في تطور مثير شهده ملف أشهر معتقل مصري، قرّرت محكمة جنايات القاهرة، الاثنين، شطب اسم الناشط علاء عبد الفتاح من قائمة "الكيانات الإرهابية"، ما يعني في القانون المحلي: "رفع اسمه من قوائم المنع من السفر ووقف قرار تجميد الأصول"، وذلك في خطوة ينتظر حقوقيون أن يتبعها أخرى بالإفراج عنه.

وأتى هذا التطور، بالتزامن مع رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، وجّهها الثلاثاء، معتقلون من قيادات جماعة الإخوان المسلمين مضربون عن الطعام منذ الشهر الماضي، رفضا لاستمرار الانتهاكات بحقهم، في "قطاع 2، بسجن بدر 3".



"انفراجة أم مناورة؟"
في ملف علاء عبد الفتاح، (43 عاما) وهو أحد نشطاء ثورة يناير، وأحد معارضي حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، والذي يحمل الجنسية البريطانية، كانت قد أوقفته السلطات الأمنية لرئيس النظام الحالي، عبد الفتاح السيسي، بتاريخ 29 أيلول/ سبتمبر 2019، وحُكم في 20 كانون الأول/ ديسمبر 2021، بالسجن لمدة 5 سنوات.

في أيلول/ سبتمبر 2024، كان من المفترض أن تنتهي مدة عقوبته، لكن النيابة العامة رفضت احتساب فترة الحبس الاحتياطي السابقة لتصديق الحكم، ما يعني بقائه بالحبس حتى 3 كانون الثاني/ يناير 2027 وفقا لحسابات السلطات. ما وصفته منظمات حقوقية بالـ"تعنت".

جرّاء ذلك، دخلت والدته الأكاديمية ليلى سويف، (69 عاما) في إضراب عن الطعام منذ أيلول/ سبتمبر 2024، والاعتصام أمام وزارة الخارجية البريطانية في لندن، التي تدخّلت مرارا لإطلاق سراح عبد الفتاح، دون استجابة من القاهرة.

لذلك فإن رفع اسم عبد الفتاح من "قوائم الإرهاب"، دفع لطرح التساؤلات، حول احتمالات أن يكون القرار خطوة نحو إخلاء سبيله، وإنهاء أزمة أشهر معتقل مصري، عقب نحو 10 شهور من المناشدات الدولية وإضراب والدته عن الطعام.

وتشير قراءات حقوقية، إلى أنّ تلك الخطوة روتينية، ولا يترتب عليها تغيير حقيقي في وضع علاء عبد الفتاح، وأنها تأتي في إطار المناورة من السلطات المصرية لتهدئة الضغوط الغربية والحقوقية وخاصة من المملكة المتحدة.

"مناورة بيروقراطية إلى لندن"
في تعليقها، تقول الحقوقية المصرية، سمر الحسيني: "أتمنى أن تكون هذه الخطوة في سياق تفكيك أزمة اعتقال علاء وخروجه وسفره إلى إنجلترا لاستكمال حكايته مع ابنه".

لكن المدير التنفيذي لـ"المنبر المصري لحقوق الإنسان"، وفي حديثها لـ"عربي21"، تعتقد أنّ: "الدولة المصرية تحاول فقط أن تقدم بعض المناورة البيروقراطية للحكومة الإنجليزية، فيما يبدو أنه تجاوب مع الضغوطات التي تمّت عليها مؤخرا لإطلاق سراحه ولكن دون جدوى حقيقية".

تضيف: "بالطبع نرحب بالقرار جدا؛ ولكن الهدف الأساسي هو خروج علاء، ووقف حملة التنكيل به، وبعائلته، والسماح لهم بالعيش في حياة آمنة والتي اختاروا أن يعيشوها حاليا بالخارج، وهو ما لم يكن متوفرا لهم في مصر".

الحسيني، توضح أنه "في الوقت الذي نرحب فيه بالقرار؛ لدينا مخاوف من أن يكون مجرد محاولة لتقديم قربان غير مجدي، يعني إزالته من قوائم الإرهاب مع استمرار احتجازه بشكل تعسفي، رغم انتهاء فترة عقوبته، وهو الأمر الأهم بكثير من فكرة وجوده على قوائم الإرهاب من عدمه".

وتعرب عن أمنيتها بأن "تكون الدولة المصرية اتخذت تلك الخطوة لكي تكمل بعدها خطوة إطلاق سراحه، ونشجعهم على هذا الإجراء، لأن هذه الأزمة على الرغم من أن والدته ليلى سويف أنهت إضرابها، مستمرة، ومؤثرة على مصر، وعلى المجتمع المصري، وصورة مصر الدولية".


"وضع مأساوي ممتد"
بالرغم من الإفراج عن عدد من المحتجزين عبر لجنة العفو الرئاسي، التي أعيد تفعيلها في نيسان/ أبريل 2022، فإن وتيرة الإفراجات قد اقتصرت على الجنائيين، ولم ترق لتوقّعات المنظمات الحقوقية وتيار المعارضة المدنية، بل إنّ السلطات تواصل سياستها في "إعادة تدوير المعتقلين"، وتوقيف النشطاء واعتقال المعتقلين السابقين.

ومنذ العام 2013، تشنّ السلطات الأمنية حملة اعتقال واسعة بحق قيادات وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين، تبعتها حملات بحق جميع أطياف المعارضة، لكن الرواية الرسمية لا تعترف بوجود معتقلين سياسين، وبالتالي لا تُعلن السلطات عن الأعداد الدقيقة للمعتقلين.

تقديرات حقوقية صدرت في نيسان/ أبريل 2021، عن "الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان"، أكّدت أنّ: "عدد السجناء والمحتجزين بمصر 120 ألفا، مقدرة المحبوسين احتياطيا بـ(37 ألفا) والسجناء السياسيين والجنائيين (82 ألفا)".

لكن "منظمة العفو الدولية"، وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2024، قدّرت عدد المعتقلين السياسيين بالسجون ومراكز الاحتجاز المصرية بأكثر من 70 ألف سجين.

"من بدر 3 إلى الأمم المتحدة"
في تطور لافت، وجّه معتقلون داخل "قطاع 2 بسجن بدر 3"، رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قالوا فيها: "منذ أكثر من 12 عاما، يقبع عشرات الآلاف من معتقلي الرأي والسياسيين بالسجون، محرومين من أبسط حقوقهم، ويتعرضون وأسرهم لأشد صنوف المعاناة".

الرسالة التي وقّعها عن المعتقلين: السفير محمد رفاعة الطهطاوي، والمحامون عصام سلطان، وصبحي صالح، وأحمد أبوبركة، وأسامة مرسي، ومحمد البلتاجي، وسعد الحسيني، تضيف: "كثيرون منّا محتجزون دون أحكام، ومن صدرت بحقهم أحكام فقد حوكموا أمام محاكم لا تتوفر فيها أدنى معايير العدالة المتعارف عليها دوليا".

وتابعت: "نحن على وجه الخصوص في قطاع 2 بسجن بدر 3، نعاني من حبس انفرادي كامل، وحرمان تام من الحركة خارج الزنازين أو رؤية ضوء الشمس، ولا يُسمح لنا بأي زيارة أو تواصل مع أهلنا.".

وتوضّح أنهم كتبوا "هذه الرسالة بعدما حاول 12 من زملائنا الانتحار، ودخل 39 آخرون في إضراب مفتوح عن الطعام"، معربين عن أملهم أن يصل صوتهم عبر الأمم المتحدة.


ويشهد الملف الحقوقي المصري، مؤخّرا، أحداثا مؤسفة، وصلت حد محاولات انتحار بالسجون ومقرات الاحتجاز وقاعات المحاكم، ووفاة معتقلين سياسيين بالإهمال الطبي المتعمد، ولجوء قيادات بجماعة الإخوان المسلمين لخيار الإضراب عن الطعام لمواجهة جرائم التعذيب، والتغريب، وإعادة التدوير، وتوقيف المعتقلين السابقين.

الوضع غير الإنساني للمعتقلين، وفق منظمات حقوقية، يقابله رئيس النظام، بغض الطرف عن مطالبات سياسيين بإنهاء معاناة أكثر من 60 ألف معتقل منذ منتصف 2013، فيما يتعرّض معتقلي جماعة الإخوان المسلمين في سجن "بدر3"، إلى انتهاكات "الحرمان من الزيارة، والطعام من خارج المعتقل، والتريض، وصلاة الجمعة، والعلاج، والحبس الانفرادي".

ومنذ 20 حزيران/ يونيو الماضي، قرّر 10 معتقلين بدء إضراب مفتوح عن الطعام، وهم: محمد البلتاجي، وعبد الرحمن البر، وأسامة مرسي، وخالد الأزهري، وأمين الصيرفي، وأسعد الشيخة، ويسري عنتر، وعمرو زكي، وصبحي صالح، وجهاد الحداد، ليرتفع العدد إلى 39 معتقلا من أصل 58 بقطاع 2.

ووفقا للوصف الحقوقي، فإنّ هذا: "الوضع اللاإنساني، وعدم استجابة السلطات لمطالب المعتقلين، دفع نائب محافظ الإسكندرية الأسبق حسن البرنس، لكتابة وصيته: من عنبر الموت"، مؤكدا أنه: "قدّم روحه لله رفقة العشرات من زملائه المعتقلين في قطاع 2 بسجن بدر 3 ليسمع أحرار مصر والعالم صرختهم ويطالبهم برفع ظلم السنين عنهم".


"مستجدات أزمات المعتقلين"
وفي أحدث استغاثات المعتقلين كشف مركز "الشهاب لحقوق الإنسان" عن استغاثة المعتقلين وليد دهشان، وعمر عدلي من سجن "بدر 2"، من تنكيل الأمن الوطني بالمعتقلين المنقولين للسجن، عبر منع الزيارة، والطعام القانوني، والخدمة الطبية، وإغلاق الغرف، وحرمانهم من التريض، ووضعهم بغرف التأديب، مع انتشار أمراض جلدية.



ومن سجن "أبو زعبل 2"، كشفت "الشبكة المصرية لحقوق الإنسان"، عن وضع صحي كارثي يعاني منه الأكاديمي المصري والخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد، علي عبد العزيز، الذي جرى اعتقاله في كانون الثاني/ يناير 2024، ويعاني حاليا من "غيبوبة متكررة وورم خطير يهدد حياته، وترفض سلطات السجن إجراء الجراحة العاجلة له".



غياب الحد الأدنى من الرعاية الطبية داخل السجون، بحسب تأكيد منظمات حقوقية أدّى الجمعة الماضية، إلى وفاة الأكاديمي المصري، محمد أحمد غنيم، (57 عاما)، والمحتجز بسجن "وادي النطرون 440"، إثر إصابته بأزمة قلبية.

وبينما لا يوجد رقم رسمي لعدد وفيات المعتقلين، فإنّ تقديرات منظمات حقوق الإنسان، تشير إلى أكثر من 1300 حالة وفاة منذ عام 2013 وحتى نهاية 2023، فيما تواصل توثيق حالات الوفاة الناتجة لظروف الاحتجاز المتردية والإهمال الطبي وسوء المعاملة.

"تنكيل مستمر ووضع لا إنساني"
عن أوضاع المعتقلين المصريين وما يجري من حراك وإضرابات في سجن "بدر 3"، وتوقعاتها لمآلات هذا الحراك وقدرته على إحداث تغيير في ملف المعتقلين، تحدثت الحقوقية المصرية، سمر الحسيني.

وتقول إنّ: "الدولة المصرية لديها سياسة تنكيل مستمر مع قاطني هذا السجن بالتحديد مع الأخذ في الاعتبار نوعيتهم العديد منهم من قيادات جماعة الإخوان المسلمين"، مؤكدة: "من الطبيعي لو افترضنا أنّ هناك جريمة؛ فالجريمة لها عقوبة، ولكن العقوبة لابد أن تتم في أوضاع إنسانية".

وتبيّن: "نتحدث هنا عن أناس حُرموا من الزيارة لسنوات، وليس لديهم اتصال بعائلاتهم ومحاميهم، ولا قدرة لهم على الإبلاغ عن الانتهاكات التي يتعرضون لها، والإهمال الطبي المتعمد والمستمر لمدد طويلة ما يجعل حياتهم في خطر، وبينهم أناس في سجن انفرادي لمدد غير محددة بالمخالفة للقوانين الدولية والمحلية".

وتوضح أنّ: "السجن الانفرادي عقوبة داخل العقوبة، وهناك قواعد تنظم هذا الوضع، ووجود أفراد في سجن انفرادي يعدّ نوعا من أنواع التعذيب، والمعاملة اللاإنسانية".


"رسائل للدولة"
الحسيني، ترى أنه "على الدولة المصرية أن تسمح للمنظمات الدولية وفي مقدمتها هيئة الصليب الأحمر والمنظمات المحلية المستقلة بعمل زيارة عاجلة للسجن، والاستماع لشكاوى الناس، وتسجيل إضرابهم عن الطعام المستمر منذ فترة، كمحاولة للحصول على حقوقهم الإنسانية البسيطة".

وتطالب الدولة المصرية أيضا بأن "تسمح بزياة عاجلة لهم، وتفتح تحقيقا في الانتهاكات التي تمت، والتجاوزات الجسيمة التي يقوم بها مسؤولي سجن بدر، بحق المعتقلين".

وفي نهاية حديثها ترى الحقوقية المصرية أنه "على الدولة المصرية أن تراجع بشكل عام، وضع السجون، وأن تكون هناك آلية مستقلّة متعلقة بالسجون والتفتيش عليها"، وأيضا "تسمح للهيئات المعنية بحقوق الإنسان أن تذهب بشكل عاجل ودوري لمتابعة أوضاع السجناء، وتسجل شكاواهم، وتتعامل مع تلك الشكاوى، وترى كيف تتعامل الدولة مع تلك الشكاوى، وكيف تُجرم الدولة الاعتداءات الجسيمة التي يتم ارتكابها ضد المعتقلين".

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية سياسة عربية علاء عبد الفتاح الأمم المتحدة الأمم المتحدة علاء عبد الفتاح السجون المصرية المزيد في سياسة سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة جماعة الإخوان المسلمین علاء عبد الفتاح الدولة المصریة قوائم الإرهاب عن الطعام سجن بدر 3 فی سجن

إقرأ أيضاً:

مصطلح رعاية الإرهاب.. عصا الدول الكبرى وجزرتها

مصطلح إشكالي يشير إلى تقديم دعم منظم ومقصود من قبل دول أو جهات فاعلة لأعمالٍ تصنف بأنها إرهابية، بغرض تحقيق أهداف سياسية أو استراتيجية. ويشمل ذلك التمويل وتوفير الملاذ الآمن والتسليح والتدريب، وصولا إلى الدعم اللوجستي والسياسي الذي يضمن بقاء التنظيمات المسلحة واستمرار نشاطها.

وقد أصبح هذا المفهوم محورا مركزيا في النقاشات المتعلقة بالأمن الدولي، إذ إن هذا النوع من الدعم يضاعف القدرات الذاتية للجماعات المسلحة، ويجعل مكافحتها بالوسائل التقليدية أمرا بالغ الصعوبة. كما أن المفهوم تحول إلى أداة رئيسية في هندسة العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية، وبات معيارا حاسما في تقييم الشرعية السياسية للأنظمة وتبرير التدخلات ضدها، وأداة من أدوات الصراع على النفوذ وتصفية الحسابات السياسية.

تاريخيا، برز المفهوم خلال الحرب الباردة لوصف استخدام القوى العظمى جماعات مسلحة لتصفية الحسابات وتوسيع النفوذ، ثم اكتسب مركزية جديدة في سياق الحرب على الإرهاب، حيث استُخدم لتجريم دول بأكملها بوصفها حواضن للإرهاب، وصولاً إلى المنطقة العربية حيث تداخل مع جدل حاد حول التمييز بين رعاية الإرهاب ودعم حركات التحرر الوطني.

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (يمين) يصافح كيم جونغ أون رئيس كوريا الشمالية التي تصنفها الولايات المتحدة دولة راعية للإرهاب (الجزيرة)الإرهاب ورعايته ودعمه.. ما المقصود بكل ذلك؟

يعرّف الإرهاب (Terrorism) في أوسع صوره بأنه استخدام العنف أو التهديد به بغرض تحقيق أهداف سياسية، وقد يُلحق بهذا التعريف شروط أخرى مثل استهداف المدنيين أو ارتكاب أفعال تجرّمها القوانين.

ويمكن تمييز الإرهاب عن العنف السياسي والكفاح المسلح من خلال طبيعة الأهداف والضحايا، حيث يرتكز الإرهاب على الاستهداف المتعمد للمدنيين ولغير المقاتلين بغرض إيصال رسالة سياسية.

وفي المقابل، تشير رعاية الإرهاب إلى تقديم دعم مقصودٍ من دول أو جهات غير حكومية لجماعات مسلحة غير حكومية؛ من أجل تنفيذ تلك الأفعال نيابة عن الدولة، بغية تحقيق مصالحها مع الحفاظ على قدر من الإنكار. ويتجلى ذلك في صور مثل تقديم التمويل والملاذ والتدريب لتنظيمات أخرى، خدمةً لأهداف مشتركة.

إعلان

ويلحق بهذه التعريفات إشكالية وصف فعل محدد بأنه فعل إرهابي، والتمييز بينه وبين الكفاح المسلح أو المقاومة، خاصة إذا كان هذا الفعل موجها ضد الاحتلال. إذ لا توجد جهة دولية عليا متفق عليها تحدد ما ينطبق وما لا ينطبق عليه هذا الوصف، بل تظل المسألة خاضعة للتوازنات السياسية وحسابات الدول القوية وتأثيرها بحسب مصالحها الاستراتيجية.

أما مصطلح "الدولة الراعية للإرهاب"، فهو مصطلح في القانون الأمريكي والأنظمة القانونية المماثلة، ويعدّ تصنيفا رسميا يطلق على الدول التي يقرر وزير الخارجية -من منظور حكومته- أنها قدمت دعما متكررا لأعمال الإرهاب الدولي، سواء من حيث التمويل أو التدريب والتسليح أو تقديم ملاذ آمن أو غير ذلك، مما يترتب عليه فرض عقوبات اقتصادية صارمة وقيود على التصدير والمساعدات ورفع الحصانة السيادية أمام المحاكم.

وقد فرضت واشنطن -تاريخيا- عقوبات على دول مختلفة بحجة أنها راعية للإرهاب، مثل العراق وإيران والسودان وكوريا الشمالية وكوبا وسوريا وليبيا واليمن الجنوبي. وقد تغيّر وضع بعض هذه الدول في فترات لاحقة بناء على تطور العلاقات السياسية والتسويات الدبلوماسية، حيث أزيل العراق في فترات معينة لغايات الدعم العسكري ثم أعيد، كما سحبت كل من ليبيا والسودان وكوبا من القائمة إثر تفاهمات سياسية محددة.

الرئيس الفنزويلي المعتقل نيكولاس مادورو أثناء اقتياده إلى محكمة أمريكية بتهمة الإرهاب المرتبط بتجارة المخدرات (رويترز)تطوّر مفهوم رعاية الإرهاب

برز مصطلح رعاية الإرهاب في الأدبيات السياسية والأمنية الغربية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، لوصف ظاهرة لجوء بعض الحكومات إلى استخدام جماعات مسلحة غير حكومية وكلاء لتحقيق أهدافها. وارتبط هذا المفهوم بديناميكيات الحرب الباردة، حيث نظرت القوى الكبرى -ولا سيما الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية- إلى هذه التنظيمات بوصفها أداة غير مكلفة لخوض حروب بالوكالة ضد الخصوم، وتوسيع النفوذ في مناطق النزاع دون التورط في مواجهة عسكرية مباشرة.

ومن أبرز الأمثلة المبكرة على هذه الرعاية الدولية، ما أثير بشأن تقديم دول مثل ليبيا الأسلحة والدعم المالي لتنظيمات مثل الجيش الجمهوري الإيرلندي، والدعم السوفياتي لجماعات يسارية في أوروبا، إلى جانب رعاية دول شرق أوسطية لفصائل فلسطينية مسلحة لتصفية خصومات إقليمية.

وانعكس هذا الواقع العملي على نقاشات القانون الدولي، من خلال دفع الفقهاء والمؤسسات الدولية للبحث في كيفية تحميل الدول المسؤولية القانونية عن أفعال فاعلين غير حكوميين، مما أدى إلى تطوير نظريات قانونية معقدة مثل معيار السيطرة الفعالة؛ من أجل ربط الجرائم التي ترتكبها هذه الجماعات بالدول التي تمولها وتوجهها.

وعلى الرغم من عدم وجود تعريف متفق عليه لمفهوم رعاية الإرهاب لأسباب عدة منها إصرار بعض الدول على التمييز بين ما تراه إرهابا وبين ما تراه حركات تحرر وطني، فقد تعاملت اتفاقيات مكافحة تمويل الإرهاب -وعلى رأسها الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب لعام 1999- مع مسألة مسؤولية الدول بوضوح، عبر إلزامها باتخاذ تدابير لمنع تمويل الأعمال الإجرامية، وتجريم توفير أو جمع الأموال لصالح جهات إرهابية، وتجميد الأصول التابعة لها، مما جعل توفير التمويل شكلا من أشكال رعاية الإرهاب المحظورة.

إعلان

وتقع رعاية الإرهاب ضمن التصنيفات القائمة لانتهاكات القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان، باعتبارها مشاركة في جرائم محظورة، حيث تحظر اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها استهداف المدنيين ونشر الرعب بينهم، وتعد الدولة الداعمة شريكة في هذه الانتهاكات متى ما ثبت توجيهها للفاعلين.

وتوجد ثغرات متعددة في المسار القانوني لمحاسبة الدول على دعم الإرهاب، منها صعوبة إثبات الارتباط السببي ومعيار السيطرة الفعالة بين الدولة والجماعة المنفذة، بسبب الطبيعة السرية لهذه العلاقات، إلى جانب التسييس واستخدام حق النقض في مجلس الأمن الذي يحول دون فرض عقوبات موحدة على الدول الراعية التي تحظى بحماية قوى كبرى.

وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يتحدث خلال اجتماع وزاري بشأن الإرهاب السياسي في واشنطن (رويترز-2026)عصا دعم الإرهاب

تستند البنية القانونية لتصنيف دولة ما بوصفها راعية للإرهاب إلى قوانين تشريعية محددة. فيعتمد النظام الأمريكي مثلا على ثلاثة قوانين رئيسية، هي: القسم 1754(ج) من قانون تفويض الدفاع الوطني (قانون الرقابة على الصادرات)، والقسم 40 من قانون مراقبة تصدير الأسلحة، والقسم 620 (أ) من قانون المساعدات الخارجية لعام 1961.

وتتمثل النتائج القانونية المباشرة المترتبة على هذا التصنيف في أربع فئات رئيسية، تشمل:

فرض قيود على المساعدات الخارجية الأمريكية. حظر الصادرات والمبيعات الدفاعية والأسلحة. فرض ضوابط على صادرات المواد ذات الاستخدام المزدوج. فرض قيود مالية أخرى تمنع قروض المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وتسمح لضحايا الإرهاب برفع دعاوى قضائية للحصول على تعويضات مالية.

وتصنف الولايات المتحدة الأمريكية أربع دول باعتبارها دولا راعية للإرهاب، أقدمها سوريا (1979) قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عزمه على رفعها من هذه القائمة، ثم إيران (1984)، وكوريا الشمالية (2017)، وكوبا (2021).

وعلى صعيد العلاقات الدولية، يجتذب وصم الدولة الراعية للإرهاب انتباها سلبيا عالميا، يثبط الاستثمار الأجنبي والمساعدات الدولية. كما يعقد هذا التصنيف العلاقات الدبلوماسية ويقيد مرونة السلطة التنفيذية في التفاوض أو تحسين العلاقات الثنائية بسبب الطبيعة الشاملة للعقوبات. ولا يرتبط هذا التصنيف دائما بأدلة قاطعة وواضحة على دعم الإرهاب في الوقت الحاضر، بل يخضع بشكل كبير لاعتبارات جيوسياسية وتوجّهات السياسة الخارجية.

ولضمان التزام المجتمع الدولي، تستخدم العقوبات الثانوية للضغط على دول وشركات أخرى للامتثال لهذا التصنيف الأحادي، حيث تفعّل قوانين تعاقب الأفراد والكيانات والدول الثالثة التي تمارس أعمالا تجارية أو مالية مع الدولة المصنَّفة، مما يجبر المؤسسات المالية الدولية والشركات الأجنبية على مقاطعة تلك الدول حتى تتجنب التعرض للغرامات أو الحرمان من الوصول إلى الأسواق.

جدارية في العاصمة هافانا تضم زعماء في كوبا التي تصنفها الولايات المتحدة دولة راعية للإرهاب (أسوشيتد برس)النقد الأكاديمي والفكري

يمثل غياب تعريف دولي شامل ومتفق عليه لمفهوم الإرهاب ورعايته مشكلة قانونية. وفي هذا السياق، تجادل دراسة الباحث آري ويل (Ari Weil) المعنونة "تحديات تعريف الإرهاب في القانون الدولي" بأن هذا الغياب يترك فراغا قانونيا، ويجعل المفهوم خاضعا للأهواء، مؤكدا أن هذا الفراغ يسمح للدول بتوظيف المصطلح سياسيا لخدمة مصالحها وتجريم خصومها.

ويبرز نقد آخر يتعلق بالتداخل المعقد بين مفهوم رعاية الإرهاب ومفاهيم المقاومة والكفاح المسلح. وتوضح أطروحة الباحث عبد الجبار مكاوي حول "المسؤولية الجنائية الدولية عن جرائم الإرهاب الدولي" أن دولا عديدة تصر على التفريق بين الأعمال الإجرامية وبين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال والسيطرة الاستعمارية. وقد خلق هذا التداخل جدلا عميقا حول مسألة الشرعية، وهو ذات الخلاف الدبلوماسي الذي أدى إلى شلل مفاوضات الاتفاقية الشاملة للإرهاب في الأمم المتحدة، حيث تتباين المواقف إزاء ما إذا كان دعم حركات التحرر يعتبر واجبا مشروعا أم رعاية للإرهاب.

إعلان

ومن أوجه الانتقاد الأخرى ظاهرة التركيز الانتقائي على حالات معينة من العنف وتصنيفها إرهابا برعاية دول، مع تجاهل حالات مشابهة ترتكبها دول أخرى. ويذهب هذا النقد إلى أن التركيز يُسلّط دائما على الفاعلين من غير الدول أو الدول المارقة، بينما يتم التغاضي عن إرهاب الدولة المباشر أو العنف الذي تمارسه القوى الكبرى، مما يجعل التصنيف أداة في يد الأقوى بدلا من كونه معيارا قانونيا محايدا.

كما أن التصنيفات الأحادية -مثل القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب- كانت هي الأخرى محل نقد، فهذه القوائم أدوات للسياسة الخارجية والمناورة الجيوسياسية، وليست تقييمات موضوعية. وتطرح دراسة "القائمة السوداء كسياسة خارجية" المنشورة في مجلة ديوك القانونية مشكلة إدراج الدول وخضوعها لخلافات سياسية واستخدامها أوراق ضغط أو مساومة، مشيرة إلى غياب المعيار الموحد في عملية التصنيف.

وتتضح هذه الانتقائية بشكل جلي عند مقارنة دول متهمة رسميا ومدرجة في القوائم بدول أخرى مستبعدة رغم دعمها لجماعات مسلحة. ويشير الباحث بول بيلار إلى حالة كوبا التي اعتبر بقاؤها في القائمة مرتبطا بالسياسة الداخلية الأمريكية، وحالة العراق الذي سحب من القائمة في الثمانينيات لتسليحه ضد إيران ثم أعيد إليها لاحقا. ويقارن الباحث ذلك بدول حليفة، مثل باكستان أو السعودية، التي استبعدت من التصنيف تماما رغم تقارير توثق تقديمها دعما لوجستيا أو تمويليا لجماعات مسلحة، مما يثبت تباين المعايير.

كما يوجد في الأدبيات أيضا نقد يشكك في فعالية رعاية الإرهاب وفرض العقوبات، وأثرها الفعلي، بين الحكومات والأنظمة التي قد تجد طرقا متعددة للالتفاف على هذه العقوبات والقيود، وبين الشعوب التي تكون هي من يتجرع تداعيات هذه العقوبات، بما يؤدي إلى إطالة أمد المعاناة، وتقويض العدالة بدلا من الحد من العنف.

مقالات مشابهة

  • محمد صالح: ثورة 30 يونيو امتداد للإرادة الوطنية التي عبرت عنها ثورة يوليو
  • الخارجية الأمريكية تضع قياديا إخوانيا و 6 أفراد وكيانات إخوانية على قوائم الإرهاب
  • واشنطن تدرج 4 أفراد و3 كيانات على قوائم الإرهاب بزعم دعمها لجماعة الإخوان
  • قبل انتهاء عقده.. خطوة تفصل أرنولد عن الاستمرار مع المنتخب العراقي
  • مصطفى بكري : مبادرة «طابع الوفاء» خطوة لدعم أصحاب المعاشات
  • الأوقاف : ثورة يوليو لم تكن حدثًا عابرًا .. بل نقطة انطلاق لبناء الدولة المصرية الحديثة
  • في خطوة رمزية.. مجلس النواب الأمريكي يصوت لوقف حرب إيران
  • البرهان يلقي كلمة السودان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في هذا الموعد
  • السجون المصرية تواصل حصد أرواح المعتقلين مع استمرار التنكيل والإهمال الطبي
  • مصطلح رعاية الإرهاب.. عصا الدول الكبرى وجزرتها