جيفري إبستين، رجل أعمال وملياردير أمريكي، كان معروفًا بعلاقاته الواسعة مع عدد من الشخصيات البارزة في الأوساط المالية والسياسية والثقافية. ثم وفي نيسان/ أبريل 2005، فتحت شرطة بالم بيتش بولاية فلوريدا تحقيقًا مع إبستين بعد بلاغ من أحد الآباء حول استدراجه لابنته البالغة من العمر 14 عامًا إلى الفراش، نظير مبلغ مالي، وتم اعتقاله وتقديمه للمحاكمة، وصدر بحقه حكم بالسجن لعامين، ثم تم الافراج عنه بعد 13 شهرا، بموجب صفقة مع وزارة العدل، تسمح له بمزاولة عمله، مع البقاء تحت الرقابة القضائية، وفيما تلا ذلك من سنوات تقدم 36 من ذوي فتيات قاصرات ببلاغات ضد ابستين، يتهمونه بالاعتداء الجنسي عليهن، وكشفت التحقيقات أن ابستين كان يدير خلية للاتجار بالفتيات القاصرات، اللواتي كان يقدمهن لمجموعة مختارة من "ضيوفه"، وأودع السجن في تموز يوليو 2019، في انتظار جلسة النطق بالحكم عليه، وتم العثور عليه ميتا في السجن بعدها بنحو شهر، وقال تقرير الطب الشرعي، إنه مات منتحرا بشنق نفسه.
مايكل فرانزيسي، وهو رئيس عصابة، كان نزيل نفس السجن الذي كان فيه ابستين، أبلغ الصحفي في قناة نيوز نيشن الأمريكية برايان انتين، أنه قضى سبعة أشهر في الزنزانة التي كان ابستين نزيلها، وأنه لا يمكن لشخص أن ينتحر شنقا في مثل تلك الزنزانة، "فلا شيء في السقف أو الباب أو السرير يجعل شنق النفس ممكنا" حسب قوله، ومن ثم راجت معلومات بأن الرجل مات مخنوقا وليس شنقا، وعزز هذه الفرضية أن ابستين كان خاضعا للرقابة بكاميرات تلفزيون في زنزانته، وعندما أفرجت وزارة العدل الأمريكية عن شريط الفيديو للحظات الأخيرة في حياة ابستين، قبل أيام، كانت هناك فجوة مدتها دقيقتان وأربعون ثانية في الشريط، بالضبط عند "النقطة" التي كان ينبغي أن تكشف عن كيفية موته.
ثم دخل المريب، الذي يكاد يقول: خذوني، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خط القضية، عندما هدد بمقاضاة صحيفة وول ستريت جيرنال، بزعم أنها أشانت سمعته، عندما قالت إنه قدم لابستين بطاقة يهنئه فيها بعيد ميلاده، بها صورة فتاة عارية تماما، ولكنه لم يفعل رغم تمسك الصحيفة بموقفها، وإعلانها أنها لا تمانع في المثول أمام القضاء، لعرض البطاقة موضوع القضية المرتقبة.
ثم كان ما كان من أمر وزيرة العدل بام بوندي، التي كانت قد صرّحت في وقت سابق من هذا العام، بأن لديها "قائمة بعملاء إبستين"، أي شركاءه في جرائم التغرير بالقاصرات، على مكتبها، ولكن ما أن علت أصوات المطالبين بنشر ما يسمى بملفات ابستين، والتي تحوي تلك القائمة، كي يعرف الرأي العام ما إذا كان ترامب مدرجا فيها، حتى أصدرت بوندي مذكرة رسمية تقول فيها إن "مثل هذه القائمة لا وجود لها"، وكما كان متوقعا فقد بادر ترامب إلى الإعراب عن دعمه القوي لبوندي، قائلاً إنها تعاملت مع المسألة بشكل جيد.
تتألف القاعدة الجماهيرية لترامب في معظمها من أنصاف المتعلمين، والمتعصبين المسيحيين، والعنصريين الاستعلائيين، ومثل هذه الفئة، يغرّها المدح ويؤلمها القدح بقوة، ومن ثم فإن وصف ترامب لهم بالضعف والجهل، والانجرار خلف "دعاية" الحزب الديمقراطي- وهي اتهام بالغباء، أحدث شرخا في صفوف الجمهوريين، وبهذا فإن ترامب بنرجسيته المعهودة وجهالته الجهلاء، قلب أقوى مناصريه إلى خصوم، وهكذا يكون الجاهل عدوا لنفسهما أقلق مرقد ترامب، هو أن أصواتا جهيرة لمناصريه من جماعة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا"، أعلنت عبر مختلف المنابر والمنصات أن إخفاء ترامب ووزيرة العدل لـ"القائمة" أمر مريب، يلقي ظلالا كثيفة من الشك على ترامب نفسه، فما كان من الأخير إلا أن وصف أنصاره أولئك بـ"الضعفاء"، لتصديقهم ما وصفه بـ"خدعة" الديمقراطيين بشأن جيفري إبستين، الذي سبق أن مول بسخاء حملة ترامب الانتخابية عام 2016، وقال إنه لم يعد يرغب في دعمهم السياسي، ووصفهم ب"أنصاري السابقين الذين لم يتعلموا، ولن يتعلموا الدرس".
وكان رد فعل أنصار ترامب قويا وبليغا، فقد توافدت مجموعات كبيرة منهم الى نقاط مختلف في مختلف الولايات، وأحرقوا قبعات عليها شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا"، التي قام ترامب بالترويج لتسويقها لحسابه الخاص. ثم تدافع نواب في الحزب الجمهوري الذي أوصل ترامب الى البيت الأبيض، لمطالبة وزيرة العدل بوندي بنشر ملفات ابستين "لنعرف ما إذا كان ترامب فعلا من زبائن حفلات ابستين الماجنة".
واستشعر ترامب الخطر، وخطل تصريحاته الاستفزازية، وأعلن الخميس الماضي، أنه سيتم نشر ملفات ابستين ،التي سبق أن أعلنت وزيرة العدل بوندي أنها تخلو من أسماء المتواطئين مع ابستين في جرائمه، ولكن لات ساعة مندم، فقد وقع الفأس على الرأس سلفا، وبدأت الهجرات الجماعية بعيدا عن تحالف "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" الذي قدم لترامب شيكا على بياض، ولم يحتج عندما أصدر قراراته الرعناء بالدخول في حرب اقتصادية ضد جميع دول العالم، ولا على مشاركته لإسرائيل في هجومها على إيران، بل صفق لمطالبته بضم كندا وجزيرة غرينلاند إلى الولايات المتحدة، والاستيلاء على قناة بنما.
تتألف القاعدة الجماهيرية لترامب في معظمها من أنصاف المتعلمين، والمتعصبين المسيحيين، والعنصريين الاستعلائيين، ومثل هذه الفئة، يغرّها المدح ويؤلمها القدح بقوة، ومن ثم فإن وصف ترامب لهم بالضعف والجهل، والانجرار خلف "دعاية" الحزب الديمقراطي- وهي اتهام بالغباء، أحدث شرخا في صفوف الجمهوريين، وبهذا فإن ترامب بنرجسيته المعهودة وجهالته الجهلاء، قلب أقوى مناصريه إلى خصوم، وهكذا يكون الجاهل عدوا لنفسه.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه رجل أعمال ترامب الرأي وفاة امريكا رأي رجل أعمال ترامب مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة مقالات سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.
واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of listويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.
ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.
ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.
وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.
غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.
إعلانلكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.
وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.
ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".
المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة
بواسطة مارك سانتورا
قائد جريءوتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.
وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.
مهمات جديدة معقدةغير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.
كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.
ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.
نهاية مرحلةفي المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.
وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.
إعلانلكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.
صراع بين مدرستين
وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.
وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
أزمة الموارد البشريةويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.
وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.
وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.