القانون عندما يفقد رمزيته
تاريخ النشر: 22nd, July 2025 GMT
عيسى الغساني
القانون ليس مجرد كلمات تُدوَّن في كتب رسمية أو تُعلن في الجريدة الرسمية أو مواد مجموعة في تشريع أو تقنين. القانون انعكاس لما يراه المجتمع عدلًا، وإنصافا وتحقيق لقيم المجتمع وأولوياته. لذلك، للقانون رمزية تتجاوز نصوصه وحدوده الإجرائية.
لكن ماذا تعني الرمزية في سياق القانون؟
رمزية القانون تعني مكانته في الوعي العام هل يُحترم؟ هل يُفهم؟ هل يُطبق بعدالة؟ وهل يُشعر الناس بالأمان؟ وهل يبني التماسك الاجتماعي؟ هذه الرمزية ليست شكلاً أو مظهرًا، بل هي جوهر وأساس القوة التي تجعل القانون مقبولا وفاعلًا ومصدرًا للثقة العامة.
لكن هذه الرمزية متحركة وليست ثابتة. فكما إن المجتمعات تتطور وفي حالة ديناميكية مستمرة، فإن القوانين تحتاج إلى مزامنة هذا الحراك. وإذا لم يحصل ذلك، يفقد القانون قوته الرمزية، حتى وإن ظل ساريًا على الورق، في هذه الحالة يفقد القانون صوته. أي يفقد القدرة على التأثير ويصبح جسدا بلا روح.
رمزية القانون هي المعنى العميق الذي يحمله القانون في أذهان الناس وقلوبهم. إنها تتجسد في احترام الناس للقانون، وشعور الفرد بأن القانون يحميه، ويتجلى ذلك بوضوح النصوص وسهولة فهمها دون تعقيد أو ازدواجية، مما يضمن العدالة في التطبيق، دون تحيّز.
بمعنى آخر، رمزية القانون تنبع من قدرته على الجمع بين الشكل والمضمون، بين الصياغة المحكمة والغاية العادلة. فإذا اختلت الصياغة، أو تقادم النص، أو أصبح بعيدًا عن واقع الناس، تتآكل هذه الرمزية، ويبدأ الناس في فقدان ثقتهم بالقانون نفسه.
وقانون الإجراءات المدنية والتجارية: مثال على تآكل الرمزية، حيث مضى على صدوره أكثر من عقدين، ولا يزال النمط التقليدي السائد في الخمسينيات هو المتبع، في حين أنه كان في زمنه نقلة تنظيمية مهمة، إلا أن مرور العقود دون تحديث جذري جعله، في نظر كثيرين، قانونًا قديمًا ومتشعبًا، يعاني من غموض في بعض المواد، بطء في الإجراءات، عدم مواكبة للتحول الرقمي، تناقض أحيانًا بين النصوص وتطبيقها الواقعي.
نتيجة لذلك، أصبحت المحاكم ترهقها الإجراءات، ويجد المتقاضي صعوبة في فهم مسار قضيته، ويشعر أن العدالة أصبحت بطيئة، معقدة، وربما غير مضمونة.
فعندما يشعر الناس أن القانون لا يخدمهم أو لا يساير واقعهم، فإنهم يفقدون الثقة فيه. ومع فقدان الثقة، يضعف احترام القانون نفسه، وتضعف شرعيته الرمزية، حتى إن ظل قائمًا من الناحية الشكلية.
ماذا يمكن أن نفعل؟
القوانين مثل الأجهزة الدقيقة: تحتاج إلى صيانة دورية وتحديث مستمر.
يجب أن تُراجع بانتظام، ليس فقط من حيث اللغة والصياغة، بل من حيث فلسفتها وأثرها الاجتماعي. يجب تبسيط الإجراءات بما يناسب العصر الرقمي. يجب أن تكون عملية صياغة القانون ومراجعته مفتوحة للحوار المجتمعي، حتى يشعر الناس أن القانون يعكس صوتهم، لا يُفرض عليهم.القوانين التي لا تتطور، حتى وإن كانت صادرة من مؤسسات شرعية، تُشبه الجسور القديمة التي بُنيت على نهر تغيّر مجراه. قد تبقى قائمة، لكنها لم تعد تُؤدي وظيفتها.
رمزية القانون لا تُصان بالحفاظ على النص فقط، بل بتجديد الروح التي كُتب بها، ومواكبة حياة الناس كما هي، لذلك فإن مراجعة قوانين مثل قانون الإجراءات المدنية والتجارية، ليست مجرد مسألة فنية، بل هي خطوة ضرورية لاستعادة ثقة الناس في القانون، وفي المؤسسات.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الجار الذي لا يخالط جيرانه
أصبح الناس لا يهتمون كثيرًا بتوطيد علاقاتهم بجيرانهم، بل يحاولون وضع الحواجز المرتفعة التي تحجب عنهم الاحتكاك بمن حولهم، على الرغم من أننا ندرك بأن ليس كل الجيران "سيئين"، فالأغلب قد يكونون سندًا وعونًا لمن يستنجد بهم، لكن السؤال: لماذا لا يختلط البعض بجيرانهم كعلاقة اجتماعية بناءة؟
منذ أيام كان يتحدث لي أحد الزملاء عن سر القطيعة التي تغلب على بعض علاقته بجيرانه، سرد لي بعض المواقف التي حاول فيها إقامة علاقة ود معهم، لكن كل محاولاته باءت بـ"الفشل".
تحدث عن مساعيه، ثم عقد مقارنة بسيطة ما بين الطابع الغالب على الناس في المدينة والمناطق البعيدة، واعترف بأن أغلب القرى، أو لنقل المناطق والولايات، تؤسس معنى العائلة الواحدة بحكم أنهم أقرباء، ولذا فإن جسور التواصل الأسري ممتدة في جذورها، ولكن اختفاء هذا الأمر في المدينة لا بد أن له أسبابًا ومسببات، لكنه عاد ليتساءل عن نشوء حالة من عدم تقبل بعض الجيران الحديث مع جيرانهم.
أكد بأن البعض يعيش حالة الانعزال التام، ليس فقط على مستواه الشخصي، ولكن تمتد حتى إلى أطفاله وأفراد عائلته.
قال بأنه أمضى وقتًا طويلًا منذ أن أتى إلى المدينة في حقبة التسعينيات من القرن الماضي، ثم تنقل في أماكن عيش عديدة، لكنه استقر في مسكنه الحالي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وحتى اليوم لا يعرف أسماء الأشخاص الذين يسكنون إلى جانبه، رغم أنها منازل لعائلات وليست شققًا يسكنها الغرباء فترة ويرحلون.
قال بأن الصدف هي من تجمعه ببعض جيرانه، البعض يرد عليه التحية، والبعض الآخر لا يعيره أي اهتمام!
لم أكن مستغربًا مما قاله، فحياة المدن كما أعلمها جيدًا لها طابعها المختلف عن القرى، لكن السؤال: لماذا ينفر الجيران من بعضهم البعض؟
في نظري، بعض الجيران في المدن يدركون بأنهم خليط تجمعوا في نقطة معينة، ولكل منهم ثقافته وسماته وأفكاره التي استمدها من طابع حياته الماضية، لذا يؤثرون عدم الاحتكاك بالآخرين.
أما البعض الآخر فيرى بأن مستواه الاجتماعي لا يسمح له بالتجانس مع الذين يسكنون إلى جانبه، حتى لا يسألوه في خدمة أو يثقلوا عليه في أمر، والنوع الآخر من الجيران يرى بأن من مقتضيات الخصوصية قطع أي علاقة إنسانية مع الجيران، لذا فهو لا يتداخل أو يتواصل معهم نهائيًا.
وسواء كانت النظرة الأولى أو الثانية أو الثالثة صحيحة، فإن الواقع يتحدث عن نظرة بعض الناس إلى بعضهم البعض، ليست بمستوى واحد، وهي ما تجعلهم لا يتقبلون فكرة الاختلاط مع الجيران أو التداخل على المستوى العائلي، وهذه النتيجة التي توصلت إليها ينفيها الكثير ممن تحدثت معهم حول هذه النقطة، والذين يؤكدون بأنه طبع في بعض البشر، يفضلون العزلة دون سواها.
زميل آخر طرح مبررًا مختلفًا، معتبرًا أن القطيعة في العلاقات ما بين الجيران ترجع إلى كثرة المشاغل اليومية لبعض الناس، وعدم وجود فرصة للالتقاء بالجيران أو التواصل معهم، ولكن هذه النظرة لم تقنعني كثيرًا، لأن الواقع الذي أعرفه من زملاء آخرين يؤكد بأنهم يلتقون بجيرانهم بشكل مستمر، حتى ولو على فترات متقطعة، حتى إن بعضهم يحرص على السؤال عن جيرانه إذا افتقد وجودهم في المكان.
من الملاحظ أن المناسبات الدينية لم تعد لها مكانة عند بعض الجيران، فمثلًا في رمضان لا يتبادلون الأطباق الرمضانية، فالكل متقوقع على نفسه، وكأنه يعيش في عالم منعزل، بينما العادات والتقاليد القديمة كانت تؤصل فكرة التزاور، وتبادل الأطعمة، والسؤال عن الجيران والاطمئنان عليهم بشكل دائم.