تقرير: عائشة السماني

 

منتدى الإعلام السوداني، (شبكة إعلاميات)– منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل 2023، أصبحت النساء السودانيات مفعولا به في هذه الحرب. حربٌ لم تترك لهن ما تبقّى من أحلامهن البسيطة؛ أحلام التعليم لأبنائهن وبناتهن، والصحة، والحياة الكريمة. لم يكنّ يتوقعن أن تأتي عليهن أيامٌ يكون فيها الموت هو الأرحم، وأصبحت الكرامة مستباحة، وأن يُذقن خلالها أبشع ألوان العذاب من اختطاف واغتصاب واستغلال.

في 26 يونيو 2023، وجدت السيدة سهام نفسها تعيش كابوسها للمرة الثانية، يشبه ما عاشته في طفولتها حين انفصلت عن أسرتها في ظروف مماثلة. واليوم، تعود المأساة لتطرق بابها من جديد، بعد أن فقدت ابنتها رقية، ذات الـ 19 سنة، التي خرجت من منزلهم في أم درمان لجلب بعض الاحتياجات، ولم تعد حتى هذه اللحظة.

تقول سهام “منذ اختفائها، وأنا أبحث في كل مكان… قلبي يتقطع عليها. ذهبت إلى مكان التجمعات العامة والمساجد، ووزعت الإعلانات. وخشية أن يكون قد حدث لها الأسوأ، طرقت أبواب المستشفيات، والمشارح، والأسواق. ظننا أنها ربما أصيبت برصاصة طائشة، لكن لا أثر لها… لا خبر”.
لم تيأس سهام، فلجأت إلى قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، متوسلة أن يساعدوها. أخذ جنود الدعم السريع صورة رقية ووعدوها بالبحث، وكذلك فعلت القوات المسلحة. لكن الأيام تحولت إلى أسابيع، والأسابيع إلى أشهر، دون أن يصلها أي خبر عن ابنتها.

تتابع سهام “”لم نترك مكانًا لم نبحث فيه. ذهبت إلى كل زاوية، على أمل أن أسمع شيئًا عن ابنتي… لكن دون جدوى.”

رغم مرور الوقت وتحول الأيام إلى أكثر من عام، لم تستسلم سهام. لا تزال تواصل البحث، مدفوعة بأملٍ لا ينطفئ. تقول: “مثلما وجدت أسرتي بعد سنوات طويلة، أنا مؤمنة أنني سأجد رقية. أراها في أحلامي، وهي ترتدي حقيبتها المدرسية، تستعد للامتحانات، وتحلم أن تدرس علوم الطيران لتصبح مضيفة، كما كانت تتمنى.”

ولم تقف سهام عند ذلك، بل طرقت أبواب المنظمات المعنية بحقوق الإنسان وقضايا المفقودين. من بين تلك الأبواب، كان باب منظمة “صيحة”، التي تبنّت قصتها وساعدتها في مواصلة البحث عن رقية. وبالفعل، تم إنتاج فيلم توثيقي بعنوان “أين رقية؟” يوثق رحلة الألم والبحث، ويُسلّط الضوء على واحدة من مئات القصص المنسية في زحام الحرب.

أسر مكسورة

لم تكن قصة رقية استثناءً، بل هي واحدة من عشرات القصص لفتيات ونساء اختفين قسرًا منذ اندلاع الحرب.

فبحسب ما وثّقته المبادرة الإستراتيجية لنساء القرن الإفريقي (صيحة)، فقد تم تسجيل 291 حالة اختفاء قسري لنساء وفتيات وطفلات، منذ 15 أبريل 2023 وحتى يونيو 2025. وفي السياق ذاته، سجّل (المركز الإفريقي لدراسات العدالة والسلام) 123 حالة اختفاء، بينها 7 حالات لقاصرات.
هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن إحصاءات، بل هي أوجاع يومية لأسر مفجوعة؛ أمهات وآباء وإخوة يعيشون على أمل اللقاء. لم تُغمض أعينهم منذ غياب بناتهم، ولم يذوقوا طعم الحياة ولا لونها. يلهثون كل صباح وكل مساء خلف أي بصيص أمل قد يدلّهم على أماكن وجودهن.
“هل هنّ على قيد الحياة؟ هل أكلن؟ هل شربن؟ هل هن بخير؟ أي شر يحيط بهن؟”
أسئلة تتردد بلا انقطاع في أذهان ذوي المفقودات، أسئلة تنهش القلوب وتسرق النوم.
في حديثه لصحيفة “مدنية نيوز”، قال المحامي شوقي يعقوب من المركز الإفريقي لدراسات العدالة والسلام، إن عدد النساء المختفيات وفقًا لإحصاءات المركز بلغ 123 امرأة، من بينهن 7 قاصرات، موضحًا أن المركز تمكّن من التواصل مع أسر 39 منهن فقط.

ومن جهتها، قالت هديل جعفر فى حديثها مع “مدنية نيوز”، من وحدة مكافحة العنف الجنسي بشبكة صيحة، إن الشبكة وثّقت 291 حالة اختفاء قسري لنساء وفتيات وطفلات منذ بداية الحرب. وأضافت أن أصغر ضحية تم توثيقها كانت رضيعة تبلغ من العمر 5 أشهر، اختفت مع والدتها، بينما أكبرهن سيدة مسنّة تبلغ من العمر 80 عامً.
وفي السياق نفسه، أفاد مصدر مطّلع في إحدى ولايات السودان أنهم رصدوا 350 حالة اختفاء، معظمهن فتيات قاصرات تتراوح أعمارهن بين 14 و17 عامًا. وأوضح المصدر أن 84 من هؤلاء النساء والفتيات قد عدن لاحقًا، إلا أن العديد منهن كشفن عن تعرضهن لاستغلال جنسي وحشي وأذى جسدي شديد على يد قوات الدعم السريع، بحسب شهاداتهن.

صمت الأسر
قال شوقي إنهم في المركز لرصد الاختفاء القسري يعتمدون على راصدين موجودين على الأرض، وأيضًا على البلاغات الواردة عبر موقع المركز الإلكتروني أو من الأسر. لكنه في الوقت نفسه أشار إلى أن الأسر تتخوف من العوامل الاجتماعية مثل الوصمة والعار، خاصة في المناطق الريفية، ولذلك يوجد تستر على اختفاء النساء والفتيات، ولا يتم الإبلاغ من قبل الأسر إلا في حالات نادرة.

وأوضح أنه توجد تحديات كبيرة لرصد الاختفاء القسري منها انقطاع شبكات الاتصال، توسع رقعة الحرب والتعتيم الإعلامي وفي ظل وجود الإعلام الموجه والمعلومات المضللة في وسائل التواصل الاجتماعي. مشيرًا إلى أن الاختفاء القسري أكبر في المناطق التي تسيطر عليها المليشيات.

وفي ذات السياق ذكر تقرير أعدته شبكة صيحة عن المفقودات تحصلت “مدنية نيوز” على نسخه منه، أن جمع البيانات التي استند إليها هذا التقرير بشكل أساسي من مصادر علنية، بما في ذلك المعلومات التي شاركتها مبادرة “مفقود”.

ومنذ اندلاع الحرب الحالية، حيث ازدادت البلاغات عبر الإنترنت عن اختفاء الأشخاص، مما يعكس مدى تصاعد الأزمة في السودان.

وأوضح أن شبكة “صيحة” قامت برصد منشورات وسائل التواصل الاجتماعي والتواصل مع عائلات النساء والفتيات المفقودات. مشيرا إلى أنها تواجه بتحديات كبيرة في التحقق من هذه الحالات، مثل: أرقام الهواتف التي لا يمكن الوصول إليها، وتخوّف الأسر من مشاركة المعلومات، ويرجع ذلك على الأرجح إلى الخوف من الانتقام (خاصة لأولئك الذين ما زالوا يقيمون في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع). بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما يتم حذف المنشورات عن النساء والفتيات المفقودات من وسائل التواصل الاجتماعي دون توضيح الأسباب، وقد يعود ذلك إلى الخوف والوصمة، مما يصعّب تأكيد حالتهن بدقة.
وفي حين أن معظم حالات الإبلاغ كانت من المراكز الحضرية، فإن حالات الإبلاغ الواردة من القرى والأرياف كانت أقل بكثير، على الرغم من وجود حالات فعلية تستوجب الإبلاغ. وفي ظل غياب التقارير الرسمية من هذه المناطق، فإن هذا الأمر يعتم على حجم الأزمة.

الاختفاء خلال الأيام الأولى للحرب

وفي ذات المنحى ذكر تقرير صيحة أن أنماط المفقودات التي حدثت حيث قال: “هنالك نمط متكرر تمت ملاحظته منذ اندلاع الحرب وهو الارتفاع الحاد في التقارير عن الأشخاص المفقودين في الأيام والأسابيع الأولى التي تعقب غزو قوات الدعم السريع لمنطقة جديدة.

وقد لُوحِظَ هذا النمط أولًا في العاصمة الخرطوم، ثم لاحقًا في ولايتي الجزيرة وسنار.”

وأشار التقرير في ولاية الخرطوم إلى أن معظم حالات الاختفاء وقعت بين شهري أبريل ومايو 2023، خلال المراحل الأولى من انتشار قوات الدعم السريع في العاصمة. وتضم الخرطوم العديد من الداخليات السكنية للطالبات الجامعيات التي تسكن فيها كثير من الشابات اللاتي يعشن بعيدًا عن أسرهن. وبالإضافة إلى ذلك، تسكن في الخرطوم أعداد كبيرة من النساء العازبات اللاتي يعملن ويعشن بشكل مستقل. وبمجرد اندلاع الحرب بدأت قوات الدعم السريع في اقتحام المساكن، مما أثار الهلع والرعب لدى هؤلاء النساء.

وأورد التقرير قصة، وذكر أنه في “يوم 28 مايو 2023، تم العثور على جثة هالة أحمد إسحاق – وهي شابة من منطقة الحاج يوسف – ملقاة في سيارة نهبتها قوات الدعم السريع، حيث وُجِدت السيارة مخترقة بآثار الطلقات النارية، وعليها جثة القتيلة هالة التي توفيت إثر إصابتها بطلق ناري في الرأس. وبما أن السيارة كانت تحت حيازة قوات الدعم السريع، فمن المرجح أنَّ القتيلة قد اُختُطِفَت من قبل قوات الدعم السريع قبل وفاتها المأساوية.”

الاختفاء أثناء التنقل
وتحدث العديد من حالات الاختفاء أثناء محاولة النساء الفرار من مناطق الصراع أو أثناء أداء الأنشطة اليومية الروتينية، مثل التنقل من موقع إلى آخر، أو الخروج لجلب الاحتياجات الأساسية. فمجرد خروج النساء والفتيات للحصول على الطعام أو الدواء أو الإمدادات الأخرى يمكن أن يؤدي إلى اختفائهن دون أن يتركن أثرًا.

على سبيل المثال، حصلت شبكة صيحة على معلومات من عائلة جهاد فضل الله سليمان ناصر، وهي أم في الثلاثينيات من عمرها، تشير إلى اختفاء جهاد في يوليو 2023 أثناء خروجها للبحث عن دواء لابنها. وقد كانت آخر مرة شُوهِدَت هي وصديقتها (وهلة) عندما كانتا على متن سيارة مع أحد أفراد قوات الدعم السريع. وعندما حاولت عائلتها الاتصال بذلك الفرد التابع للدعم السريع، ادعى أنهما قد تم إنزالهما من السيارة، وحَذَّرَ عائلتها من الاتصال به مرة أخرى. وفيما بعد بحثت عائلتها عنها في معسكر حطَّاب، حيث تم إبلاغهم بوقوع اشتباكات في المعسكر ومقتل فتاتين، على الرغم من عدم وجود تأكيد لهذه المزاعم.

الاستعباد القسري
من المقلق أن هناك تقارير مؤكدة عن إجبار النساء على العبودية من قبل قوات الدعم السريع بعد سيطرتهم على المنطقة. ففي مواقع متعددة في الخرطوم، يتم احتجاز النساء في منازلهن وإجبارهن على الطهي والتنظيف وأداء خدمات أخرى لجنود قوات الدعم السريع. فهؤلاء النساء يعتبرن مستعبدات، ومحاصرات في منازلهن ومجبرات على العمل تحت التهديد. وقد وردت تقارير مماثلة من ود مدني في ولاية الجزيرة. ويؤكد هذا النمط من الاستعباد القسري على الانتهاكات الجسيمة والإهانة التي تتعرض لها النساء، مما يضيف بُعدًا آخر إلى أزمة الاختفاء والاختطاف الخطيرة أصلًا.

تقاضي دولي
وقال يعقوب إن المركز له شبكة كبيرة من المحامين وأطباء الدعم النفسي وعبرهم يقدم المركز لأسر الضحايا الدعم القانوني والنفسي مع تنظيمه في مجموعات من أجل أن يستطيعون أن يطالبوا بحقوقهم وأيضًا عمل مناصر لقضيتهم مع مجموعات أخرى.

وأوضح شوقي أنهم أيضًا في المركز يلجأون إلى الآليات الإقليمية والدولية لموضوع التقاضي الاستراتيجي، مشيرًا إلى أنهم يساعدون الناجيات في أن يرفعوا قضاياهم إلى هذه الجهات، مبينًا أنهم أيضًا يتعاونون مع لجنة الاختفاء القسري في الأمم المتحدة لمخاطبة الحكومات الأخرى.
وقال شوقي: بالنسبة للنساء اللواتي عدن أو تم الإفراج عنهن من الاختفاء، لا توجد إحصائية مضبوطة لدى المركز، لكنه قال إن هنالك حالات عادت من الاختفاء.

إجراءات عاجلة
دعت شبكة “صيحة” في تقريرها إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وفورية لحماية النساء والفتيات المفقودات، والضغط من أجل خطوات ملموسة لتحديد أماكنهن، ووضع تدابير فعّالة للحد من حالات الاختفاء القسري.

وشدد التقرير على ضرورة تحقيق العودة الفورية والعاجلة لجميع الأشخاص المفقودين، وخاصة النساء والفتيات اللاتي تعرضن للاختفاء القسري أو الاحتجاز غير القانوني أو الاختطاف أو الاعتقال من قبل الأطراف المتحاربة.
وأوصى التقرير بإنشاء شبكة من منظمات المجتمع المدني التي تكرس جهودها لتعزيز التوثيق الإلكتروني للأشخاص المفقودين ودعم الأسر المتضررة.

كما دعا إلى زيادة الجهود العامة المبذولة للحصول على معلومات حول أماكن وجود المختفين قسرًا لدى الأطراف المتحاربة.

وشدد على أهمية إنشاء أنظمة ومبادرات للحماية المجتمعية تهدف إلى منع الاختفاء القسري، وتبادل المعلومات حول المناطق الأكثر عرضة للخطر، لتجنبها، بالإضافة إلى متابعة آخر المستجدات بشأن عمليات البحث عن الأشخاص المفقودين.

وأكد التقرير أن على السلطات الحكومية المعنية تكثيف جهود التحقيق من أجل لم شمل العائلات المتضررة بأفرادها المفقودين، وتقديم الدعم اللازم للأسر في حال وقوع أي مأساة، بالإضافة إلى إحالة الجناة إلى العدالة، بما يتماشى مع التزامات الدولة بموجب الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

ودعا التقرير إلى الحصول على المساعدة من الهيئات الدولية ذات الصلة، مثل فريق العمل المعني بحالات الاختفاء القسري، واللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري، من أجل رصد الحالات وتسليط الضوء عليها، وإبراز صوت هذه الأزمة المتفاقمة.

وختامًا، شدد التقرير على أن مشاركة المجتمع المدني والجمهور يمكن أن تحدث فرقًا كبيرًا، إذ تعتمد حماية المفقودات وتحقيق عودتهن الآمنة إلى أسرهن على الجهود الجماعية واليقظة المستمرة.

ومن خلال تسليط الضوء على هذه القضية وحشد الدعم العام، يمكن العمل معًا لتخفيف الآثار المدمرة للاختفاء القسري على النساء والفتيات في السودان، وضمان حمايتهن وتعافيهن.

ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المادة من إعداد (شبكة إعلاميات) لمتابعة واحدة من أخطر تداعيات حرب السودان الحالية. تعكس المادة الآلام المقيمة للاختفاء القسري للنساء الذي حدث بأعداد مهولة وصلت إلى سجلات المنظمات والمؤسسات ذات الصلة، وهذا ما يتطلب العمل الدؤوب لدرء هذا العنف وتلافي آثاره المدمرة.

 

الوسومالجيش الحرب الدعم السريع السودان النساء شبكة إعلاميات شبكة صيحة منتدى الإعلام السوداني

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: الجيش الحرب الدعم السريع السودان النساء شبكة صيحة منتدى الإعلام السوداني قوات الدعم السریع منذ اندلاع الحرب النساء والفتیات الاختفاء القسری حالات الاختفاء حالة اختفاء من قبل من أجل إلى أن

إقرأ أيضاً:

رهاب العلمانية!

 

رهاب العلمانية!
جمال عبد الرحيم صالح

يُعرَّف الرهاب (Phobia) بأنه حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، تكون أكبر من الخطر الحقيقي، وتؤثر على حياة الشخص اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة الحيوانات أو الحشرات المعينة، وما إلى ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تمس الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تقع في أسرها مجموعات من الناس، جوهرها التمسك بفكرة ما تجعلهم يتصورون أن التخلي عنها يمثل أمرًا مروعًا يجلب العقاب أو الشؤم لمعتنقيها.
من ضمن أنواع الرهاب الجماعي هذا، ذلك المنحى الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي بوجه عام، وفي السودان بوجه خاص. وإن كان الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم يُطبَّق بعد، فإن الأمر في السودان يختلف من حيث المواجهة، باعتبار أن التنظيم الإسلاموي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن من الزمان ربط مصيره بإنفاذ هذا المشروع، بل إنه في الواقع أشعل النيران في أركان البلاد كافة، وحشد الآلاف من المواطنين تحت راية المحافظة على ذلك المشروع.
لقد ظلت الطبقة السياسية في السودان تناهض، على الدوام، مشروع الإسلامويين بحزم في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، إلا أنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء القوانين الإسلامية لسببين، في رأينا. أولهما مخاوفها من فقدان قطاع من جماهيرها، خاصة الحزبين الكبيرين، باعتبار أن جزءًا مهمًا من هذه الجماهير انضم إليهما أصلًا لأنهما يطرحان صيغة إسلامية ما. أما السبب الآخر فهو أنهما لا يمتلكان الرؤية والإرادة اللتين تدحضان الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي إنهما يفتقدان الحجج التي تعينهما على كسب معركة إلغاء تلك القوانين.
لقد مثّل تنصّل الحزبين من إلغاء القوانين الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلًا واضحًا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهما عن طريق الدين. وهو أمر لم يكن جديدًا في الحياة السياسية السودانية، فالإسلاميون أنفسهم، على قلة عددهم حينها، ابتزوا الحزبين نفسيهما عن طريق الدين عام 1965 لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» ذلك الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا حينها، إلى أن قطع انقلاب مايو 1969 الطريق على ذلك.
لقد كان منطقيًا أن يؤدي سقوط الإسلاميين في أبريل 2019 إلى فتح الباب للتخلص من تركتهم القانونية الثقيلة، التي كانت قد أدت مسبقًا إلى تشظي البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. بل وحتى بافتراض أن الملابسات المعقدة والموازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب كان يقتضي فتح نقاشات سياسية واجتماعية عريضة تؤسس للخطوة الأهم، وهي إلغاء تلك القوانين من ناحية، ووضع الأساس النظري الذي ينبغي أن يتأسس عليه هدف فصل الدين عن الدولة من ناحية أخرى.
بدلًا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين على حاله، كما استمر تفادي الطبقة السياسية لوضع إلغاء تلك القوانين في صدارة أجندتها. وأصبح تناول شأن هذه القوانين يتم على استحياء غير مقنع، إما عبر إضافة عبارات لا تجرح أحدًا في إعلانات المبادئ التي تتم مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال تعبير «فصل الدين عن الدولة» في نص المبادئ، أو عبر إحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا يعلم أحد متى سيُعقد، ومن هم المدعوون إليه، وما هي قدرته على تحقيق ذلك.
وكل هذا على الرغم من وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستويين العالمي والسوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكنًا على المستويات السياسية والفكرية والفقهية. ويمكن أن نلخص بعض سمات هذه الحقائق فيما يأتي:
على المستوى العالمي
يتصف النظام الأردوغاني البراغماتي التركي الحالي، الحاضن الرئيس للجماعات الإسلاموية، بملامح إسلاموية لا تخفى، بيد أنه يقوم على العلمانية نظريةً وممارسةً. فعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مرارًا وبشكل علني أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، ووقف معه في الموقف نفسه إسلاميون من الوزن الثقيل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا.
أما على المستوى التطبيقي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تخالف كثيرًا مما ينادي به الفقه الموروث، ذلك الذي يصر إسلاميو السودان على تطبيقه. فالقانون التركي ألغى عقوبة الإعدام، كما أنه لا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء أكان محصنًا أم غير محصن. بل إن الأعجب من ذلك أن القانون التركي يمنع تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى بالضرب على زوجته. كما منح القانون الزوجة الحق في رفض التواصل الجسدي مع زوجها من دون رضاها، ويُعد الضغط عليها في هذا الصدد جريمة تستوجب العقاب!
على المستوى السوداني
أما إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلامويين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما ينادون به في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». فعلى صعيد المبادئ الدستورية، تنازلوا عما هو مستقر في الشريعة، وهو قاعدة الولاء والبراء، إذ أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي المعنون بـ «ميثاق السودان»، مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة. وهو تنازل انبنى عليه دستور 2005، الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم بنوده، وخلت بنوده من مبادئ ما يسمى بالشريعة الإسلامية فيما يخص نظام الحكم كحتمية أن يكون الحاكم مسلماً ذكراً حرّاً، وتطبيق فقه الجهاد، فقه الغنائم، فقه أهل الذمة، وما إلى ذلك.
أما في مجال القوانين، فقد تجاوزوا مرجعياتهم والقواعد التي وصفوها مسبقًا بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك:
* عطّلوا تنفيذ عقوبات بتر الأعضاء فيما يتعلق بالحدود والقصاص.
* أضاف القانون الجنائي شرطًا لم يكن موجودًا من قبل لتطبيق حد السرقة، مما جعل تطبيق ذلك الحد مستحيلًا عمليًا.
* جعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلًا، مرتبطًا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزًا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علمًا بأن القيمة المقررة حاليًا تقل عن ثمن ناقة واحدة.
* ساوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة.
* ساوى في الدية بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم.
* أُجيز العمل بالفائدة المصرفية (الربا) بعد تغيير صورتها الشكلية مع بقاء جوهرها، فيما سُمي بـ «مرابحة الآمر بالشراء» وغير ذلك كثير.
بالنظر إلى كل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق من دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري، ومخاطبة القضية الأكثر أهمية، وهي مسألة العلاقة بين الدين والقانون. فالقانون الجنائي السوداني، القائم على الشريعة الإسلامية، كما يدّعي واضعوه، هو المعضلة الأساسية. فتفادي انفصال الجنوب لم يكن يحتاج إلى أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الحال فيما يخص حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور.

الوسومالخطر الحقيقي الخوف الشديد جنال عبدالرحيم صالح حالة ذهنية رهاب العلمانية

مقالات مشابهة

  • واشنطن : الصين التزمت الحذر .. وإمداداتها لإيران لم تغير مسار الحرب
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ﺗﺼﺎﻋﺪ اﻟﺤﺮب اﻷﻫﻠﻴﺔ ﻓﻰ اﻟﺴﻮدان.. و»اﻟﺒﺮﻫﺎن« ﻳﻄﺎرد اﻟﻤﺮﺗﺰﻗﺔ
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • وجبات خفيفة ومشروبات.. تخصيص المساجد والمدارس القرآنية لمترشحي البكالوريا
  • رهاب العلمانية!
  • أبل تطور ميزة جديدة لحماية آيفون من السرقة والخطف السريع
  • لغز اختفاء 11 عالما نوويا أمريكيا.. العثور على رفات موظفة بمختبر في موقع إنتاج أول قنبلة ذرية
  • الكرملين: الحرب في أوكرانيا قد تنتهي فورًا إذا انسحبت قوات كييف من الدونباس
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش