم، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، والعقاد، ومنحتهم أرفع الأوسمة والجوائز التقديرية. هذا الاحتفاء الرسمي لم يكن مجرد تكريم لأشخاص، بل كان رسالة للمجتمع بأسره بأن القيمة الحقيقية للوطن تكمن في عقول مبدعيه، وأن الثقافة هي ركيزة أساسية للأمن القومي وبناء الدولة الحديثة.

الثورة والتنوير.. حينما أصبحت المعرفة والفنون «حقًا للجميع»

 

المكتبات العامة.. سلاح المعرفة لكسر الاحتكار

لم تترك الثورة مواطنًا دون كتاب؛ فلأول مرة وضعت الدولة خطة ممنهجة لنشر المكتبات العامة في الأحياء الشعبية بالمدن الكبرى والمراكز بالمحافظات، وكانت هذه المكتبات تفتح أبوابها بالمجان لطلاب المدارس والجامعات لتوفير مصادر المعرفة.

وتكاملت هذه المكتبات مع مشروعات النشر العملاقة التي أطلقتها الدولة، ومنها مشروع «الألف كتاب» والذي كان من بين المشروعات الثقافية الأولى في عهد الثورة، والذي كان يهدف إلى نشر عدد كبير من الكتب المؤسسة والتي تمثل المراحل المختلفة من القديم إلى الحديث في شتى أنواع المعرفة، كما أنشأت أربع سلاسل أخرى ومنها سلسلة «تراث الإنسانية»، وقد تضمنت أمهات الكتب العربية والأجنبية التي أثرت الفكر العالمي والفكر العربي، والمؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، والتي قامت بطباعة وترجمة أمهات الكتب الفكرية والعلمية والروايات العالمية، وبيعها بأسعار مدعومة وزهيدة جدًا، لتكسر الدولة بذلك احتكار المعرفة، وتجعل الكتاب متاحًا في يد العامل والطالب تمامًا كما هو في يد أستاذ الجامعة.

«عيد العلم» عندما كان عبدالناصر يتصدر المشهد لتكريم العقول وتبجيل المبدعين

 

وهكذا بقراءة المشهد الثقافي لثورة 23 يوليو نستطيع القول بأن «العدالة الثقافية» لم تكن مجرد شعار سياسي، بل كانت خطة عمل حقيقية وبنية تحتية صلبة تم تشييدها في فترة الستينيات، فمن قصور الثقافة بالقرى إلى خشبات المسارح المتجولة، ومن قاعات أكاديمية الفنون إلى منصات تكريم عيد العلم، أثبتت الثورة أن بناء المصانع والسدود لا يكتمل إلا ببناء الإنسان، وأن الثقافة الحقيقية هي تلك التي تولد من وجدان الشعب وتعود إليه كحق أصيل.

مقالات مشابهة

  • أمسية استثنائية بالأوبرا ضمن ليالي مهرجانها الصيفي 2026
  • ندوة تناقش دور “السردية الثقافية الرسمية” في ترسيخ الهوية الوطنية
  • صالون الثقافة الجماهيرية بطوخ يستعرض دور القوة الناعمة في تعزيز الوعي
  • وزير الثقافة يفتتح جناح السفارات بمهرجان جرش الثقافي
  • بين الهوية وصناعة الوجدان.. هكذا استخدمت ثورة يوليو الكتاب والمكتبات العامة كدروع لحماية عقل الإنسان المصري
  • محامو الطوارئ تكشف عن قصف نازحين في النيل الأزرق وسقوط عشرات الضحايا
  • اتهامات بإسكات الصحافة.. “محامو الطوارئ” تهاجم ملاحقة 47 إعلامياً
  • اختراق لأنظمة هيئة الطيران الحوثية وتسريب بيانات للرحلات الإيرانية
  • القرعة تضع المنتخب القطري لكرة اليد على رأس المجموعة الأولى بدورة الألعاب الآسيوية 2026
  • من بورسعيد إلى أسيوط .. الثقافة تحتفي بالوطن وتصنع الوعي في المحافظات