إسماعيل بن شهاب البلوشي

 

في أكبر حيرة قد يمر بها الإنسان الواعي، يقف متسائلًا: من الذي يوجّه من؟ هل المجتمع هو من يشكّل الفكر والسلوك، أم أن مناهج التعليم هي التي تصنع هذا التشكيل؟ أم أن بيئة العمل، بسلوكها وممارساتها، تتغذّى من الإثنين معًا وتعيد إنتاجهما على صورتها؟

إن الانتقال من فكر إلى آخر، ومن سلوك إلى آخر، ليس مجرد قرار فردي، بل هو صراع صامت بين العادات والتقاليد من جهة، وبين محاولات التعليم لإحداث التغيير من جهة أخرى.

ولكن، أي تعليم نقصد؟ هل هو التعليم الذي يحاكي الواقع ويغذّيه بالمعرفة الحيّة، أم ذاك الذي لا يزال أسير المعلومة الجافة والاختبار النظري؟

وفي خضم هذا التداخل، من هو الطرف الثالث في معادلة التغيير؟ إنه بلا شك: القيادة الفكرية والوعي المجتمعي المؤسسي. ذلك الطرف الذي يملك الجرأة على طرح الأسئلة الصعبة، وإعادة ترتيب العلاقة بين التعليم والمجتمع والعمل. ذلك الذي لا يكتفي بالبكاء على أطلال المناهج أو التقاليد، بل يبني فضاءً يربط ما بين القيم والمهارات والإنتاج الحقيقي.

 

فإذا كان المجتمع يفرض عاداته بقوة التكرار، والتعليم يحاول بثّ وعي جديد بقوة المنهج، وسوق العمل يشكّل عاداته بناءً على المصلحة والطلب، فمن الذي يصنع التوازن؟ ومن يملك زمام المبادرة؟

إن الأمم التي استطاعت أن تتحول من التهميش إلى التأثير، ومن التبعية إلى المبادرة، هي تلك التي أجابت عن هذا السؤال بجسارة: التعليم لا يكفي إن لم يُدعَم بثقافة مجتمعية متقبّلة وقيادة فكرية تمتلك مشروعًا واضحًا.

ولهذا، لا بد أن نعيد النظر في مناهجنا، لا على مستوى المحتوى فحسب، بل على مستوى علاقتها بالواقع وحاجات الإنسان. كما لا بد أن نراجع ثقافتنا المجتمعية ونكسر فكرة أن التغيير تهديد لا بد من مقاومته، وإلا سنبقى نعيش في حلقة مفرغة: مجتمع يشتكي من التعليم، وتعليم يشتكي من المجتمع، وسوق عمل لا يجد بينهما ما يلبّي احتياجاته.

فمن يوجّه من؟

الجواب قد لا يكون في جهة واحدة، بل في مشروع وطني جامع، يعرف ما يريد ويملك الإرادة لتغييره.

وأخيرًا فإن التعليم المنشود هو ذلك السلوك الذي يحدد ملامح وحقائق شخصية الإنسان، كي يكون قدوة بسلوكه لا بكلامه، وأن يكون محاسبًا لنفسه قبل أن ينتظر التوجيه والأمر، ويكون شخصية تعتز وتفتخر بما تقدم وما تنتج وما تؤثر به على نفسها فعليًا لا مباهاة.

تعلمت من فترة عملي لوقت طويل معادلة لن أحيد عنها، وهي: تحدّث قليلا وطبّق كثيرا، وعندما تبدأ فإن يقينك سيستقر في أن الكلام مضر بالعمل أكثر من نفعه، لذلك لنعطي للعمل مكانًا من صمت الحديث لننتقل إلى الإنتاج والقدوة.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

وزارة التعليم العالي تتفاعل مع مزاعم تسريب أجوبة مباراة الطب وتحيل الملف على القضاء

فتحت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار تحقيقا في الادعاءات المتداولة بشأن احتمال حصول بعض المترشحين على أجوبة امتحانات المباراة الموحدة لولوج كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان، وذلك عقب انتشار تسجيل سمعي بصري على مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل الفوري.

وأوضحت الوزارة في بلاغ  أنها تفاعلت بشكل فوري مع مضمون التسجيل الذي تضمن مزاعم تتعلق بتمكين عدد من المترشحين من الحصول على أجوبة الامتحان أثناء اجتيازه مؤكدة إحالة الموضوع على الجهات القضائية المختصة.

وأضاف المصدر ذاته أن النيابة العامة باشرت فتح تحقيق قضائي من أجل التحقق من صحة المعطيات المتداولة والكشف عن جميع الملابسات المرتبطة بهذه القضية مع تحديد المسؤوليات واتخاذ ما يقتضيه القانون في حال ثبوت أي تجاوزات.

وأكدت الوزارة أنها ستتابع مآل التحقيق عن كثب مشددة على أنها ستتخذ بناء على نتائجه جميع الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة بما يضمن حماية نزاهة مباريات الولوج إلى مؤسسات التعليم العالي.

وجددت الوزارة تأكيدها على التزامها بصون مبدأ تكافؤ الفرص والاستحقاق بين كافة المترشحين، والحفاظ على مصداقية المباريات الوطنية، خاصة تلك المتعلقة بولوج كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان، باعتبارها من المباريات ذات الأهمية الاستراتيجية في تكوين الأطر الصحية بالمملكة.

كما أبرزت أن الحفاظ على الشفافية والمصداقية الأكاديمية يظل من أولوياتها، بما يعزز الثقة في منظومة التكوين الطبي المغربية على الصعيدين الوطني والدولي.

كلمات دلالية #وزارة_التعليم_العالي #مباراة_الطب #كليات_الطب

مقالات مشابهة

  • تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2030 الحلقة الأولى: المدرسة المغربية بين جمال النصوص وقسوة الميدان
  • طب النوم.. علمٌ يحرس صحة الإنسان أثناء غفوته
  • الروبوتات البشرية تبدأ بمزاحمة الإنسان على الوظائف في مصانع العالم
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • موعد ظهور نتيجة الثانوية العامة 2026 .. التعليم تحسم الجدل
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • سؤال الذاكرين يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
  • مصطفى بكري: عبد الناصر لم يكن معصوما من الخطأ وثورة يوليو فتحت أبواب التعليم لأبناء الفلاحين
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • وزارة التعليم العالي تتفاعل مع مزاعم تسريب أجوبة مباراة الطب وتحيل الملف على القضاء